التــوكل
والتـفـويـض والتســليم
من ضمن ما يعني أن يؤمن العبد بأن الأقدار كلها من الله وبتقديره
وترتيبه وتدبيره، فإن ظن مخلوق أنه أو أحدا غيره يمكن أن يقدر أو يدبر شيئا في ملك
الله يخالف ما قدره الله أو أراده ، فهذا يعني بالضرورة أن هذا المقدر والمدبر إما
إله آخر مع الله على الأقل أو أنه أقوى من الله وهو في كلتا الحالتين شرك بالله
سبحانه وتعالى عما يصفون.
لهذا تكلم علماء الآخرة وقالوا: أن
ترك التدبير مع الله واجب لمن أراد أن يسلك في الطريق إلى الله.
وهاهو سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
يستدل في كتابه " التنوير في إسقاط التدبير" على وجوب ترك التدبير مع
الله.
والإمام ابن عطاء الله لمن لا يعرفه كان
إماما في العلوم الظاهرة الشرعية، وهي المتعلقة بظاهر الإثم، و أيضا كان إماما في
علوم طريق السلوك إلى الله وهي المتعلقة بباطن الإثم. فكان يجمع بين الشقين وأحدهما وهو العلوم الشرعية الذي هو
الأساس والإطار لبداية الطريق كما أوضحنا من قبل في شرح مستويات الإسلام الثلاثة
"الإسلام والإيمان والإحسان" كما وردت في الحديث السابق الذكر، والشق
الآخر وهو علوم معالجة باطن الإثم وهي علوم مداواة القلوب حتى تسلم من كل ما سوى
الله فعز من قال (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)؛ أتى
الله بقلب قد سلم من كل عيب ونقص وآفة وكل ما سوى الله وأوضحه الإمام ابن عطاء
الله في حكمة من حكمه الشهيرة "فرغ قلبك من الأغيار يملأه الحق تعالى
بالأنوار" أنوار معرفته سبحانه. فالحق تعالى يقول (واتقوا الله ويعلمكم
الله).
ويقول صلى الله عليه وسلم (من
عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم). أبو نعيم في الحلية من حديث
أنس بهذا اللفظ.
وأخرج أبو
الشيخ عن ابن عباس مرفوعاً: (مَنْ تَعَلَمَ عِلْمَاً فَعَمِلَ بِهِ كَانَ حَقّاً
عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْ) وفي كتاب رواية الكبار
عن الصغار لأبي يعقوب البغدادي عن سفيان: (مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ وُفِّقَ
لِمَا لا يَعْلَمُ).
وسبحانه وتعالى يقول أيضا (ذروا ظاهر
الإثم وباطنه) ومن هنا علم الساعين لمقامات المقربين، أهل مقام الإحسان، أن
نصف الأمر قد غفل عنه أكثر الناس، وهو باطن الإثم. فتحروا علومه ومعالجاته وأدويته
من الكتاب والسنة المطهرة وصحبوا المرشدين الذين سلكوا الطريق من قبل فعرفوا جادته
ومخاطره وآفاته كما علمهم من أرشدوهم هم أنفسهم من قبل جيلا وراء جيل نقلا عنه صلى
الله عليه وسلم.
ومن أوائل ما تعلموا ما ذكرنا أن الإمام
ابن عطاء الله قد شرحه و هو إسقاط التدبير مع الله.
شرح
ابن عطاء الله السكندري دليل وجوب ترك التدبير مع الله من قوله تعالى (وربك
يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) فقال: "ما" هنا تعني وتدل
على أمرين:
أولهما: أن تكون "ما" هنا نافية
فيكون المعنى أنه سبحانه وتعالى ينفي أن يكون لك اختيار مع اختيار الله.
و الثاني: أن تكون"ما" استنكارية
فيكون المعنى أنه سبحانه وتعالى يستنكر أن يكون لك اختيار مع اختياره سبحانه.
و في الحالتين تعني الآية أنه يجب أن لا
يكون للعبد اختيار وتدبير مع اختيار الله وتدبيره.
وذكر بعد ذلك معينات للعبد لكي يتحمل ويتعود
اختبارات إسقاط التدبير، ولا بد أن يختبر فسبحانه وتعالى يقول (أفحسب الناس أن
يتركوا أن يقولوا آمنِّا وهم لا يفتنون).
ومما يعين العبد على ترك تدبيره لنفسه
إلى تدبير الله له تذكره لسابق حسن تدبير الله له بدأً من اختياره لآبائه وكل ما
أحاط بوجوده إلى رعايته له وتوفير كل احتياجاته منذ كان جنينا في بطن أمه. أفمن
رزقه حينذاك بدون طلب أو جهد منه لا يستطيع أن يرزقه ويرعاه بعد أن أدرك وكب؟ أمن
هو متكفل برزق خلقه كلهم، مؤمنهم وكافرهم، (وما من دابة في الأرض إلا على الله
رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) ثم ينساه هو فقط؟ ويوجد في
كتاب التنوير عدد كبير من هذه المعينات لمن شاء أن يرجع إليها.
إسقاط
التدبير مع الله هو بداية التوكل. وهذا يقودنا إلى الحديث عن التوكل ومستوياته
الأعلى من تفويض وتسليم فنقول والله هو الموفق المعين:
التــــوكل:
في أصله هو توجه إلى اسمه سبحانه وتعالى "الوكيل" فيقول تعالى عن هذا (الذين
قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله
ونعم الوكيل ) ونتيجة هذا التوكل أو بصورة أخرى التوجه إلى الله من خلال اسمه
"الوكيل" ماذا أصابهم؟ أأضيروا؟ لنر ماذا كانت النتيجة في قوله تعالى وهو
الآية التالية للآية السابقة (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء
واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ).
هل
يتوكل على الله المؤمنين ولا يتوكل عليه الكافرون؟
الإجابة في الآية التالية مباشرة أيضا (إنما
ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أي أن الشيطان
ولي الكافرين يخوفهم، أما الله فولي الذين آمنوا فيقول تعالى (الله ولي الذين
آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من
النور إلى الظلمات).
التوكل
عمل من أعمال القلب. فالقلب كلما ازداد يقينا بأن الله هو مدبر الأكوان ومجري
المقادير كلها في كل الوجود، كلما سهل عليه أن يطمئن إلى حسن تدبير الله ويصدقه
فيما ضمن وفيما وعد.
فيقول تعالى (وفي السماء رزقكم وما
توعدون. فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ).
وقد قيل أنه تعالى لجأ إلى القسم لعلمه
بضعف يقين عباده.
سبحانه
وتعالى أمر نبيه محمد صلى الله عليه و سلم بالتوكل عليه سبحانه فقال (فإن تولوا
فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) ويقول تعالى
أيضا (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك
وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب) ويقول (وما
اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ) ويقول
(وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا)
وهو أيضا قول النبيين من قبل، فيقول
تعالى راويا عن سيدنا هود عليه السلام (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من
دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) ويقول راويا عن سيدنا شعيب (قال
يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم
إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
وإليه أنيب) ويقول راويا عن سيدنا نوح (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا
قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم
وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) ويقول تعالى
راويا عن سيدنا يعقوب (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب
متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل
المتوكلون).
التوكل
على الله لا يعني ترك الأسباب، وإنما يعني الأخذ بالأسباب في الظاهر ويكون القلب
تعلقه ليس بالأسباب و لكن بمسبب الأسباب سبحانه، فاتخاذ السبب لا يعني وجوب تحقق
النتيجة، فسبحانه وتعالى بيده أن يجعل السبب يثمر نتيجة أو لا يثمرها. فمثلا
المقولة المشهورة التي كانوا يعلموها لنا و التي تقول "إن تذاكر تنجح"
مقولة خاطئة وضد الإيمان لأنها تُرتِب النتيجة على السبب، والحقيقة كما رأينا
جميعا كثيرا من النابهين يذاكرون كثيرا ثم في الامتحانات يرسبون أو ينجحون بالكاد
لأسباب أو لأخرى. وعلى هذا تكون صحة العبارة "إن تذاكر و يشاء الله أن تنجح
تنجح، وإن لم يشأ لا تنجح".
وأيضا نرى الفلاح يزرع الأرض ويأخذ بكل
الأسباب التي تكفل له محصولا وفيرا، ثم لا يشاء الله أن يحدث ذلك فلا يحدث، وسبحانه
وتعالى أكد ذلك في قوله (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لونشاء
لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون. بل نحن محرومون).
فإياك ألا تفهم ما قلت أو يضللك
العلمانيون فيقولون أني ومن سبقني بنفس القول من ساداتنا العلماء إنما ندعو إلى
التواكل، فأعود وأقول التوكل عمل قلبي لا يعني ترك الأسباب. فساداتنا قالوا من قبل
"من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان ومن طعن في الكسب ( السعي) فقد طعن في
السنة"، فمن سنته صلى الله عليه و سلم الأخذ بالأسباب.
الـــتــــفــويـــض:
المتوكل على الله يبدأ بالتوكل عليه في
أمر من أموره، ثم يكون متوكلا في أمرين أو شأنين من شؤنه، ثم يزداد عدد الأمور
التي يتوكل فيها على الله بزيادة يقينه حتى يصل إلى نقطة يترك لله أمره كله يتولاه
عنه ويكون توجه العبد في هذه المرحلة ليس إلى اسمه تعالى "الوكيل"
وإنما إلى اسمه تعالى "الولي". فهو يفوض أمره كله لله تعالى طالبا
منه أن يتولاه هو بعنايته وتدبيره لأمره كله.
ولنضرب مثلا ولله المثل الأعلى: لنفرض
أنك ذهبت إلى محام ليتولى قضية تهمك وقمت بتوكيله عنك في متابعتها والمرافعة فيها
بتوكيل قضائي محدد خاص بها، ثم كسبها لك. فتبدأ بالاطمئنان إليه وحين تأتي قضايا
أخرى تذهب إليه فورا بثقة ليتولاها نيابة عنك. وهذا مثال مراحل التوكل. ثم تكتشف
أنك صرت تعتمد عليه اعتمادا كليا في شؤونك كلها فترى أن تعطيه تفويضا شاملا لرعاية
شؤونك كلها. كأنك تجعله وليا لأمرك كله. وهذا هو التفويض.
يقول تعالى راويا على لسان مؤمن آل
فرعون (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد)
فماذا كانت نتيجة تفويضه أمره لله؟… يقول تعالى في الآية التالية مباشرة (فوقاه
الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ).
هذه نبذة صغيرة عن التفويض و ثمرته
للمفوضين.
التســــــليم:
هو مستوى تمام التحقق بالإسلام. وهو صفة
أتباع نبي الأميين صلى الله عليه و سلم واسمهم. فيقول تعالى (وجاهدوا في الله
حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم
المسلمين من قبل وفي هذا ليكون
الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة
واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير)
وهو صفة أبينا إبراهيم عليه السلام التي
مدحه الله بها. فيقول تعالى (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد
اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين.إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب
العالمين).
وأسلم لرب العالمين تعني أن يعطي
ويسلِّم كله لرب العالمين وليس أمره فقط كما هو مطلوب في مستوى التفويض. ولتوضيح
أنه توجه لطلب الرعاية قال تعالى ( قال أسلمت لرب العالمين ) ولم يقل أسلمت
لله مثلا، وإنما توجه لصفة الربوبية التي ترعى وتتولى.
هو
ما أمر الله به رسوله الخاتم فقال سبحانه وتعالى (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر
السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من
المشركين ).
وهو أيضا ما أمر به الرسول والمؤمنين
معه فقال (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب و
الأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير
بالعباد).
وهو ما أمر به المحسنين، أهل مستوى الإحسان، كما هم في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى
عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام،
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت
إليه سبيلا. قال: صدقت . فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال:
أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال:
صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه
فإنه يراك.
قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما
المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمةُ
ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق
فلبثت مليا ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه
جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). فيقول
تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا
واتخذ الله إبراهيم خليلا ) ويقول ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو
محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ).
إسلام
الوجه لله يعني: الوجه هو ما يتوجه به العبد لما يقصده وإسلام الوجه يعني
إعطاء وتسليم كامل توجه العبد بكله لله.
هنا قال لله ولم يقل لرب العالمين كما
في الآية السابقة لأن الإله كما قلنا في شرح الشهادتين هو الذي يقصد إليه بالتوجه
بالطاعة والحب، أي بالعبودية.
وهذا مقام ومستوى عزيز قلَّ من يصل إليه ويعلم عنه علم حق
اليقين, أو حتى عين اليقين. نسأل الله تعالى رب العالمين أن يقربنا
إليه ويرزقنا الوصول إليه بمحض فضله ورحمته.