بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على خاتم النبيين, والمبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين

 

مـراحـل الطـــريــق إلى الله

كيف أبدأ؟

 

     أجمل الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم مراحل الطريق إلى الله في قوله تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا..). فقول "ربنا الله" يعني تحديد الوجهة والهدف بتحديد الألوهية والربوبية, ثم أجمل الطريق كله في "ثم استقاموا".

 

وبين نتيجة ذلك في سورتي فصلت والأحقاف؛ فقال في سورة الأحقاف (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ونتذكر هنا قوله تعالى أن أولياء الله هم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في سورة يونس (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم).

 

ومعنى هذا أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتحقق فيهم الولاية؛ لأن قول "ربنا الله" ثم الاستقامة كما أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين التائبين (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير) يمكن التعبير عنه كما في الآية (الذين آمنوا وكانوا يتقون.). فالإيمان والتقوى هما صورة أخرى لقوله تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا..).

 

ووصف جزء من أعلى مراتب الطريق وهو الدعوة إلى الله وسلوك الولي مع خلق الله في سورة فصلت فقال تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا  تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم. ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين. ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم).

 

وفي قوله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة في الحديث القدسي (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن: يكره الموت، وأنا أكره مساءته) صحيح البخاري عن أبي هريرة وقال السيوطي: صحيح.

نجد أن الحق سبحانه وتعالى قسم الطريق إليه تقسيما آخر, فقسمه قسمين: الأول هو الفرائض, والثاني هو النوافل.

 

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن ذات يوم عند نبي الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى قال يزيد: لا نرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام ما الإسلام فقال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيل)ا قال: صدقت قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: ثم قال: أخبرني عن الإيمان قال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره) قال: صدقت قال: فأخبرني عن الإحسان قال: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قال: فأخبرني عن الساعة قال: (ما المسؤول عنها بأعلم بها من السائل) قال: فأخبرني عن إماراتها قال: (أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البناء) قال: ثم انطلق فلبث مليا قال يزيد ثلاثا فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمر أتدري من السائل) قال قلت: الله ورسوله أعلم قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وأحمد عن عمر, ومتفق عليه والنسائي وبن ماجة عن أبي هريرة.

وفي هذا الحديث نجد تقسيم مراتب الطريق إلى ثلاثة مراتب رئيسية:

1.     مرتبة الإسلام.

2.     مرتبة الإيمان.

3.     مرتبة الإحسان.

 

مرتبة الإسلام:

وهي مرحلة العمل بالجوارح لضبط الظاهر؛ فالشهادتين عمل باللسان, والصلاة عمل وحركة بالجسد, والصيام فعل عبادة سلبي بالامتناع عن متع مباحة للجسد, والزكاة عمل مادي ظاهر باليد, والحج عمل بالجسد كله.

وهي يقابلها امتناع عن أمور مادية ظاهرة من الإثم؛ كالقتل, والسرقة, والزنا, والغيبة, والنميمة, والكذب, وأكل السحت والحرام عموما, والنظر إلى المحرمات. فهي كما نرى تخلي وترك لأفعال سماها الحق عز وعلا "ظاهر الإثم" وأمر بتركها في قوله تعالى (ذروا ظاهر الإثم وباطنه). أما باطن الإثم فيترك في المرحلة التالية وهي مرحلة الإيمان.

 

مرتبة الإيمان:

1-                أفعال هذه المرحلة كلها من أعمال القلب؛ فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره كلها من فعل القلب. وصفات الإيمان هذه التي يجب التحلي بها تقابلها صفات أخرى موجودة في القلب أيضا يجب التخلي عنها؛ الشهوة  والغضب والكبر والحرص  والحسد  والبخل  والحقد. وهذا ما يعرف بأبواب جهنم السبع. وهي باطن الإثم.

 

مرتبة الإحسان:

وهي مرحلة كمال رحلة العودة إلى أحسن تقويم. وفيها يترقى العبد في مستويات الكمال بعد النفس المطمئنة, وهذا مقام كبار الأولياء والصديقين. ولسوف نذكر حديثا يوضح حال أحد الصحابة للفهم, فعن أنس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد والحارث بن مالك نائم فحركه برجله: قال: (ارفع رأسك،) فرفع رأسه فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف أصبحت يا حارث بن مالك؟) قال: أصبحت يا رسول الله مؤمنا حقا قال: (إن لكل حق حقيقة فما حقيقة ما تقول؟) قال: عزفت عن الدنيا [أي رغبت عن الدنيا]، وأظمأت نهاري وأسهرت ليلي، وكأني أنظر إلى عرش ربي فكأني أنظر إلى أهل الجنة فيها يتزاورون وإلى أهل النار يتعاوون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت امرؤ نور الله قلبه عرفت فالزم).

أخرجه البزار وابن عساكر عن أنس, والطبراني عن الحارث بن مالك.

 

وقوله صلى الله عليه وسلم للحارث (عرفت فالزم) ظهر عنه مصطلح "العارف بالله" لأنه توضيح لقوله تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله) وقوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مِا لَمْ يَعْلَمْ) أبو نعيم في الحلية من حديث أنس بهذا اللفظ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعاً: (مَنْ تَعَلَمَ عِلْمَاً فَعَمِلَ بِهِ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْ) وفي كتاب رواية الكبار عن الصغار لأبي يعقوب البغدادي عن سفيان: (مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ وُفِّقَ لِمَا لا يَعْلَمُ).

 

مراحل الطريق:

تكلم الكثيرون من كبار العلماء عن مراحل أو مقامات الطريق واعتبر أغلبهم إن لم يكن كلهم أن أول مقامات الطريق أو أول مرحلة فيه هي التوبة, إلا أني سمعت الشيخ رضي الله عنه وأرضاه يضع مقاما أو مرحلة قبلها وهي مرحلة انتباه العبد من الغفلة وسماها مرحلة اليقظة أو القومة لله. إلا أني للتوضيح أحب أن أبدأ قبل ذلك, أريد أن أتحدث أولا عن مرحلة الغفلة لكي أزيد الأمر إيضاحا.

 

الـغـفـلـــة: يصف الحق سبحانه وتعالى الغافلين ولم هم كذلك ومآلهم في قوله تعالى (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون).

 

الأصل أن الطفل يولد على الفطرة, وبعد ذلك يتأثر بالبيئة المحيطة به من أبوين وأهل وأصدقاء ومجتمع فتندثر هذه الفطرة تحت ركام هذه التأثيرات؛ فيقع في الغفلة عن هذه الفطرة التي تهديه وتساعده على الاتجاه إلى الله بصورة سليمة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)  أبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن الأسود بن سريع وقال السيوطي: صحيح.

 

نمط الحياة التي نعيشها الآن من مادية مفرطة, والقيم السائدة في المجتمع من تعظيم للمادة وبالتالي الاهتمام كل الاهتمام بكافة الوسائل التي تساعد وتكفل الحصول عليها والتفوق في جمعها, أدت لطمس الكثير من قدرات الإنسان الغير مادية والتي وضعها الله فيه لتساعده على إدراك وفهم ما حوله والإحساس به وتعينه في رحلة العودة لأحسن تقويم كالقلب والروح. وأيضا من يتذكر في وقت من الأوقات إما أن يقول هو أو يقال له "لسة الحياة قدامك طويلة, لما تستريح ماديا وتضمن مستقبل ولادك أبقى أعمل فيها شيخ" وهذا من خطأ قاتل يسمى "طول الأمل", وإما أن يأخذ مظهرا خارجيا من مظاهر الدين ليريح ضميره أنه فعل ما عليه وأن "العمل يا أخي عبادة". من قال أننا نقول له ألا تعمل؟ ولكن كما تعمل للدنيا بجد, اعمل للآخرة بجد أيضا. طالما أنت من أهل الحساب و"الكالكيولاتور" أنظر لمدة بقائك في الدنيا ومدة بقاء الآخرة واعمل لكل حسب الوزن النسبي للزمن.

 

الــيــقـــظــــــــة (الانتباه من الغفلة):

تتعدد طرق انتباه الناس من الغفلة حسبما يقدر الله لكل فرد منهم.

فمنهم من يمرره الله بتجربة صعبة فلا يجد له ملجأ إلا إلى الله فيفيق, ومنهم من يمل الحال الذي هو عليه لأنه لا يجد فيه بغيته فيبحث عن الأرقى والأعلى فيتجه إلى الله, وبهذا وبغيره ا تتعدد الطرق والوسائل التي تؤدي بالعبد إلى الإفاقة من الغفلة والاتجاه إلى الله. وأيضا طالما أنت تقرأ هذا فأنت بدأت مرحلة اليقظة.

 

كــــــيــف أبــــــدأ؟

في البداية نتيجة لحماسة البداية الناتجة من تجربة الإفاقة يحاول العبد أن يفعل جميع القربات قدر ما يستطيع, ثم ما تلبث أن تهدأ فورة الحماسة الأولى وقد يعود العبد إلى الغفلة مرة ثانية, فماذا عليه أن يفعل لتجنب العودة للغفلة مرة ثانية؟

 

لنر بم نصحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

(ن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة: فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك)

شرح: ["شرة": أي نشاطا. "فترة": ضعفا وسكونا]ـ

البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو , وقال السيوطي: صحيح.

 

(إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)

أخرجه أحمد من حديث أنس والبيهقي من حديث جابر

في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر وفي لسان العرب (فإن المُنْبَتَّ لا أرْضاً قَطاع ولا ظَهْراً أبْقَى) يقال للرجل إذا انْقُطِع به في سفره وعَطِبت راحلتُه: قد انْبَتَّ، من البَتّ، القَطْع، وهو مُطاوع بَتَّ يُقال بَتَّه وأبَتَّه. يريد أنه بقي في طريقه عاجزا عن مقصده لم يَقْض وَطَره. وقد أعْطَبَ ظَهْرُه.

 

عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: خرجت ذات يوم لحاجة وإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم يمشي بين يدي فأخذ بيدي فانطلقنا نمشي جميعاً فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتراه يرائي؟) فقلت: الله ورسوله أعلم،فترك يده من يدي ثم جمع يديه فجعل يصوبهما ويرفعهما ويقول: (عليكم هدياً قاصداً،عليكم هدياً قاصداً،عليكم هدياً قاصداً،فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه).

أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن عن بريدة, وقال السيوطي: حسن.

 

(إن هذا الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا ويسروا، واستعينوا بالغدوة والروح وشيء من الدلجة.) ابن حبان والعسكري في الأمثال عن أبي هريرة. كنز العمال.

 

(أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل) متفق عليه [البخاري ومسلم] عن عائشة وقال السيوطي صحيح.

 

كيفية التنفيذ عمليا

لكي نبدأ, لا بد يكون عندنا فهم و إدراك للوجهة التي نقصدها, أي لا بد من أن نفهم ما هو المطلوب منا أصلا في هذه الرحلة.

لذلك كان لا بد أن نفهم لم خلقنا الله وأوجدنا في هذه الحياة.

 

الغرض من الخلق:

    لقد حدد الحق جل و علا الغرض من خلقه لنا في قوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن، الله هو الرزاق ذو القوة المتين) في هذه الآية قصر الحق تعالى الغرض من خلقه لنا على أن نعبده باستخدامه النفي و الاستثناء (ما و إلا) ونفى أن يكون الغرض من خلقه لنا إيجاد الرزق، لأنه هو الرزاق ذو القوة المتين. قد يتساءل البعض، إن كان الله تعالى قد قصر الغرض من خلقه لنا على العبادة، فما علاقة الآية السابقة بقوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة)؟

      إذا نظرنا بعمق إلى هذه الآية و الآية الأخرى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) لوجدنا أن الخلافة الحقة لا تأتي إلا بالعبودية الحقة ونتيجة لها. كيف؟

لابد أولاً أن نعرف معنى العبادة التي هي الغرض من الخلق، ثم نعرف بعد ذلك معنى الخلافة، والمقصود منها، وكيفية القيام بها.

 

العبادة والخلافة:

     معنى العبادة الطاعة بحب.

لأنك إن أحببت أحداً كنت له مطيعاً. إن المحب لمن أحب مطيع. ولكن كيف تحب من لا تعرف؟ فالجهالة تنفي وجود المحبة. لذلك قال كثيرون أن معنى العبودية في الآية المعرفة، وعلى رأس الذين قالوا ذلك سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، حتى أنه كان يقرأ الآية (إلا ليعرفون) وكان يظن أنها هكذا أنزلت. إذاً فمعرفة الله تؤدي بالعبد إلى حبه،وحبه يؤدي إلى طاعته. أي أن معنى هذا أن أكثر الخلق معرفة بالحق أكثرهم له طاعة، وأشدهم له حباً.

ومن أكثر معرفة بالله ممن كان قاب قوسين أو أدنى، من كان خلقه القرآن، من وصفته زوجته السيدة عائشة أم المؤمنين عليها رضوان الله بذلك. لهذا؛ فالنموذج المحمدي يمثل أعلى درجات التحقق بالعبودية. لذلك حين مدحه ربه قال (عبد الله و رسوله) وحين أخبرنا الحق تعالى عن أخطر رحلة في تاريخ بني آدم رحلة الإسراءِ والمعراج ذكر سيدنا محمد بأعلى صفة على الإطلاق فقال (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) قال تعالى بعبده ولم يقل برسوله ولا بنبيه.  فاختار تعالى أشرفَ صفة، ألا وهي صفة العبودية.

   

 أما قوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة):

 الخليفة هو الذي يقوم بتنفيذ واتباع النظام الذي وضعه المستخلف. لذا فالخلافة  تعني القيام بتنفيذ نظام الله، وإتباع نواميسه التي وضعها بغير إفساد للأرض. فإذا كانت العبادة الغرض من الخلق ، فالخلافة هي الوظيفة المناط تحقيقها بالعبد الذي هو  المخلوق ليكون عبدا مطيعا لخالقه.

 وهل هناك من البشر من هو أشد حرصاً على تنفيذ مراد الله ممن هو متحقق بالعبودية والطاعة والحب؟

     لقد قال تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) أي أن الفساد يظهر في الأرض نتيجة لابتعاد الناس عن نظامه الذي وضعه ، مثل مشاكل التلوث في الهواء والماء والغذاء، وأيضاً أمراض لم تكن موجودة، أو على الأقل لم تكن منتشرة كالإيدز والفشل الكلوي وغيرها. لِم يا رب ؟ (ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) إلام يرجعون ؟

 يرجعون إلى النظام الذي وضعه الله لكل شئ. أليسوا الآن يرجعون إلى المقاومة البيولوجية أو الحيوية للحشرات الضارة بعد استخدام المبيدات الكيماوية سنوات طويلة؟  ليس المهم العودة إلى النظام الإلهي فقط ولكن المهم هو العودة إلى عدم الغفلة عن الله لتحقيق الغرض من وجودنا في هذه الدنيا. أي أن تنجح في الامتحان والاختبار، و تكون النتيجة ناجح حين ينتهي وقت الإجابة، حين تخرج الروح من الجسد بالموت الذي نتناساه في حين أنه النهاية الوحيدة و الأكيدة لكل فرد منا. فسبحانه و تعالى يقول (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئٍ قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور).  

 

الخلافة والوسطية: (الفكرة التوازنية للعبد في الإسلام):

سبحانه وتعالى وهو الذي سمى نفسه العدل، لا يمكن أن يطلب من عبده أمرا ليس في إمكانه و طاقته ، فهو القائل (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). فلكي يتمكن الخليفة الذي اختاره من القيام بمهامه فلا بد من أن يعطيه الحق جل وعلا من القوى والصفات التي تمكنه من القيام بمهمة الخلافة.

ولعل ذلك يفسر الحديث (إن لله تعالى آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقه) للطبراني في الكبير عن أبي عنبة.

فالحق سبحانه وتعالى لا يحل في مكان، فلا يحيط به المكان، فلابد وأن ذلك له معنى آخر. فإذا وضعنا قوله صلى الله عليه وسلم (إن لله لوحا من زبرجد خضراء تحت العرش كتب فيه أنا الله لا إله إلا الله أنا أرحم الراحمين خلقت بضعة عشر و ثلاثمائة خلق، من جاء بواحد منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة) وهو للبيهقي في الأوسط، مع الحديث السابق الذكر لفهمنا أن المقصود في الحديث هو تجلي أسماء الله وصفاته التي ليست من أسماء الذات في قلب العبد المؤمن، وانعكاسها من القلب على ظاهره سلوكا. وهذا جائز، بل هو مطلوب من العبد تحقيقه.

 

فإذا أخذنا معنى التسوية على أنه الاكتمال، فالتسوية المذكورة في الآيات (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) اكتمال تخلق العبد المقصود بالخلافة بالمسموح لمخلوق التخلق به من أسماء الله وصفاته، (و نفخت فيه من روحي ) أي أفضت عليه من أسمائي وصفاتي.

 

وأكثر البشر تخلقا بما طلبه الله من عباده سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم، الذي (كان خلقه القرآن) فهو الصورة المثلى للعبودية لله و مدحه سبحانه و تعالى في مواضع كثيرة في القرآن بصفة العبد. وهذا واضح من قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا).

في هذه الآية ثلاثة أمور:

الأول: أن أمة المسلمين أمة وسطا.

الثاني: أن يكونوا هم الأمة المثلى التي تقاس عليها الأمم.

الثالث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأمثل لأمته الذي تقاس عليه الأمة.

نتيجة لذلك يكون هو صلى الله عليه وسلم النموذج الأمثل الذي يقاس عليه كل بني آدم بما فيهم الأنبياء (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا).

 

ولكن ما هي الوسطية التي تميزت بها أمة الإسلام و نبيها صلى الله عليه و سلم أولا؟

نحن نعرف أن الإنسان مكون من روح ونفس وجسد وقلب وعقل، وسبحانه وتعالى حين خلق الإنسان في أحسن تقويم جعلهم في صورة توازنية مثلى، كل له دور وواجب و حق.

والمطلوب منا في الرحلة الأرضية (رحلة العودة إلى أحسن تقويم) هو إعطاء كل مكون من هذه المكونات حقه ودوره في حدود نسبته المثلى ولا يتجاوز دوره ويجور على دور غيره مثلا، أو العكس، أي يضعف دور أحدها حتى لا يمكنه القيام بما هو منوط به. فلا نستخدم العقل حين يجب استخدام القلب أو العكس, ولا نطيع الجسد في شهواته على حساب الروح, وهكذا.

 

وسبحانه وتعالى حين وصف نوره وشبهه بالشجرة الطيبة وصفها بأنها لا شرقية ولا غربية (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في  زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية  و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الأمثال للناس و الله بكل شيء عليم)؛ بما يعني أنها لا تميل لطرف من الأطراف بل هي في الوسط, فلا تميل للمادية على حساب الروحانية, ولا تميل نحو الروحانية على حساب المادية, وسبحانه وتعالى تعالى حين خاطب سيدنا موسى خاطبه من الجانب الغربي (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين). فكان الذي أوحاه الله له شريعة ظاهرة تنظم أمور التعامل لبني إسرائيل, وحين صف الحق سبحانه وتعالى حال السيدة مريم في تعبدها قال أنها انتبذت من أهلها مكانا شرقيا, بمعنى أنه لا توجد لها معاملات فلا شريعة, ولكن حال روحي تعبدي فقط (و اذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا).

أما الرسالة الخاتمة ونبيها وأمته فلهم حال آخر يجمع بين الاثنين – حال توازني – لذلك وصفهم سبحانه وتعالى بأنهم أمة وسطا في حال توازني أمثل متوافق مع كمال نور الله الذي أنزل عليهم.

 

الــحــــــب:

الحب في أبسط معانيه هو تجاذب بين طرفين والكون كله قائم على الجاذبية فلولاها لتناثر كل شيء وتبعثر. فالحب هو أصل الوجود والغرض من الخلق ولولا أن سبق الحب من الخالق سبحانه وتعالى لما ظهر الخلق للوجود.

وقال تعالى ) يحبهم ويحبونه…) (الآية)، فذكر حبه تعالى لعباده أولاً ثم عطف عليه حبهم له فلولا أن أحبهم ما أحبوه وهل يمكن للمرء أن يحب من لا يعرف؟

 

كيف يصل المرء إلى حب الله سبحانه وتعالى؟

الله الذي ليس كمثله شيء والذي لا يمكن تصور كنهه، الذي لا يحده زمان ولا مكان، الأول والآخر, الظاهر والباطن هل لنا أن ندعي حبه؟

 

خلق الله الإنسان من روح لطيفة وألبسها جسداً من تراب وعَلِم حاجته للتعرف على الأشياء عن طريق الحواس - – كما قال بعض الصوفية: "ليس من ذاق كمن لم يذق" -  فوضع في قلبه الحب: الحب للزوجة والأبناء والأخوة وسائر المخلوقات، وجعل التعبير عنه مادياً ومعنوياً. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكل حق حقيقة). وكما قال أيضاً كما في سنن أبي داود والترمذي،  عن المقدام بن معد يكرب رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: (إِذَا أحَبَّ الرَّجُلُ أخاهُ فَلْيُخْبِرُهُ أنَّهُ يُحِبُّهُ) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

 

فالحب يزيد وينقص وينمو ويترعرع ولا يكون ذلك إلا بالتعبير المتبادل بين المتحابين بالكلمة واللمسة، بالبسمة والهدية والرعاية كما نعرف وكما يتضح من التوجيه النبوي حيث قال صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم, أفشوا السلام بينكم).

 

فكيف نحب من لا نرى ولا نسمع ولا نستطيع مجرد تخيله؟

قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). فإذا كان الغرض من الخلق هو العبادة.

 

وإذا كانت العبادة الحقة هي الطاعة بالحب  (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

 

وقال صلى الله عليه وسلم    (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) ). أبو داود والضياء عن أبي أمامة وأحمد عن أنس بن معاذ. وقال السيوطي: صحيح.

 

فمن الإيمان أن يعطي المرء ويمنع لوجه الله وهو عمل الجوارح ومن تمام الإيمان أن يحب ويبغض في الله وهو عمل القلب وقد ذكر النبي عمل القلب قبل عمل الجوارح لأن المحب لمن أحب مطيع فإن كان حبك صادقا لأطعته،

 

تعصى الإله و أنت تظهر حبه                هذا لعمري في القياس بديع

                                  إن كان حبك صادقا لأطعته                    إن المحب لمن يحب مطيع

 

وشتان بين العبادة والطاعة خوفاً من النار, وهي عبادة العبيد, أو العبادة والطاعة طمعاً في الجنة, وهي عبادة التجار, وبين عبادة المحبين الأحرار الذين لا يرجون سوى رضا المحبوب كما قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

 

فما وضع الله الحب في قلب عبده تجاه سائر مخلوقاته إلا كتدريب ليعرف مذاق الحب ولكي يتخذه سبباً يصل به إلى حب الله الذي هو الغرض من الخلق.  لذلك أنزل الله المتحابين فيه منزلة يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء.

قال صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي) أحمد في مسنده وصحيح مسلم عن أبي هريرة، وقال السيوطي: صحيح. 

 

كما وعد على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال:

أرجى ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (المرء مع من أحب يوم القيامة) وإني لأحب رسول الله وأبو بكر وعمر وإني لأرجو أن أكون معهم وإن كنت لا أعمل مثل عملهم. أخرجه عن أنس وغيره بروايات عديدة أحمد في مسنده ومتفق عليه [البخاري ومسلم] والثلاثة [أبو داود، الترمذي، النسائي] عن أنس، متفق عليه [البخاري ومسلم] عن ابن مسعود, وقال السيوطي: صحيح.

حب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته:

من أحب أحد أحب كل من يحب لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في الصحيحين: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار).

 

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي) الترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس وقال السيوطي: صحيح.

 

و كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين) أحمد في مسنده ومتفق عليه [البخاري ومسلم] والنسائي وابن ماجة عن أنس وقال السيوطي: صحيح.

فحب النبي صلى الله عليه وسلم من حب الله وهو شرط الإيمان ولا يكون الحب إلا بالمعرفة؛ إذ كيف تحب من لا تعرف؟. فمن عرف النبي وفضله على الأمة وخُلُقه؛ فهو الرؤوف الرحيم الدال على الله والسراج المنير، أحبه وأطاعه فاستحق بذلك حب الله وشفاعة نبيه يوم القيامة الذي لن يرضى  - (ولسوف يعطيك ربك فترضى) إلا بصحبة أحبابه.

 

وكما ذكرنا من قبل الحب يزيد وينقص وينمو بالصلة والوصل, ووصل النبي صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى طاعته والتأسي به يكون بالصلاة عليه وبحب أهل بيته.

 

أما الصلاة عليه فقد فرض الله تعالى الصلاة و السلام على رسول الله في القرآن كما قال الشاعر :

 

الله عظم قدر جاه محمد         و أناله فضلا عليه عظيما

في محكم التنزيل قال لخلقه    صلوا عليه و سلموا تسليما

 

فقال تعالى ( إن الله و ملائكته يصلون على النبي ، يأيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما )

اللهم صلي و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا .

 

وقال صلى الله عليه و سلم (أكثروا من الصلاة علي في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي مودود عن أبي هريرة مرفوعا، و رواه البيهقي بإسناد جيد عن أبي أمامة و رواه ابن ماجة بإسناد جيد عن أبي الدرداء و رواه الدارقطني عن ابن المسيب قال أظنه عن أبي هريرة.

 

كما ورد عنه صلي الله عليه وسلم : (لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) مسلم والترمذي.

 

وأما حب أهل بيته: فقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:  (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى).
وكما قال الإمام الشافعي:

يأهل بيت رسول الله حبكم                 فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنكم                  من لم يصلي عليكم لا صلاة له

الحب في الله:

(من أحب لله، و أبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان). أبو داود والضياء عن أبي أمامة وأحمد عن أنس بن معاذ.

وقال السيوطي: صحيح.

 

كيف يكون الحب في الله؟

(قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، المتحابون في على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء) أحمد في مسنده والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن عبادة بن الصامت وقال السيوطي: صحيح.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا؛ وكونوا عباد اللَّه إخواناً كما أمركم. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى ههنا، التقوى ههنا) ويشير إلى صدره (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم؛ كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله؛ إن اللَّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

 

ويقول تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)

 

بهذا السلوك من المسلم تجاه أخيه المسلم يكون الحب وينمو ويزداد التجاذب بينهم حتى يصبحوا كياناً واحداً كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ

(تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) أحمد في مسنده وصحيح مسلم عن النعمان بن بشير وقال السيوطي: صحيح.

 

وكما يقول تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي).

وبعد،

فماذا بعد أن أحببت الله وهو السابق بالمحبة وأحببت رسوله وآل بيته وسائر الصالحين ورزقت عملاً يحبب الله فيك؟

 

(إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعادني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن: يكره الموت، وأنا أكره مساءته) أخرجه البخاري عن أبي هريرة وقال السيوطي: صحيح.

 

فهو المحب ابتداءً وهو المحب انتهاءً وأنت بين هذا وذاك محبوب مراد مختار ويكون سمعك وبصرك ويدك ورجلك وتكتب لك المحبة بين أهل الأرض والسماء بفضله ومنته كما ورد في صحيح البخاري عن النبي صلى اللهم عليه وسلم قال (إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض). متفق عليه من حديث أبي هريرة.

 

     قد تقول لي: الآن بعد أن فهمنا لم خلقنا الله وكيف أن الحب هو أساس الخلق وهو أساس الوصول في الطريق, ماذا على أن أقوم به من أفعال؟

أقول لك: هناك ثلاث مجموعات من الأمور التي يجب على المسلم القيام بها:

 

أولا: مجموعة العبادات:

1.     يجب إتقان الفرائض سواء من حيث أدائها في أوقاتها, أو من حيث أدائها بالكيفية الصحيحة كما طلبها الشارع سبحانه وتعالى وليس تقليدا أو كما نظن نحن أو نهوى؛ لأن العبادات كما يقول السادة العلماء توقيفية؛ بمعنى أنها يتوقف في إثباتها وكيفيتها على الشارع؛ فنتوقف فيها حتى يأتينا النص (كتاب أو سنة أو الاثنين معا ، ولا يؤخذ فيها بالحديث الضعيف). مع الانتباه لحضور القلب في أثناء أداء العبادة.

 

2.     أداء السنن الراتبة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم.

 

3.     أداء الأذكار الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في كل موقف من مواقف الحياة اليومية؛ مثل ذكر الاستيقاظ من النوم, أذكار الوضوء, أذكار دخول الخلاء (دورة المياه), أذكار لبس الثوب (الملابس), أذكار الدخول والخروج من المنزل, وغيرها كثير.

 

4.     يجب أن يكون للعبد ورد ثابت يومي من قراءة القرآن, بحيث يختمه في فترة زمنية  محددة ثم يعاود.

 

5.     الأفضل أن يكون له أيضا ورد ثابت يوميا مرة صباحا وأخرى مساءا لقوله صلى الله عليه وسلم (أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل) متفق عليه [البخاري ومسلم] عن عائشة وقال السيوطي صحيح. يتكون من:

أ‌-                                                         مائة استعاذة من الشيطان الرحيم.

ب‌-                                                    ومائة استغفار.

ت‌-                                                    ومائة الشهادتين. لتثبيتها في القلب.

ث‌-                                                    ومائة صلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي صيغة يميل إليها.

ج‌-                                                      وسبع مرات يقول (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم). للتوكل.

ح‌-                                                      يقول سيد الاستغفار ثلاث مرات لقوله صلى الله عليه وسلم (سيد الاستغفار أن تقول: "اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) شرح: ["سيد الاستغفار": أي أفضل أنواع الأذكار التي تطلب بها المغفرة هذا الذكر الجامع لمعاني التوبة كلها. "أبوء لك بنعمتك علي": أي أعترف وألتزم."و أبوء بذنبي": أي أعترف أيضا."فهو من أهل الجنة": أي ممن استحق دخولها مع السابقين الأولين، أو بغير سبق عذاب، وإلا فكل مؤمن يدخلها وإن لم يقلها (أي وإن لم يقل هذه الصيغة من الاستغفار)]ـ أحمد في مسنده وصحيح البخاري والنسائي عن شداد بن أوس وقال السيوطي: صحيح.

 

6.     أن يدعو الله ويطلب منه كل صغيرة وكبيرة لقوله صلى الله عليه وسلم (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع) الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أنس وقال السيوطي: صحيح.

 

7.    أن يكون له مجلس مع ربه كل ليلة يصلي فيه ويدعوه ويناجيه ويبثه فيه كل ما يشكو منه ويذكره فيه.

 

ثانيا: مجموعة العلم:

1.     تعلم العلم الضروري (العلم الذي هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة) لقيام العبد بأداء الفرائض بالكيفية التي أرادها الشارع, وكل ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض؛ كالطهارة بالنسبة للصلاة تعتبر فرضا.

 

2.     تعلم ما يحتاج إليه من فقه المعاملات التي تجعله يعلم ويتصرف بصورة سليمة في عمله.

 

3.     تعلم ثلاث آيات في اليوم معنى وفهما وحفظهن فبإذن الله تعالى يجد أنه حفظ القرآن في فترة قصيرة.

 

4.     تعلم أحكام تلاوة القرآن لصحة التلاوة.

 

5.     تعلم حديث بمعناه كل يوم ويفضل البدء بحفظ وفهم الأحاديث الأربعين النووية لشمولها.

 

6.     دراسة السيرة النبوية فهما ومعايشة له صلى الله عليه وسلم للتطبع بسلوكه.

 

ثالثا: مجموعة السلوك:

1.                                      صحبة شيخ ممن يدلون على الله بمقالهم وحالهم وهذا من النظام الطبيعي في الإسلام تأسيا بتعليم رسول الله لأصحابه, وتعليم الصحابة للتابعين حتى وصلنا الآن الدين عن طريق هذا التسلسل. وإياك أن تظن في الشيوخ العصمة فتظلم نفسك بالوقوع فيهم وتظلمهم بأن تحملهم ما لا يمكن تحقيقه؛ لأن العصمة للأنبياء فقط, والحفظ للأولياء؛ وسبحانه وتعالى غالبا ما يختبر المريدين في أشياخهم ويفتنهم فيهم ليبين من منهم صادق في حبه واتباعه وفهمه لحقيقة المشايخ, ومن هو متزعزع فيبتعد ليفسح مكانا للآخرين. وهذا الاختبار طبيعي. الإيمان بالشيخ مرحلة تدريبية على الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صدق الإيمان بالله؛ فلا يتزعزع إيمان شخص بصدق رسول الله وبأن ما أتى به حق حين يسمع أو يقرأ ما يقال عن رسول الله من أعداء الدين, ولا يتزعزع إيمانه بالله حين يمرره بمتاعب ومصاعب وأمراض في الحياة, فرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة لنا الآن غيب, والله تعالى نفسه بالنسبة لنا غيب, فيكون التدريب على الشيخ لأنه مشهود أمامنا لزيادة قوة ثبات المريد؛ فيقول تعالى (ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) ويقول (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب) ويقول (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون).

 

2.                                      صحبة الصالحين وأهل الدين والعلم لأنهم يعينونك على الطاعة والقرب ويساعدوك على الوصول للجنة, والبعد عن صحبة العصاة والفاسقين؛ لأنهم يعينونك على الفسق والفجور ويفتًّون في عضدك ويكسرون إرادتك ويهدونك إلى النار؛ فالحق سبحانه وتعالى يقول (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فرطا) وقال صلى الله عليه وسلم (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) أبو داود والترمذي عن أبي هريرة وقال السيوطي حسن. وقال أيضا (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير: فحامل المسك إما أن يجذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة؛ ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة) شرح: ["يجذيك": أي يعطيك] متفق عليه [البخاري ومسلم] عن أبي موسى وقال السيوطي: صحيح.

 

3.                                      نيتك الصالحة شرط فلا أعمالك ورضا الله عنك, فكل عمل يقوم به المرء إنما يكون له الثواب  إذا ما توافرت له النية الصالحة لقوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) متفق عليه [البخاري ومسلم] والأربعة [أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه] عن عمر بن الخطاب، أبو نعيم في الحلية والدارقطني في غرائب مالك عن أبي سعيد، بن عساكر في أماليه عن أنس، الرشيد العطار في جزء من تخريجه عن أبي هريرة.

 

4.                                      ثم ابدأ كل فعل صغير أو كبير بما بدأ به المولى عز وعلا كتابه العزيز (بسم الله الرحمن الرحيم) تستمد من الله ومن حوله وقوته القوة والقدرة على القيام بالفعل فتتحقق بلا حول ولا قوة إلا بالله, ويعينك ذلك على عدم الوقوع في الذنوب لأنك لن تقول بسم الله الرحمن الرحيم حين تبدأ في السرقة مثلا, ثم أنك حين تقولها تتذكر الله فيقيك ذلك من معصيته.

 

5.                                      إذا عملت عملا فلتكن دائما قاصدا وساعيا لأن تتقنه وتحسنه إلى أتم ما تستطيع لقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة. وقوله أيضا كما روى  شداد بن أوس. قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال (إن الله كتب الإحسان على كل شيء. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح. وليحد أحدكم شفرته. فليرح ذبيحته). مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

 

6.                                    اجعل همك ليس فقط اتباع أوامر الشرع وإحسان حركاتها الظاهرة, وإنما أيضا في التحقق بمعانيها ولوازمها الباطنة؛ فما فائدة صلاة تامة الحركات مع عقل مشتت و قلب لا إخلاص له ولا توجه, ومن ثم فلا خشوع ولا صدق.

 

7.                                      عليك بالنظافة ظاهرا وباطنا. نظافة الظاهر معلومة من الشرع الظاهر وتكون بالامتناع عن الأفعال المنهي عنها, ونظافة الباطن إنما تكون من انتفاء الغل والحسد والغيبة والرياء والعجب والغرور والكبرياء وعدم الإخلاص....إلخ. (أي الشرك الخفي). وتتطلب مراقبة النفس ومراجعتها في صحبة مرشد خبير بأمراض النفس وعلاجها وكلاهما مأمور به في صريح قوله تعالى (ذروا ظاهر الإثم وباطنه).

 

8.                                    أول الطريق يكون بالإكثار من الأعمال الصالحات واكتساب صفات المؤمنين حسب آيات الكتاب ونصائح الصادق الأمين صلى الله عليه وسل, ثم الالتفات إلى المحاسبة الواعية عن المنهيات. ويتوجب الالتفات بشدة -خاصة في المراحل الأولى من السلوك – إلى اكتساب صفات المؤمنين الوارد ذكرها في الكتاب والحديث. ولا شك أنه من المفيد على وجه العموم التمسك بإيجابيات التنفيذ بدرجة أكبر من الالتفات إلى الأمور المنهي عنها. فمن أهم وسائل التخلص من السيئات إغراقها في طوفان من الحسنات والأعمال الصالحة التي تستنفذ الوقت, وداوم على الاستعانة بالله دعاءا وذكرا لتتحقق التوبة وصفات المؤمنين.

 

9.                                     اعلم أن إحسان الظن بالله تعالى, وإحسان الظن بالمسلمين جميعا, والثقة في عطاء الله وتوفيقه, واليقين بأن جميع ما يحدث للمرء إنما فيه الخير والمصلحة – حسب علم الله العليم الحكيم, الذي يعلم ونحن لا نعلم – وهذا حال عقلي وقلبي لازم ومطلوب لحدوث التقدم والنجاح.

 

10.                                الإيمان في ثلاث: أمر تمتثله, ونهي تجتنبه, ورضا بالقضاء, فتمم إيمانك بالرضا, فإن لم تستطع أن ترضى بقضاء الله على معنى الرضا, فلتكن على الأقل من أهل الصبر على قضائه؛ وهم أولئك الذين يتماسكون على مضض وعلى ألم بما أصابهم الله ولا يجزعون أدبا مع رب العالمين واحتسابا للعمل عنده. واسأل المولى عز وجل أن يبلغك مقام الرضا, حيث تجد الحلاوة كل الحلاوة في كل ما يصيبك منه لأنك على يقين من أنه لا يفعل بك إلا الخير. وكن كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: "ما أصابتني من مصيبة إلا رأيت أن لله على فيها ثلاث نعم: الأولى حيث لم تكن المصيبة في ديني, والثانية لم يكن ما هو أكبر منها فدفع الله ما هو أعظم منها, والثالثة ما جعل الله لي فيها من الأجر بالكفارة لما كنا نتوقاه من سيئات أعمالنا." واعلم أن المؤمن كثير الرزايا (الابتلاءات) لأن الله يحب أن يطهره حتى ينقلب إليه طاهرا من دنس المخالفات التي كتبت عليه في الدنيا. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أنه قال (مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفَّأ بالبلاء. والفاجر كالأرزة، صمَّاء معتدلة، حتى يقصمها الله إذا شاء) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة وأخرجاه وأحمد والبيهقي عن كعب بن مالك.

 

11.                                إياك ومعاداة أهل لا إله إلا الله فإن لهم من الله الولاية العامة, وإن أخطأوا وجاءوا بقراب الأرض خطايا لا يشركون بالله شيئا, لقيهم الله بمثلها مغفرة كما في الحديث القدسي. وكل مسلم لم يطلعك الله على عداوته لله فلا تتخذه عدوا في الله, ولا تبغضه في الله وأنت لا تعلم حقيقة حاله ولا على ماذا يختم له. والذي ينبغي لك أن تكرهه هو فعله السيئ, ولكن لا يحق لك أن تكرهه نفسه, ففرق بين من تكرهه بذاته, وهذا لا يكون إلا عدوا لله مشركا يعادي الله ورسوله, وبين من تكره فعله (وهو المؤمن) وتجهل خاتمته ممن قد يخطئ ببعض الأعمال في بعض الأوقات. أما إذا تحقق لك أنه عدو لله, وليس ذلك إلا لمشرك, فتبرأ منه كما قال الخليل عليه السلام في حق أبيه حسب قوله تعالى (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه).

 

12.                                أول الصفاء: إضعاف الارتباط بالأرض في حدود ما شرع الله بإقلال الطعام, ومراعاة طيبه ونقائه لقوله تعالى (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا و لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) وقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون),  والتحكم في الشهوات الجسدية والنفسية, وقلة النوم لقوله تعالى (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون).                                                                         أول الحكمة: الصمت, وحسن الاستماع والاطلاع, ثم التذكر والتدبر والتفكر.                                                       أول الإحسان: مراقبة الله تعالى في محاسبة نفسك, والقيام في خدمته ليلا ونهارا بعلو الهمة ونفوذ العزمة. وهذا لا يكون والمرء غافل عن ربه ممتلئ البطن, خامل النفس والعقل.

 

13.                                أقم في نفسك توازنا بين التواضع والانكسار والتسليم من جانب, وبين للاعتزاز بالله والثقة والقوة وجانب آخر وبين الأدب والاحترام والتقدير للناس. فلا يكن تواضعك وانكسارك وفقرك وافتقارك إلى المولى سبحانه وتعالى على الصورة الانهزامية التي تشير إلى الضعف والاختلال. وكذلك لا تكن ثقتك بالله والاعتزاز به وبإسلامك زائدة عن الحد الشرعي مما يجعل الباب مفتوحا أمام أمراض النفس الباطنة من غرور وعجب بالرأي وبالنفس وكبر وتعال وما شابه ذلك. وكن مع أستاذك أو مرشدك في حال من التسليم والثقة والصدق والانتباه الكلي لتتلقى منه بالإضافة إلى العلم الحال القلبي والصفاء النفسي والروح الشريف النقي.

 

14.                                لا تضع نفسك في موضع المعلم لأحد, كن دائما في موضع المتعلم المستمع وتأمل في الكلام الذي يقال لك أو أمامك؛ فما ساقه الله لك وما ساقك إليه إلا لحكمة وفائدة تأخذها منه. ولا تتدخل في الحديث إلا بحكمة ولطف ولين وبلا ضغينة أو غل لشخصية المتكلم وكن واحدا من ثلاث: إما المتودد المتحبب إلى الحاضرين لا بغرض سوى الحب والإخاء في الله, وإما الراغب في الازدياد من العلم بالاستفسار والسؤال. أو إذا كنت متأكدا من تعارض قول المتكلم مع نص صريح من الكتاب والسنة لا غموض فيه فواجبك أن تصحح وتقوم في لفظ هين وقلب محب. أما إذا كان المطروح للمناقشة أمر ظني ليس فيه نص قطعي الدلالة فاسأل وناقش وافهم ولا تجادل؛ فقد يكون هو مع الحق وأنت لم تفهم مراده ولم تدرك مرامي قوله. واتخذ هذا الموقف بالذات مع الأكبرين دينا وعلما وسنا ومقاما بين الناس.

 

15.                                لا تقتصر أبدا على نظرة واحدة ولا تتعصب أبدا لرأي مفكر أو لرأيك الشخصي. واعلم أنه لم ولن يوجد عالم كل أقواله ومفاهيمه صواب ولا عالم كل مفاهيمه وأقواله خطأ؛ فالكل يؤخذ منه ويترك إلا خاتم النبيين المعصوم صلى الله عليه وسلم.

 

16.                                تعمد التصرف بسكينة ووقار وفقه واعتزاز بالله على الدوام بدون عجب أو غرور أو خيلاء أو كبر, مع ملاحظة ما يلي:   احترام الكبير دينا وعلما وسنا ومقاما عند الناس. ودوام التطوع بفعل الخير للضعيف والمحتاج والأخوة والمسلمين جميعا بما في استطاعتك فقط. وتنظيم حياتك اليومية على النسق أو النهج المحمدي في كل صغيرة أو كبيرة تستطيعها.

 

17.                                ركز اهتمامك في إصلاح نفسك إصلاحا متوازنا في العقل والنفس والبدن, وعليك بمجاهدة هواك فإنه أكبر أعدائك. واعلم أن نفسك أقرب الأعداء إليك الذين يلونك فإنها بين جنبيك, والله سبحانه وتعالى يقول (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) وليس أكفر عندك من نفسك التي بين جنبيك إذ تكفر بنعم الله ولا تشكر حقها. واعلم أنك إذا جاهدت نفسك هذا الجهاد الباطن استطعت أن تحقق إصلاح نفسك ويخلص لك الجهاد الظاهر في أعداء الله.

 

18.                                انتبه لإقامة التوازن في حياتك اليومية بين شتى جوانبها ولا تغلب جانبا على آخر فتصعب عليك العبادة ويصعب عليك الانتظام. واعلم أنك حينما تمرح أحيانا لإقامة ذلك التوازن يكون مرحك لله, إذا كان هدفك سياسة نفسك حتى تستمر في المواظبة وحسن الأداء وإخلاص العبادة لله. واعلم أن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا, فأعط كل ذي حق حقه.

 

19.                                تتوقف إمكانية تحقيق المراد على مدى وضوح القصد والهدف في الدرجة الأولى أي على مدى صدق التوجه بإسلام الوجه لله تعالى؛ فنجاحك في تحقيق أي أمر يعتمد على أولا: شدة وضوح الهدف, ثانيا: شدة الحب والرغبة في تحقيق الهدف, ثالثا: شدة التركيز في الجهد المبذول لتحقيق الهدف. والذكر والفكر هما أهم وسائل تحقيق هذه العمد الرئيسية فهما على الحقيقة إيضاح وتركيز للهدف وجمع للهمة بحصر الالتفات للمولى وحده.

 

20.                                إياك أن تعاهد الله بشيء وتعود فيه, وإن تأخرت في أداء ورد أو فاتك وقت فاقضه ولو بعد حين تكتب عند الله من الدائمين المداومين.

 

21.                                حدث نفسك دواما بعمل الخير وإن لم تفعله, وإذا حدثتك نفسك بشر, فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم واعزم على ترك ذلك, فإن الله إذا لم يقضي عليك بإتيان ذلك الشر الذي حدثتك به نفسك, كتبه لك حسنة. كما تكتب لك حسنة بنية فعل الخير وإن لم تفعله.

 

22.                                إذا أحدثت ذنبا في مكان فحاول: أولا: أن تسرع باستغفار والتوبة قبل أن يكتب عليك الملك هذا الذنب؛ فإن الله أمر الملك بأن ينتظر ساعة أو ساعتين قبل أن يكتب السيئة. ثانيا: أحدث حسنة في نفس المكان؛ فإن ذلك المكان يشهد لك بالحسنة كما يشهد عليك بالسيئة يوم القيامة واجتهد في أن تكون الحسنة تعادل السيئة أو تفوقها (إن الحسنات يذهبن السيئات).

 

23.                                إذا قلت خيرا أو دللت على خير. فكن أنت أول عامل به. واعتبر أنك أنت المخاطب بذلك الخير. وانصح نفسك فإنها أولى الجميع بذلك. فإن الخلق ينظرون إلى أفعال الشخص أكثر من أقواله, ويهتدون بفعل المرء أعظم من اهتدائهم بقوله. فاجتهد أن تكون ممن يُهتدى بهديه فتلحق بالأنبياء ميراثا.

 

24.                                أدع والله دائما أن يجعلك من "صالحي المؤمنين" بهذه الصيغة؛ فإنك تكون ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وناصره. فإن الله جمع صالحي المؤمنين مع نفسه ومع جبريل والملائكة في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول سبحانه وتعالى (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير). ويقول صلى الله عليه وسلم (إنما وليي الله وصالح المؤمنين) البخاري وأحمد والطبراني عن عمرو بن العاص. وانظر لنفسك دائما على أنك من ناجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وحذوه وأهل معيته, واسع في ذلك بما يتطلبه من معتقد وقول وفعل.

 

25.                                كن دائما متمسكا بقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم (مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ).

 

تم بحمد الله ومنته في يوم الأربعاء السادس عشر من شوال سنة 1424هـ, الموافق العاشر من ديسمبر 2003 م.

 

كتبه راجيا رضا الله ورسوله:

حـســن الـوكــــــيـل    إيـــــــمـان الـــغـــــــــراب

Hosted by www.Geocities.ws

1