الخلاف في الاستخلاف

هل استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

 

     يتساءل كثير من المسلمين هل استخلف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صراحة أم لم يستخلف, ويتساءلون أيضا إن كان قد استخلف فلم كان الخلاف الذي حدث في سقيفة بني ساعدة, والاختلاف لفترة بين سيدنا علي كرم الله وجهه وبين سيدنا أبي بكر حتى أنه تأخر مدة عن بيعة سيدنا أبي بكر رضوان الله عليهم أجمعين.

وفيما يلي سنحاول توضيح ذلك وبيان فهم الصحابة في هذه المسألة.

 

بداية ظهور الاختلاف في مناهج الاستنباط من النصوص:

في شرح النووي على صحيح مسلم:

عَنْ عَبْدِ اللّهِ قَالَ: نَادَىَ فِينَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ (أَنْ لاَ يُصَلّيَنّ أَحَدٌ الظّهْرَ إلاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) فَتَخَوّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: لاَ نُصَلّي إلاّ حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَإنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنّفَ وَاحِداً مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.

قوله: نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف عن الأحزاب: أن (لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة) فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت فما عنف واحداً من الفريقين. هكذا رواه مسلم لا يصلين أحد الظهر، ورواه البخاري في باب صلاة الخوف من رواية ابن عمر أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فأدرك بعضهم العصر في الطريق وقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي ولم يرد ذلك منا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم. أما جميعهم بين الروايتين في كونها الظهر والعصر فمحمول على أن هذا الأمر كان بعد دخول وقت الظهر، وقد صلى الظهر بالمدينة بعضهم دون بعض، فقيل للذين لم يصلوا الظهر: لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة، وللذين صلوا بالمدينة لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، ويحتمل أنه قيل للجميع: ولا تصلوا العصر ولا الظهر إلا في بني قريظة، ويحتمل أنه قيل للذين ذهبوا أولا: لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة، وللذين ذهبوا بعضهم لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة والله أعلم.

 

وأما اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها وتأخيرها فسببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم بأن الصلاة مأمور بها في الوقت، مع أن المفهوم من قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحد الظهر أو العصر إلا في بني قريظة المبادرة بالذهاب إليهم وأن لا يشتغل عنه بشيء، لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه من حيث أنه تأخير، فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظراً إلى المعنى لا إلى اللفظ، فصلوا حين خافوا فوت الوقت وأخذ آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته فأخروها، ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من الفريقين لأنهم مجتهدون، ففيه دلالة لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى ولمن يقول بالظاهر أيضاً، وفيه أنه لا يعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده إذا بذل وسعه في اِلاجتهاد، وقد يستدل به على أن كل مجتهد مصيب وللقائل الاَخر أن يقول لم يصرح بإصابة الطائفتين بل ترك تعنيفهم، ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد وإن أخطأ إذا بذل وسعه في الاجتهاد والله أعلم.

 

فهم آل البيت والشيعة في مسألة الخلافة:

وفي فيض القدير شرح الجامع الصغير للإمام المناوي:

(من كنت مولاه فعليٌّ مولاه) أي وليه وناصره ولاء الإسلام {ذلك بأن اللّه مولى الذين آمنوا} وخصه لمزيد علمه ودقائق مستنبطاته وفهمه وحسن سيرته وصفاء سريرته وكرم شيمته ورسوخ قدمه قيل سببه أن أسامة قال لعليٍّ: لست مولاي إنما مولاي رسول اللّه فقال النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك ومن الغريب ما ذكره في لسان الميزان في ترجمة اسفنديار بن الموفق الواعظ أنه كان يتشيع وكان متواضعاً عابداً زاهداً عن ابن الجوزي [ص 218] أنه حكى عن بعض العدول أنه حضر مجلسه فقال لما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من كنت مولاه فعليٌّ مولاه تغير وجه أبي بكر وعمر ونزلت {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا} الآية هكذا ذكره الحافظ في اللسان بنصه ولم أذكره إلا للتعجب من هذا الضلال وأستغفر اللّه.

قال ابن حجر: حديث كثير الطرق جداً استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد منها صحاح ومنها حسان وفي بعضها قال ذلك يوم غدير خم وزاد البزار في رواية (اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله).

ولما سمع أبو بكر وعمر ذلك قالا فيما خرجه الدارقطني عن سعد بن أبي وقاص "أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة" وأخرج أيضاً قيل لعمر إنك تصنع بعلي شيئاً لا تصنعه بأحد من الصحابة قال إنه مولاي.

وفي تفسير الثعلبي عن ابن عيينة أن النبي صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم لما قال ذلك طار في الآفاق فبلغ الحارث بن النعمان فأتى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم فقال: يا محمد أمرتنا عن اللّه بالشهادتين فقبلنا وبالصلاة والزكاة والصيام والحج فقبلنا ثم لم ترض حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فهذا شيء منك أم من اللّه فقال: (والذي لا إله إلا هو إنه من اللّه) فولى وهو يقول: اللّهم إن كان ما يقوله محمد صلى اللّه عليه وسلم حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فما وصل لراحلته حتى رماه اللّه بحجر فسقط على هامته فخرج من دبره فقتله ولا حجة في ذلك كله على تفضيله على الشيخين كما هو مقرر بمحله من فن الأصول.

(أحمد وابن ماجة عن البراء بن عازب) (أحمد عن بريدة بن الحصيب) (الترمذي والنسائي والضياء المقدسي عن زيد بن أرقم) قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات وقال في موضع آخر: رجاله رجال الصحيح وقال المصنف: حديث متواتر.

 

وفي كنز العمال:

عن جرير البجلي قال: شهدنا الموسم في حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حجة الوداع فبلغنا مكانا يقال له (غدير خم) فنادى: الصلاة جامعة! فاجتمعنا المهاجرون والأنصار فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا فقال: (أيها الناس! بم تشهدون؟) قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، قال: (ثم مه؟) قالوا: وأن محمدا عبده ورسوله، قال: (فمن وليكم؟) قالوا: الله ورسوله مولانا، قال: (من وليكم؟) ثم ضرب بيده إلى عضد علي فأقامه فنزع عضده فأخذ بذراعيه فقال: (من يكن الله ورسوله مولاه فإن هذا مولاه، اللهم! وال من والاه وعاد من عاداه، اللهم! من أحبه من الناس فكن له حبيبا ومن أبغضه فكن له مبغضا، اللهم! إني لا أجد أحدا أستودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين غيره فاقض فيه بالحسنى).

(طب) (أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/106) رواه الطبراني)

 

فهم الصديق وأم المؤمنين عائشة في أنه صلى الله عليه وسلم أشار بالاستخلاف:

قال صلى الله عليه وسلم (مروا أبا بكر فليصل بالناس)

التخريج (مفصلا): متفق عليه [البخاري ومسلم] والترمذي وابن ماجة عن عائشة متفق عليه [البخاري ومسلم] عن أبي موسى صحيح البخاري عن ابن عمر ابن ماجة عن ابن عباس، وعن سالم بن عبيد

تصحيح السيوطي: صحيح.

 

وفي "تحفة الأحوذي شرح الترمذي" للمباركفوري:

عَن عَائِشَةَ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بالنّاس)ِ. فقالَتْ عائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنّ أبَا بَكْرٍ إذَا قامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النّاسَ مِنَ البُكَاءِ فأْمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلّ بالنّاسِ، قالَتْ فقالَ (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بالنّاس)ِ، قالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ قولِي لَهُ إنّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قامَ في مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النّاسِ مِنَ البُكاءِ، فأمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلّ بالنّاسِ فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فقالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: (إنّكُنّ لأَنْتُنّ صَوَاحِبات يُوسُفَ، مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بالنّاسِ)، فقالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ مَا كُنْتُ لأِصِيب مِنْكِ خَيْراً".

قال أبو عيسى: هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.

 

ما حدث في سقيفة بني ساعدة:

أخرج البخاري في صحيحه:

عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسنح - قال إسماعيل: يعني بالعالية - فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا ميتا، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقال: {أنك ميت وإنهم ميتون}. وقال: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين}. فنشج الناس يبكون، قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير، ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزارء، هم أوسط العرب دارا، وأعربهم أحسابا، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعدا، فقال عمر: قتله الله.

وقال عبد الله بن سالم، عن الزبيدي: قال عبد الرحمن بن القاسم: أخبرني القاسم: أن عائشة رضي الله عنها قالت: شخص بصر النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: (في الرفيق الأعلى). ثلاثا، وقص الحديث. قالت: فما كانت من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها، لقد خوف عمر الناس، وإن فيهم لنفاقا، فردهم الله بذلك. ثم لقد بصر أبو بكر الناس الهدى وعرفهم الحق الذي عليهم، وخرجوا به يتلون: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل - إلى - الشاكرين}.

 

 

فهم الفاروق عمر في مسألة الاستخلاف:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:

قيل لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأثنوا عليه، فقال: راغب وراهب، وددت أنِّي نجوت منها كفافاً، لا لي ولا عليَّ، لا أتحمَّلها حيًّا وميِّتاً.

متفق عليه (البخاري ومسلم) وأحمد في مسنده والطبراني.

Hosted by www.Geocities.ws

1