النبـوة والوحي

 

     إن الحق جل وعلا كان في سابق مشيئته أن يرسل لبنى آدم بعد هبوطهم إلى الأرض رسالات الهدى وبيانات الحق (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى) وذلك الهدى تعددت طرقه، وأشهرها ومحل حديثنا الآن ذاك الهدى الذي جاء على لسان النبيين والمرسلين.

كلمة النبوة مأخوذة من معنى النبأ أي الخبر. فالنبي هو الذي يأتيه الخبر وحيا بأمر من الله. فالنبوة أمر بين العبد وبين الله.

من جاءه الوحي من رب العالمين عن طريق الوحي بالأنباء والأحكام فهو نبي.

أما كلمة الرسالة فتشير إلى تكليف الله أحد عباده بإبلاغ الناس أمرا تشريعيا أو حكما أو خبرا.

فالرسالة صفة بين العباد أي الأنبياء والرسل وبين الناس. والنبوة صفة بين النبي و بين الله.

فالنبي أو الرسول إذا نظرت إليه من حيث علاقته بالله تقول هو نبي، وإذا نظرت إليه من حيث علاقته بالناس تقول هو رسول. لذا فالنبوة أشرف من الرسالة لأنها تتعلق بعلاقة النبي بالله جل و علا. فالنبي هو من يأتيه النبأ وحيا عن طريق الملك من الله سبحانه وتعالى بالأحكام والتشريعات، وإما أن يكلف بإبلاغها إلي الناس فيكون نبيا ورسولا، وإما أن يكتفي له بالعلم بها فيكون نبيا فقط.

 

     أنواع الوحي (طبقات الوحي): كلمة الوحي في ديننا الحنيف عديدة الاستعمال. قصد الله تعالى أن يذكرها في القرآن بمعان عديدة.

 

     فبين أن من معاني الوحي أن يبث الله عز وعلا نظاما ما في حياة النبات أو الجماد أو في حياة أي شئ على الإطلاق. فيكون ذلك الذي نسميه النظام الغريزي أو النظام العام.

كأن جعل الله تعالى الشمس تدور في مدار وتدور حولها الأرض وسائر كواكب المجموعة الشمسية. فهذا نظام هو في تعبير الحق جل وعلا في القرآن وحي. بمعنى أنه فطر الأرض وسائر كواكب المجموعة الشمسية وتلك السماوات على نظام محدد كما في قوله تعالى (وأوحى في كل سماء أمرها)

 

     ثم بين أن هذا الوحي قد يكون متعلقا بحياة كائن؛ أي بنظامه الغريزي. فتجد الكلاب كلابا على مر الزمان في أخلاقها وعاداتها و أفعالها . والقطط قططا والأفيال أفيالا لا يغيرون نظام الحياة عندهم أبدا لأن الله تعالى وضع لهم نظاما يسيرون عليه يسميه العلم الحديث الغريزة لا يخرجون من نطاقها. وهذا أيضا نوع من الوحي بنص القرآن كما في قوله تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون)

أولا حدد لها أين تسكن وأنها لا تسكن مجرد إقامة مبيت وإنما تبني بيتا محكما، أي نظام البيات.

(فاسلكي سبل ربك ذللا) تبدأ تأخذ نظاما في اختيار ما تأكل و تأخذ سبلا معينه في الحصول على الطعام ويتفاعل ذلك داخلها من حيث لا تقصد هي ولا تملك أن تغير (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) فهذا وحي تنظيمي في حياة هذا النحل وكل حيوان وكل نبات وكل شيء (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) أي كل شيء حي .. إذ لو لم يكن كل شيء حيا فكيف يسبح بحمده؟ حجرا كان أم ترابا أم ماءا أم ما تشاء أم ذرة تسبح بدوران الإلكترونات حول النواة.

 

     وهناك نوع ثالث أو مستوى ثالث من الوحي يذكره الله تعالى في كتابه المبين وهو الإلهام الذي يلقي به إلى عباده.

التوجيه الذي يشرح الله به صدور العباد فيخرجهم من الظلمات إلى النور .. التوجيه الذي يسيرهم إلى فعل ويجعلهم ينفرون من فعل آخر .. وأنت حين تستخير الله في أمر من الأمور فتصلي صلاة الاستخارة أو تنظر في كتاب الله مستدلا على مراده أو بصورة من صور الاستخارة الأخرى المعلومة عند أهل الدين تكون في حال تلقي لهذا التوجيه. فبصلاة الاستخارة تقول إذا كان هذا الأمر خيرا لي فيسره لي ويسرني له، وإذا كان شرا فاصرفني عنه واصرفه عني. أي يوجهك إلى فعل ما من حيث لا تدري. هذا المعنى موجود في قوله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى) ليس وحي نبوة بل هو مثل قوله (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي) وحي الهام إلى الصالحين والصديقين. والسيدة مريم صديقة وليست نبيه.

والملائكة تتنزل على الصالحين بالبشارة لكن لا تتنزل بتشريع ولا بحكم. يقول تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون).

أي فرد يستقيم مع الله استقامة صحيحة تتنزل عليه الملائكة وتقول له ذلك. فهل نحن أنبياء؟

لا؛ لأنها لم تتنزل بتشريع ولا حكم ولا خبر من السماء لتبلغه لأحد.

أوحى إلى الحواريين ليس وحي النبوة وإنما هو وحي الإلهام والتوجيه. ومنه وحي الرؤى أيضا.

كل هذه الأنواع ليست الوحي النبوي الخاص بالأنبياء, وإنما هنا نهاية الأولياء وبداية الأنبياء الذين تنطبق عليهم شروط النبوة.    

والناس بغير علم يطلبون من الأولياء والعلماء أن يكونوا معصومين كالأنبياء فيظلمونهم ويخطئون في حقهم.

 

     الوحي الخاص بالأنبياء: هو إرسال الملك برسالة إلى النبي بخبر يقين معلوم، مشافهة من ملك إلى نبي (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) وهي حالة تنزل الملك جبريل عليه السلام الموكل بهذا الأمر على النبي يبلغه مرادات الله  عز وجل. فهذا معنى الوحي بالنسبة للنبوة. وقضية الوحي أهم كثيرا مما تظنون . وهي في أيامنا هذه من أهم ما يكون على الإطلاق، لأن أعداء الحق كلهم يتكاتفون على مهاجمة قضية الوحي، ومن خلالها قضية السنة و السيرة ، وهذا فساد ينبغي على المسلم أن ينتبه إليه. لأنه إذا خرج الوحي من عقيدة المؤمن فلا إيمان و لا دين . لأنه إن لم يكن ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم وحيا من الله ، فلا يتوجب عليك الالتزام به ولا تنفيذه مهما قيل أن محمدا صلى الله عليه وسلم أعظم رجال العالم على الإطلاق ما دام ما أتى به اجتهادا منه وليس وحيا من الله. ففكر الإنسان يصيب ويخطئ.

كل هذا لزعزعة إيماننا بالسنة والسيرة، وبأنه (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي) وبأن تميزه الذي   ذكره الله تعالى  (إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي),   وبأن أقواله و أفعاله جزء من تعاليم الله لنا وتشريعه لنا (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فإذا اهتزت قضية الوحي ضاع الأمر كله.

إذا، النبي هو الذي يأتيه الخبر بوحي بملك من السماء. خبر وأنباء بحكم أو تشريع. إذا أمر بإبلاغه إلى الناس فهو مرسل أيضا، وإذا لم يؤمر فهو نبي فقط.

 

لكن ما هي شروط النبوة الأربعة المتفق عليها عند علماء الإسلام 14 قرن؟

الشرط الأول: الذكورة: النبي لا يكون إلا ذكرا لسببين:

الأول: ما أخبرنا به الله ورسوله من أن كل الأنبياء رجال، ولم نر نبيا في تاريخ العالم أنثى.

الثاني: أنه لو كان النبي أنثى لفقد الكمال الواجب. لأن الأنثى تعيبها بعض الأمور التي تطرأ عليها في حياتها فتفقدها أمورا معينة. فلا يقبل العقل أن يكون النبي بهذه الصفة.

أما قوله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى) ليس وحي نبوة بل هو مثل قوله (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي) وحي الهام إلى الصالحين والصديقين. والسيدة مريم صديقة وليست نبيه.

والملائكة تتنزل على الصالحين بالبشارة لكن لا تتنزل بتشريع ولا بحكم. يقول تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون).

أي فرد يستقيم مع الله استقامة صحيحة تتنزل عليه الملائكة وتقول له ذلك. فهل نحن أنبياء؟

لا؛ لأنها لم تتنزل بتشريع ولا حكم ولا خبر من السماء لتبلغه لأحد.

 

الشرط الثاني: الأمانة. أي الصدق. حفظ الله ظواهرهم وبواطنهم من الإثم. لابد أن يكونوا أهل صدق وإلا يصبح الأمر عبثا.. لا نبوة.

 

الشرط الثالث: العقل والضبط والعدالة. أما العقل، لا يجوز لنبي أن يكون ناقص العقل لا يفهم وتجوز عليه الأخطاء العقلية والأفكار الخاطئة وسوء الاستنباطات. أما الضبط، يعني أنه حين يبلغه الخبر من الله يفهمه كما ينبغي ويضبط معناه ويدرك حقيقته ، وإلا جاز أن يبلغنا كلاما غير صحيح. وأما العدالة فتعني أنه ليست عنده دوافع شخصية في أنه حين ينقل لنا الخبر من الله لا ينقص منه ولا يزيد فيه.

 

الشرط الرابع: عدم الوقوع في المعاصي والذنوب. بإجماع أهل العلم في الإسلام كله لا يقعون في الكفر لا من قبل النبوة ولا من بعدها، ولا يقعون في الكبائر لا من قبل النبوة ولا من بعدها، ولا يقعون في الصغائر لا من قبل النبوة ولا من بعدها. وإذا اجتهدوا فأفتوا بشيء فلا يمكن أبدا أن يكون خطأ حتى لو عدّل الله هذا الإفتاء، وإنما هو من قبيل التعليم والترتيب والتأهيل.

 

أريد أن أوضح هذه النقطة؛

كلكم تعرفون أن أحكام الخمر في القرآن جاءت على ثلاث مستويات و مراحل.

أول مرة (يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) كأنه يرشد تدريجيا إلى الابتعاد عنها، لكن لم يحكم حكما نهائيا.

المرحة الثانية بعد حوالي سنة وشهرين نزل قوله تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فأدى ذلك إلى تضييق فرصة شرب الخمر.

ثم في المرحلة الثالثة نزل التحريم. هل قال أحد أن الله أخطأ في أول مرة تكلم فيها أو في المرة الثانية؟ لا لكنه تدرج. ما الفارق لو كان النبي هو الذي قال عن الخمر والميسر فيهما إثم ومنافع والإثم أكبر؟

لو كان الرسول هو الذي قال ذلك ثم نزلت آية التحريم هل نقول أن الرسول أخطأ أم أن الله استخدمه في النطق بجزء من التدرج في الحكم؟ وما لغرض من تدرج الحكم؟

حين يرينا الله المراحل الثلاثة للحكم يعلّمنا أننا حين نفكر في أي موضوع أن ننظر في المنافع والمضار، فإذا وجدت المضار أكثر، أحكم بأن الابتعاد عن هذا الشيء أفضل. أي يعلّمني كيف أفكر، وكيف أحكم. لذلك, حين يقولون أن النبي حكم في أسرى بدر حكما ونزلت الآيات تلومه نقول لهم لا، بل هذا جزء من التشريع ليفهمنا مسببات الحكم مثل تشريع الخمر، لكن بدلا من نزول الآيات قال الحكم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم. لكنه لم يخطئ، بل هذا جزء من التشريع والنهج الرباني في التعليم والتربية لأنه صلى الله عليه وسلم (ما ينطق عن الهوى).

Hosted by www.Geocities.ws

1