الـعـمـل والكـــســب
ذكر الله تعالى في كتابه العزيز العمل
والكسب بمعنى حصيلة العمل الأخروي الذي يحاسب عليه خلقه في معظم الآيات ليبين لنا
أن العمل "أي عمل نعمله" يؤثر في المحصلة النهائية للمستوى الذي يصل
إليه الإنسان في رحلة العودة لأحسن تقويم, فقال في بعض الآيات كمثال لذلك (فويل
للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا
فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) وقال (بلى من كسب
سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال (تلك
أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) وقال
(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما
رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها
أزواج مطهرة وهم فيها خالدون) وقال (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل
عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم
وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها
الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب).
إلا أنه ذكر الكسب بالمفهوم الذي نعرفه في آية
واحدة فقط فقال (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا
لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه
واعلموا أن الله غني حميد).
وأوضح سبحانه وتعالى أنه جعل وقتا للسعي على
المعاش فقال (وجعلنا النهار معاشا).
وحث على السعي على المعاش فسمح بالمتاجرة والعمل
في وقت الحج فقال (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من
عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن
الضالين).
وذكر أن من عباده من يسعى بالسفر بين البلاد
للحصول على المعاش فخفف عليهم قيام الليل فقال (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من
ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن
تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرءان علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون
يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر
منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من
خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم).
وسبحانه وتعالى أحل البيع والشراء وحرم الربا (الذين
يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا
إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه
فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
وبين لنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم أفضل وسائل الكسب فقال (أفضل الكسب بيع مبرور وعمل الرجل بيده) أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن
أبي بردة بن نيار وقال السيوطي: حسن.
وبين منزلة من يتبع شرع الله ويطيعه في عمله فقال
(التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة) ابن ماجة والحاكم في
المستدرك عن ابن عمر.
ثم بين صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين لا
يأكلون إلا من حلال فقال (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به
المرسلين فقال: (يا أيها الرسل كلوا من
الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
وقال (الحلال بين، والحرام بين،
وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه
ودينه، ومن وقع في المشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه.
ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه. ألا وإن في الجسد
مضغة إذ صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) متفق عليه
[البخاري ومسلم] والأربعة [أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجة] عن النعمان بن بشير وقال السيوطي: صحيح.
وعن أبي رزين العقيلي أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (مثل المؤمن مثل النحلة لا تأكل
إلا طيباً ولا تضع إلا طيباً( رواه الطبراني في الأوسط.
وعن ابن عباس قال: تليت الآية عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً) فقام سعد
بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (يا سعد أطب مطعمك تكن
مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما
يتقبل منه عمل أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به). رواه الطبراني في الصغير.
لقد بين الحق سبحانه وتعالى لخلقه أن رزقهم
ليس في الأرض فيتنافسوا ويتكالبوا عليها كما نرى اليوم فقال (وفي السماء رزقكم
وما توعدون. فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون).
ولتأكيد أن أحدا لن يُنقص أحدٌ رزقه, ضمن لكل منهم
رزقه فقال (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها
كل في كتاب مبين).
ثم قال أن ما نأكل منه هو من رزقه لنا, ونبه أن
يكون من حلال فقال (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم
إياه تعبدون).
ثم بين أن وسائل الحصول على الرزق ليس السعي فقط
ولكن قبل السعي يجب أن يتوافر الإيمان والتقوى فقال (ولو أن أهل القرى آمنوا
واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا
يكسبون).
وبين أن الاستغفار من الذنوب من أهم وسائل الحصول
على الرزق الوفير فقال (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء عليكم
مدرارا. ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا).
ولقد أوضح صلى الله عليه وسلم أن التوكل مع السعي
يؤدي للحصول على الرزق فقال (لو أنكم توكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق
الطير؛ تغدو خماصا، وتروح بطانا) أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة
والحاكم في المستدرك عن عمر وقال السيوطي: صحيح.
فالطير يسعى ولكن يتوكل. ومفهوم التوكل شرحناه في مقال "التوكل والتفويض
والتسليم."
ثم بين الحق عز وعلا حقيقة الحياة الدنيا
فقال (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في
الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما
وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).
وقال مبينا أن نهاية الحياة في الدنيا هي الموت,
والأهم فيها هو محصلة عمل الآدمي (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم
القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع
الغرور).
وأوضح المصطفى المبعوث رحمة للعالمين ذلك أيضا
فقال (إن الدنيا
ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالما أو متعلما)ابن ماجة
والترمذي عن أبي هريرة. قال السيوطي: حسن.
قال أبو العباس القرطبي لا يفهم من هذا الحديث إباحة لعن الدنيا وسبها
مطلقاً لما روينا من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم (لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن الدنيا عليها يبلغ الخير وبها ينجو من
الشر وإذا قال العبد لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه أعصانا لربه) وهذا
يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها ووجه الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما
كان مبعداً عن اللّه وشاغلاً عنه كما قال بعض السلف كل ما شغلك عن اللّه من مال
وولد فهو عليك مشؤوم وهو الذي نبه على ذمه بقوله تعالى (إنما الحياة الدنيا لعب
ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد)، وأما ما كان من الدنيا
يقرب من اللّه ويعين على عبادة اللّه جل جلاله فهو المحمود بكل لسان والمحبوب لكل
إنسان فمثل هذا لا يسب بل يرغب فيه ويحب وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم
(إلا ذكر اللّه وما والاه).
ثم بين صلى الله عليه وسلم حقيقة الدنيا فقال (إن
الله تعالى جعل ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا) أحمد في مسنده والطبراني في
الكبير والبيهقي في شعب الإيمان عن الضحاك بن سفيان وقال السيوطي: صحيح.
ثم نصحنا بكيفية العيش في الدنيا؛ فعن ابن عمر
رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما قال أخذ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم
بمنكبي فقال (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) صحيح البخاري عن ابن عمر، زاد
أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة (وعد نفسك من أهل القبور) وقال السيوطي: صحيح.
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،
وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
قالوا في شرح هذا الحديث معناه: لا تركن إلى
الدنيا، ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها،
ولا تتعلق منها بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به
الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله، وبالله التوفيق.
ثم بين الحق
تعالى أنه يحب أن يحسن المرء في كل شيء فقال (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا
بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) وقال (ليس على
الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات
ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين).
وبين
صلى الله عليه وسلم ذلك أيضا؛ فعن أبي يعلى شداد بن أوس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عن
رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: (إن
اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم
فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رَوَاهُ مُسلِمٌ وابن ماجة
والترمذي والنسائي والطبراني في الكبير.
وقال
(إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) البيهقي في شعب الإيمان عن
عائشة.
فلا
يقل أحد لا أعمل إلا بقدر ما يدفع لي؛ أنت قبلت العمل من البداية بذلك الأجر فعليك
أن توفي العمل حقه, وتؤديه على أكمل وجه وإلا كنت من المطففين الذين إذا اكتالوا
على الناس يستوفون, كالوهم أو وإذا وزنوهم يخسرون.
واجبات من يأخذ
بالأسباب ويعمل:
ذكر الإمام أبن عطاء الله
السكندري في كتابه "التنوير في إسقاط التدبير" ما ملخصه ما يلي:
1. ربط العزم
مع الله تعالى قبل الخروج من المنزل بالعفو عمن أساء إليه؛ فكلنا يعلم ما يحدث في
أماكن العمل من تجاوزات.
2.
ينبغي
له أن يتوضأ ويصلى قبل خروجه, ويسأل الله السلامة في مخرجه هذا؛ فإنه لا يدري ماذا
يقضي الله عليه فيه. فينبغي للمؤمن الاعتصام بالله، والتوكل عليه.
3.
ينبغي
له إذا خرج من مسكنه أن يستودع الله أهله ومسكنه وما فيه، فإنه حري أن يحفظ الله
ذلك عليه.
4.
يستحب
له إذا خرج من منزله أن يقول: "بسم الله, توكلت على الله, لا حول ولا قوة إلا
بالله." فإن ذلك يُيئس الشيطان منه.
5.
الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر بالكيفية الشرعية المعروفة.
6.
أن
يكون مشيه وأفعاله كلها بالسكينة والوقار لقوله تعالى (وعباد الرحمن الذين
يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما).
7.
أن
يذكر الله في مكان عمله (سوقه) وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم (ذاكر الله في الغافلين، مثل الذي يقاتل عن الفارين، وذاكر
الله في الغافلين، كالمصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين كمثل الشجرة
الخضراء في وسط الشجر الذي قد تحات من الصريد، وذاكر الله في الغافلين يغفر الله
له بعدد كل فصيح وأعجم، وذاكر الله في الغافلين يعرِّفه الله عز وجل مقعده من
الجنة). "حل هب وابن صهري في أماليه وابن شاهين في
الترغيب وقال هذا حديث صحيح الإسناد حسن المتن غريب الألفاظ وابن النجار عن ابن
عمر".
8.
أن لا يشغله ما هو فيه عن النهوض إلى الصلاة في أوقاتها جماعة.
9.
ترك الحلف والكذب في الترويج لما يعمله لقوله صلى الله عليه وسلم (التاجر
الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة) ابن ماجة والحاكم في المستدرك عن
ابن عمر.
10.كف لسانه
عن الغيبة والنميمة, وليذكر قوله تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضا, أيحب أحدكم أن
يأكل لحم أخيه ميتا
فكرهتموه).
أولا: كيفية اختيار الموظف:
·
تحديد مواصفات الموظف المطلوب للوظيفة.
لا تكفي الخلفية العلمية ولكن لا بد من معرفة أصل نشأته وأهله (تجدون الناس معادن: فخيارهم في الجاهلية خيارهم في
الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية قبل أن يقع
فيه، وتجدون شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجه
ويأتي هؤلاء بوجه) أحمد في مسنده ومتفق عليه [البخاري ومسلم] عن أبي هريرة. ومعرفة
البيئة السابقة والحالية.
·
يجب معرفة مذهبه واعتقاده في الحياة (هل هو ممن
منهجه "أهبش و اجري" مثلا).
·
يجب معرفة ما يتميز به من مهارات وصفات لمعرفة مدى
ملاءمتها للوظيفة.
ثانيا: دور المؤسسة (صاحب العمل) تجاه
موظفيها:
هدف المنشأة من تعاملها مع موظفيها هو أداءهم للعمل بإتقان (Goal)، وهو من قوله
صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا
القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) أحمد في
مسنده وصحيح مسلم والأربعة [أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه] عن شداد بن أوس .قال السيوطي: صحيح، لا يتحقق إلا
بجعل الموظفين لديهم الولاء التام لها (Target).
·
إستراتيجية المؤسسة لتحقيق الهدف (Target) هي
توفير الاحتياجات الأساسية للإنسان لموظفيها كما هي معروفة في أصول الفقه.
·
تفصيلات تكتيكات تنفيذ الاستراتيجية (طرق ووسائل
توفير الاحتياجات الأساسية) نوجزها فيما يلي:
أصول المصلحة المشتركة بين المؤسسة
والموظفين بها:
- الغرض من بحث هذه المصلحة: هو أن
توفير المناخ الملائم للموظف لكي يبدع وينتج يؤدي إلى تحقيق النجاح للمؤسسة ككل.
- الإطار العام أو حدود هذه
المصلحة: العدالة والرحمة؛ لأن العدالة بدون الرحمة قد تكون ظالمة فالرحمة
هي التي تضع الروح في العدالة.
أولا:
العدالة: والعدالة أساسها تحريم الله سبحانه وتعالى الظلم
على نفسه وجعله بين عباده محرما؛ ففي الحديث القدسي قال الله تعالى (يا عبادي، إني
حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرما بينكم، فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من
هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا
عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل
والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا
ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم و آخركم وإنسكم
وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن
أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي
شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني
فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر،
يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها: فمن وجد خيرا فليحمد الله،
ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) صحيح مسلم عن أبي ذر وقال السيوطي: صحيح.
1.
العدالة من المؤسسة تجاه الموظف من حيث
توفير حقوقه الأصيلة ومن حيث تحقيق العدالة بينه وبين الموظفين الآخرين، وذلك لخلق
الولاء.
2.
العدالة من الموظف تجاه مؤسسته من حيث
أداء عمله بإتقان ووجوب وجود ولاء عنده تجاه مؤسسته.
ثانيا: الرحمة:
1-
توفير المؤسسة للاحتياجات الأساسية من
الرحمة أيضا. في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قَبَّلَ
النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الحسنَ بن عليّ رضي اللّه عنهما وعنده الأقرعُ بن حابس
التميمي. فقال الأقرعُ: إن لي عشرةً من الولد ما قبّلتُ منهم أحداً، فنظرَ إليه
رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال: (مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ).
2-
وجوب وجود الرحمة في مراعاة مصالح الموظفين و ليس مصالح المؤسسة
فقط عند وضع قواعد الثواب والعقاب.
الحقوق أو المصالح الأساسية
(الأصلية) للموظف الواجب توفيرها:
1.
حماية المعتقد: إذا أحسنا من البداية
اختيار موظف مبادئه في الحياة، والمنبعثة من دينه أيا كان، قويمة، فلا يجب على
المؤسسة في أي وقت من الأوقات أن تفرض على الموظف القيام بأعمال منافية للأخلاق
والمبادئ الصحيحة في المجتمع.
2.
حماية النفس: يجب على المؤسسة حماية
الموظف من التعرض الأخطار في:
-
مقر العمل باتباع قواعد السلامة والصحة.
-
توفير الدخل الملائم الذي يضمن له حياة
كريمة ويعصمه من الانحراف.
-
توفير العلاج والتأمين الاجتماعي
والصحي وما يقيه العوز بعد انتهاء خدمته.
3.
حماية العقل: ويكون ذلك من خلال:
-
توفير التدريبات الدورية اللازمة
للمحافظة على لياقته الذهنية وتحديث معلوماته.
-
تشجيع الموظف على الخلق و الإبداع
والابتكار في مجاله وتهيئة المناخ والفرصة الملائمين.
-
احترام عقلية الموظف فيما يتخذ من
قرارات، وجعله يشعر أنه إن لم يكن صاحبها فعلى الأقل مشارك في اتخاذها.
4. حماية أسرة الموظف:
-
توفير الرعاية الصحية والاجتماعية إن
أمكن لأسر الموظفين.
-
توفير دور حضانة أو مدارس ملحقة
بالمؤسسة لرعاية أبناء العاملين لا سيما وإن كانوا سيدات.
-
توفير الرعاية و التأمين لأسر من
يصاب أو يتوفى من العاملين أثناء الخدمة، وتوفير حياة كريمة لهم من باب التكافل
بين العاملين وأيضا المؤسسة.
5. حماية أموال الموظف: وذلك يكون:
-
بإعطائه حقوقه المالية كاملة. قال صلى
الله عليه و سلم (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) رواه ابن ماجه بإسناد جيد عن
ابن عمر وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه والطبراني عن جابر والحكيم الترمذي
عن أنس، ورواه
البيهقي عن أبي هريرة بزيادة وأعلموه أجره وهو في عمله.
-
لا يستقطع من دخله أي جزء بظلم أو
بأسباب واهية.
-
مساعدة الموظف على الادخار للمستقبل
وتنمية للاقتصاد وإيجاد القنوات التي تيسر ذلك.
النتيجة
الولاء؛ لأن الموظف سوف بشعر أن
هذه المؤسسة هي كيانه هو، ومن ثم يجب حمايته وتنميته كأنها ملكه.
ثالثا: دور الرئيس تجاه مرؤسيه:
·
الهدف المنطقي و الطبيعي للرئيس هو أن يؤدي عمله
بإتقان ليستمر في منصبه ويترقى.
·
مفتاح تحقيق الهدف هو قيام المرؤوسين بأداء عملهم
بإتقان استجابة لأوامر الرئيس، وهم لن يفعلوا ذلك بالجودة المطلوبة ما لم يحبوا
رئيسهم و يهابونه في نفس الوقت. فالخائف فقط لا يعمل إلا تحت نظر الآمر وتحت تهديد
العصا؛ وهذا يستنزف الجهد الأكبر من الرئيس والذي كان من الممكن توظيفه في أعمال
أكثر فائدة إنتاجية .
·
تكتيكات تعامل الرئيس مع المرؤوسين:
-
قال صلى الله عليه و سلم (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر
صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن
الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة) البخاري في الأدب والترمذي
وابن حبان في صحيحه عن أبي ذر. وقال (الكلمة الطيبة صدقة) أخرجه
مسلم من حديث أبي هريرة.
-
وفي صحيح
مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده، لا
تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه
تحاببتم, أفشوا السلام بينكم).
-
تحري الفارق بين التبسم والتودد وبين المزاح الذي
يسقط الهيبة.
-
العدل بين المرؤوسين؛ لأن الرئيس قد يكون في موقف
القاضي في كثير من الأحيان.
-
إعطاء المرؤوسين الإحساس بمشاركتهم في اتخاذ
القرارات (الشورى) وأيضا الاستفادة من Brain storming. فكان عمر رضي الله عنه يأخذ رأي الشباب لحدة عقولهم .
-
قال صلى الله عليه و سلم (اهتبلوا العفو عن عثرات ذوى المروءات) أبو بكر ابن
المرزبان في كتاب المروءة عن عمر.
-
وقال صلى الله عليه و سلم (انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قيل: كيف أنصره ظالما؟ قال:
تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره) أحمد في مسنده وصحيح البخاري والترمذي عن أنس.
-
عدم توبيخ الموظف بداعي وبدون، بل تشجيعه وإقناعه
أنه ممتاز بل في قدرته أن يكون أكثر امتيازا. وهذا يجعله يتحول إلى الأفضل وفقا
لنظرية سيكو سيبر ناتيكس لماكسويل تايلور. وهو في الأصل قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى
يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر) عن أبي
هريرة وواثلة للشيخين وأحمد والطبراني في الكبير والأوسط والحاكم والسيوطي.
فسبحانه وتعالى وضع في التركيب الإنساني ما يجعل ما يستقر في نفس الشخص يحدث سواء
أكان خيرا أم شرا كما أوضحته النظرية السابق ذكرها.
-
إحساس المرؤوس أن رئيسه يدعمه إن أصاب أو أخطأ
بغير تعمد أو إهمال.
-
إحساس المرؤوس أن رئيسه يساعده لكي ينجح
لأن نجاح المرؤوس يؤدي إلى نجاح الرئيس. (مفهوم العمل الجماعي) فيد الله مع
الجماعة.
-
الثواب للمحسن والعقاب للمسيء، كل حسب
مستوى ما فعل لتحقيق العدل والرحمة.