مقـدمة:
تثير الحدود في
الإسلام جدلا واسعا هذه الأيام بسبب الحديث عن وحشية العقوبات في الإسلام في
الغرب، واندفاع بعض المسلمين للبحث عن مخرج, فيسعى من ليس مؤهلا لاستخراج الأحكام من
النصوص لإيجاد ما يدافع به عن الإسلام, فيقع في خطأ إنكار بعض العقوبات, مثل الرجم
للزاني المحصن, بغير علم أو فهم صحيح للشريعة ومصادرها ويحاول أن يجعل العقل حاكما
بمنطقه العاجز على شرع الله.
ومعظم الخطأ يقع من عدم فهم مفهوم الرسول ومكانة
السنة, ومن عدم فهم قواعد استنباط الأحكام من النصوص التي اصطلح على تسميتها بأصول
الفقه. وهذا موجود تفصيلا في كتيبنا تساؤلات من أخي الخواجة.
ومعظم المسلمين لا يفهم فلسفة العقوبات في الإسلام
ويظن أن الغرض من تطبيق الشريعة هو إقامة الحدود بقطع يد السارق وقتل القاتل وعقاب
الزناة. في حين أن هذه العقوبات (الحدود) إنما جعلها الله تعالى لردع وزجر الناس
لكيلا تقع الجرائم ويكون تطبيقها في أضيق الحدود وبشروط قاسية. وسوف نتناول كمثال
حد الزنا.
الحـدود
الحد لغة: أصل الحد: المنع والفصل
بين الشيئين. قال في المصباح: ومنه الحدود المقدرة بالشرع، لأنها تمنع من الإقدام
على الذنب، فهي الحد الفاصل بين ما هو محلل وما هو محرم؛ فمن تجاوز الحد استحق
الحد (العقاب).
وشرعا: هو العقوبة
المقدرة حقا لله تعالى كما ذكر في القرآن الكريم فقال تعالى: (ومن يتعد حدود
الله فقد ظلم نفسه) وقال تعالى: (والحافظون لحدود الله) .
سبب وضع الحدود: الحفاظ على المصالح
الأساسية للإنسان وهي الحفاظ على:
(1) النفوس (2) العقول (3)
الأعراض (4) الأديان (5) الأموال .
الغرض
من وجود الحدود: الزجر وتخويف من تسول له نفسه بتخطي الحدود فلا يقع في الخطأ, وليس الغرض
تطبيقها. فالعقوبات الناجحة هي التي تؤدي إلى منع وقوع الجريمة فلا تطبق إلا في
أضيق الحدود. والعقوبات العنيفة التي قررها الله تتناسب مع بشاعة الجرم لكل نوع,
فالعقوبة غير الرادعة تجعلنا نرى كل يوم تكرارا للجريمة.
وثمرة وجود الحدود: رفع الفساد الواقع
في المجتمع، وحفظ النفوس من الهلاك، وحفظ والأعراض، والأنساب من الاختلاط، وحفظ
الأموال سالمة عن الابتذال والانتهاك.
قال
تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) معناه: ولا تفسدوا شيئاً في
الأرض فيدخل فيه المنع عن إفساد العقول بسب شرب المسكرات، والنهي عن إفساد النفوس
بالقتل، وقطع الأعضاء، والنهي عن إفساد الأنساب بسبب الزنا، واللواط، والقذف.
والنهي عن إفساد الأموال بالغصب، والسرقة، ووجوه الحيل في المعاملات. والنهي عن
إفساد الدين بالكفر.
وفائدتها: الامتناع عن الأفعال
الموجبة للفساد في العالم.
ففي حد الزنا منع
ضياع الذرية وإماتتها معنوياً بسبب اشتباه النسب، ولذا ندب الشارع عموم الناس إلى
حضور حده، فقال تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين). وفي باقي
الحدود، زوال العقل في الخمر، وإفساد الأعراض في القذف، وأخذ أموال الناس في
السرقة. وقبح هذه الأمور في العقول، وثابت في الغرائز عند الجميع.
ولذا لم تبح
الأموال ولا الأعراض، ولا الزنا، ولا السكر، في الملل السابقة.
الجرائم التي تستوجب الحد هي:
أولاً: الزنا. ومثله اللواط.
على خلاف.
ثانياً: السرقة.
ثالثاً: القذف.
رابعاً: شرب الخمر. على خلاف
ستعرفه.
أما حد الذين يسعون في الأرض
فساداً فلا يخرج عن حد السرقة، أو القصاص، أو التعذير.
(1) الشافعية قالوا: إن
الجنايات الموجبة للحد سبعة أقسام وهي:
الأول: كتاب الجراح - ويشمل
القصاص في النفس والأطراف، والديات، وغيرها.الثاني: كتاب البغاة. الثالث: كتاب الردة.الرابع: كتاب
الزنا.الخامس: كتاب حد القذف. السادس: كتاب قطع السرقة. السابع: كتاب الأشربة
المحرمة.
(2)الحنفية قالوا: إن الحدود ما
ثبتت بالقرآن الكريم وهي خمسة فقط.
الأول: حد الزنا وهو ثابت بآية (الزانية
والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللَّه إن
كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر) الآية.
الثاني: حد السرقة وهو ثابت
بقوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من
اللَّه و اللَّه عزيز حكيم) آية 38 من المائدة.
الثالث: حد شرب الخمر، وهو ثابت
بقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان
فاجتنبوه لعلكم تفلحون).
الحد الرابع: حد قطاع الطريق
وهو ثابت بقوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون اللَّه ورسوله ويسعون في الأرض
فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك
لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم). آية 33 من المائدة.
والخامس: حد القذف، وهو ثابت
بقوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين
جلدة ولا تقبلوا شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون) آية 4 من النور.
وقالوا: إن القصاص لا يسمى حداً
لأنه حق العباد، وكذا التعذير لا يسمونه حداً لأنه ليس بمقدر. وعد بعضهم عقوبة
السحر من الحدود.
(3)المالكية قالوا: 1 - باب
الجناية على النفس أو على ما دونها. 2 - باب - حد البغي.3
- باب - الردة وأحكامها.
4 - باب
حد الزنا. 5 - باب - حد القذف.6 - باب
- حد السرقة.7 - باب - ذكر الحرابة وما يتعلق بها.
-8 - باب
- حد الشرب وأشياء توجب الضمان).
حرص الشريعة على محو الرذائل الخلقية:
لأن الشريعة الإسلامية حريصة
على محو الرذائل الخلقية، والضرب على أيدي العابثين بالأخلاق؛ التي عليها قوام
الأمم، وسعادتها. حريصة على كرامة الناس، وأنسابهم، فلم يبق أمام الأمة إلا أن
تمسك بالصيانة، والحياء، ولا تجاهر بالفواحش، وإلا أوشك الله أن سلط عليها من لا
يرحمها, فالإسلام ينظر إلى الانحراف على أنه خروج عن الفطرة السليمة التي فطر
اللَّه الإنسان عليها. وعصيان على الطبيعة، وتمرد عليها، ويحاول العلاج لمن انحرف
عن طبعه، وإذا تعذر العلاج، ولم يفد الإصلاح كان موقف الإسلام أشد صلابة في ردع
المجرم، والقسوة في الحكم عليه حتى لا يكون بقاء الفساد قضاء على المجتمع كله.
وبهذه الطريقة يحارب
الإسلام الانحرافات، ويضع لها الحدود الرادعة، التي تناسب خطورة الذنب، وقاية
للجماعة الإنسانية من الضياع والفساد. كالعضو الذي أصيب بمرض فتاك. فإذا لم يمكن
علاجه اضطر إلى بتره حماية للجسد كله.
الزنا:
ولما
كانت جريمة الزنا من ابشع الجرائم التي ترتكب ضد الشرف والأخلاق، والفضيلة،
والكرامة، وتؤدي إلى تفويض بناء المجتمع، وتفتيت الأسر، واختلاط الأنساب، وقطع
العلاقات الزوجية، وسوء تربية الأولاد، بل تقضي إلى ضياع الطفل الذي هو قتل له
معنويا. فإن ولد الزنا، ليس له من يربيه، والأم بمفردها لا تستطيع تربية والقيام بشؤونه،
لقصور يدها. فيشب على أسوأ الأحوال، ويصير عضواً فاسداً في جسد المجتمع الإنساني،
ينشر الحقد، والبغضاء. ويبث الفساد، والإجرام، لأنه ثمرة الجريمة البشعة المنكرة.
فمن
حق الطفل أصلا أن ينشأ بين أبوين لا أن تقوم الأم بمفردها بتنشئته, وهو ما يعرف في
الغرب بالأم الوحيدة. ومن أكبر أسباب هذه الظاهرة شيوع الزنا تحت مسمى الحرية
الجنسية.
أما عن حرية الجنس و عدم الالتزام
بالزواج بين الرجل و المرأة في المجتمعات الغربية فهو أمر فيه
فسق أي خروج عن نظام الله و أوامره في كل الأديان ، هذا أولا . و ثانيا نجم و ينجم
عنه مضار و آثار كثيرة من تفكك الأسر أو عدم تكونها على الإطلاق بل ينتج عنها
أطفال بلا آباء معروفين لهم يولونهم ما يحتاجونه من رعاية و عناية وحب فنتج عن ذلك
أطفال تحولوا بعد ذلك إلى رجال يميزون بالعنف والوحشية يرتكبون الجرائم البشعة لأن
شخصياتهم غير سوية على الإطلاق . وفي إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة في عام 2001
ميلادية أن عدد الأطفال الذين يولدون بدون زواج نسبته في بريطانيا 32 % ، و في
فرنسا 38 % و في السويد 51 % مثلا .
و إن تخلت عنهم الأم أيضا يتم تبنيهم
في أسر بديلة و لا يعرفون أبدا أسماءهم الحقيقية و قد يقابل أحدهم أخته فيمارس
معها الجنس الحر أو يتزوجها و هو لا يعرف أنها أخته، وتختلط الأنساب ولذلك أمرنا
الله تعالى نحن المسلمون فقال في
أمر حفظ الأسماء و الأنساب (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا
آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت
قلوبكم وكان الله غفورا رحيما)
و مفهوم الحرية ليس واضحا في عالمنا اليوم ؛ فلا تعني الحرية أن أفعل ما أريد أو أظن أنه
يحقق لي المتعة ، و لكن الحرية تعني ألا أضر أحدا غيري بحريتي كالأطفال الناتجين
عن هذا الزنا ، هذا مبدئيا ، أما حقيقة الحرية أن أمارس تحقيق احتياجاتي وفقا
للنظام الذي وضعه لي الذي خلقني و يعلم ما يصلحني و ما لا يصلحني و ما يوصلني إلى
الهدف الذي من أجله خلقني .
لقد
نهى الشارع الحكيم عن الزنا ونفر من النكاح الحرام وجعله من الذنوب التي تحبط
الأعمال وتدخل فاعلها النار فقال تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء
إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً، وساء سبيلاً) الآية 22 من النساء.
وقال
تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله
إلا بالحق، ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق
أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهاناً) فقد قرنه الله
تعالى بالشرك وقتل النفس التي حرم الله وهما من أفحش الذنوب وأكبر الكبائر التي
حرمها الله تعالى، فدل ذلك على عظم حرمة الزنا، وأنه من أعظم الذنوب وأفحشها، حيث
عقب الله تعالى على ذكر هذا الذنب، بأن فاعله يرتكب إثماً عظيماً، ويضاعف الله له
العذاب في نار جهنم، ويمكث فيه مدة طويلة محتقراً مهاناً كأنه مخلد فيها. وقال
الله تعالى: (قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن).
فجريمة الزنا من
أخطر أمور الحياة كلها، بل أشدها تعلقاً بنظامها، ودوام سعادتها، وهنائها. وتمسكها،
وترابطها، ولذلك اهتم الشارع الحكيم بهذا الحد أكبر اهتمام، صوناً للحياة المنزلية
من الانهيار، وحفظاً للروابط الأسرية مما يهددها من بلاء وأخطار، فذكر عقاب من لا
يحفظ فرجه، وبينه أعظم بيان، وجعله من أشد العقوبات، وأفظعها، وأوجب أن لا تأخذنا
شفقة، ولا رحمة. بالجناة.
ثم بين ما يجب
علينا أن نراعيه في حفظ الفروج، وما نحتاج إليه لصيانتها من الضياع، وما يجب
للأبضاع من الحرمة والصون، والاحتياط والمحافظة. فأغلق الباب من أوله أمام أسباب
الوقوع في الزنا؛ فأمرنا بغض النظر إلى الأجنبيات، لأن النظر أول أبواب الزنا.
وأمرنا بصون أجساد النساء من الابتذال، والظهور أمام الأجانب، وحث المرأة على حفظ
جسدها بالاحتشام والتستر، والبعد عن مواطن الريبة، وبؤر الفساد، وعن الاختلاط
بالرجل الأجنبي حتى لا تقع في محرم، ولا يجرها الاختلاط والابتذال إلى الوقوع في
الذنب، وتستوجب إقامة الحد عليها
الستر:
أخرج
الحاكم والبيهقي في صحيحيهما: أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ارتحل من
المدينة المنورة إلى عقبة بن عامر - أمير مصر - في ذلك الوقت، فخرج إليه فعانقه،
ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم
يقول: (من ستر مؤمناً في الدنيا على عورة ستره الله يوم القيامة) فقال له أبو
أيوب: صدقت، ثم قفل راجعاً إلى المدينة.
والشاهد
إذا رأى الجريمة بعينه فهو مخير في أداء الشهادة حسبة لله تعالى وغيرة على حدوده،
ومحارمه أن تنتهك فقد ورد في الحديث الشريف (الحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من
أن يمطروا أربعين صباحاً) أو ترك الشهادة رغبة في الستر على أخيه الممن وعدم إشاعة
الفاحشة لقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: (ومن ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه
في الآخرة) ولآن الله يحب الستر على عباده، ويكره إشاعة الفاحشة وفضيحة المسلمين،
بل نفر من شيوع خبرها والحديث عنها، والميل إلى إشاعتها، فقال تعالى: (إن الذين
يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة).
ستر
المسلم على نفسه:
إن الإسلام قد أوجب على المسلم
إذا وقع في ذنب من هذه الكبائر، أن يقلع عن الذنب ويتوب إلى الله تعالى، ويستر على
نفسه، ولا يفضحها بالتحدث بالذنب أمام الناس، والمجاهرة بالمعصية. وقد روي عن
الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود
الله، من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته
نقم عليه كتاب الله تعالى) ذلك لأن المجاهرة بهذه الفاحشة تبجح في عصيان الله
تعالى، واستهتار بمحارمه، ودليل على انهيار المجتمع وانحلاله وضياع الحياء من
أفراده، لأن المخطئ لابد أن يكون عنده بقية من حياء يمنعه من الإعلان عن خطئه بين
الناس، وحجبه عن المجاهرة بذنبه في المجتمع الذي يعيش فيه، وخلع برقع الحياء مع
الله عز وجل، فالإنسان إذا فقد الحياء من الله وأما الرأي العام كان خطراً على
نفسه وعلى الناس جميعاً لأنه فقد أعز شيء لديه، ولن في المجاهرة بالمعصية إشاعة
للفساد وتحريضاً عليه، وحملا، للغير على اقترافه، كالمريض الذي يخالط الصحيح، فلا
شك أن يعديه وينقل أثر المرض إليه، ولهذا ندبنا الشارع الحكيم، وعلمنا رسوله
الأمين صلوات الله وسلامه عله أن الواحد منا إذا وقع في معصية أن يكتم على الخبر،
ويعتصم بالستر، ويطلب من الله المغفرة، ولا يحدث أحداً عما وقع منه، كما روي عن
النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (من أتى من هذه القاذورات (المنكرات) فليستتر
بستر الله عز وجل)، وقد شدد الإسلام على المجاهرين بالمعصية، وجعلهم من المحرومين
من مغفرة الله وعفوه ورحمته. قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم (كل أمتي معافى
إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل العبد عملاً بالليل ثم يصبح وقد ستره الله
تعالى فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا, قد بات ستره الله عز وجل ويصبح يكشف
ستر الله عليه عنه). أما أرباب الحياء والأدب مع الله تعالى الذين يتركون الذنوب
ويكتمون على أنفسهم، ولا يحدثون الناس بهفواتهم ويندمون عما حدث منهم من المعاصي
(إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه وستره من الناس وقرره بذنوبه فيقول أتعرف ذنب
كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد
هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) رواه الإمام أحمد.
عقوبة الزاني
والزانية:
أولا: المحصن:
اتفق الأئمة على أن من شرائط
الإحصان؛ أي أن من توفرت فيه هذه الشروط أُعتبِر محصنا.
-1 - الحرية.
-2 - البلوغ.
-3 - العقل.
-4 - أن يكون متزوجاً بامرأة
محصنة مثل حاله بعقد صحيح.
-5 - وأن يكون دخل بها ووطئها
في حالة جاز فيها الوطء، وهما على صفة الإحصان.
فلا يقام الحد على عبد، ولا على
صبي، ولا مجنون، ولا غير متزوج زواجاً صحيحاً كما وصفنا، ولو وطئ زوجته في الدبر
فليس بمحصن أو وطئ جاريته في القبل فليس بمحصن، أو وطئ في نكاح فاسد كأن تزوجها بلا
ولي أو بلا شهود فليس بمحصن، أو وطئ زوجته وهو عبد ثم عتق، أو كان صبياً ثم بلغ،
أو كان مجنوناً ثم أفاق.
وإنما اشترط الوطء في نكاح صحيح
لأنه به قضي الواطئ والموطوءة شهوتهما فحقه أن يمتنع عن الحرام _ واعتبر وقوعه حال
الكمال لأنه مختص بأهل الحالات وهو النكاح الصحيح فاعتبر حصوله من كامل حتى لا
يرجم من وطئ وهو ناقص ثم زنا وهو كامل، بل يرجم من كان كاملاً في الحالين.
واختلف الفقهاء في
شرط الإسلام في الإحصان. فهل يطبق الحد على غير المسلمين أم لا؟
إقامة
الحد على المحصن:
لا
يوجد أي خلاف بين الفقهاء طوال تاريخ الأمة على عقوبة الرجم.
اتفق الأئمة على أن من كملت فيه شروط الإحصان ثم زنا بامرأة قد
كملت فيها شروط الإحصان بأن كانت حرة بالغة عاقلة مدخولا بها في نكاح صحيح وهي
مسلمة_ فهما زانيان محصنان يجب على كل واحد منهما الرجم حتى الموت لقول الرَسُول
اللَّه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة
نكالا من الله) حديث متفق عليه.
وقل النَبِي صَلَى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَم (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس
بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) كما ورد في الصحيحين عن عائشة رضي الله
عنها وأبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهما .
ولما روي عن النبي أنه قال :
(إن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، إذا قامت
البينة، او كان الحمل، او الاعتراف) حديث متفق عليه
ولأن النَبِي صَلَى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَم رجم ماعزاً، ورجم الغامدية وغيرهما، ولأن الخلفاء الراشدون
أقاموا حد الرجم بالإجماع من غير نكير من واحد منهم ، فحد الرجم ثابت بالأحاديث
المتواترة، وفعل الرَسُول اللَّه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم وإجماع الأمة.
وثابت بالكتاب على رأي من يقول إن حديث الرجم كان آية من القرآن ثم نسخت وبقي
حكمها.
ولم يثبت مطلقا أن أحدا من الصحابة اعترض على الرجم ردا
على قول من يقول أن الرجم من فعل عمر رضي الله عنه وأن الرسول صلى الله عليه وسلم
امتنع عنه بعد نزول آية سورة النور بالجلد. فلو كان من فعل عمر لاعترض على ذلك
الصحابة كما اعترضت المرأة على عمر وأقر عمر اعتراضها على تحديده للمهور.
أما غير المتزوج فقد قدرت له مائة جلدة، لما عرفت من أنه لم يعرف معنى
الغيرة على الزوجة، فكان له حق في التخفيف
الشبهات في تطبيق
الحدود:
الشبهة: هي ما يشبه الثابت وليس بثابت، وقد وقع خلاف بين الفقهاء
في بعض الأفعال: هي شبهة صالحة للدرء أم لا؟ وكون الحد يحتال في درئه بالاستفسار
عنه حتى يتضح قصد الزاني.أأخطأ في الفهم أم لا؟ أكانت عنده شبهة الحل وقت أن وقع
في الخطأ أم لا؟ ومن المعلوم أن هذه المناقشات وهذه الاستفسارات المفيدة لقصد
الاحتيال للدرء كانت بعد الثبوت، لأنه كان بعد صريح الإقرار لقوله صَلَى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَم (ادرؤوا الحدود بالشبهات).
واسند ابن أبي شيبة عن إبراهيم
النخعي قَالَ: قَالَ عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لأن أعطل الحدود
بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات). وهو الحريص على إقامة شعائر الإسلام.
وأخرج عن معاذ بن جبل، وعبد
اللَّه بن مسعود، وعقبة بن عامر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قالوا: إذا اشتبه عليك
الحد فادرأه.
وبما روي في البخاري من قول
رَسُول اللَّه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم (ومن اجترأ على ما يشك فيه من
الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى اللَّه تعالى، ومن يرتع حول الحمى
يوشك أن يقع فيه) ومعناه أن من جهل حرمة شيء وحله، فالورع أن يمسك عنه، ومن جهل
وجوب أمر وعدمه، فلا يوجبه، ومن جهل أوجب الحد أم لا؟ وجب أن يقمه، وسواء أكان هذا
قبل ثبوت الحد، أم بعد ثبوته، لأن رَسُول اللَّه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم
قَالَ لماعز، لما أقر بالزنا: (لعلك قبلت، لعلك لمست، لعلك غمزت) كل ذلك يلقنه أن
يقول: نعم بعد إقراره بالزنا بين يديه. وسؤال أهله عنه أهو عاقل أم به جنون؟
وسؤاله عن كيفية الفعل، حتى قال: أنكتها؟ قَالَ نعم كما يكون الميل في المكحلة:
وليس لذلك فائدة إلا كونه إذا قالها تركه، وإلا فلا فائدة ولم يقل لم أعترف عنده
بدين - لعله كان وديعة عندك فضاعت. ونحو ذلك.
وكذلك قوله للسارق الذي جيء به
إليه أسرقت؟ ما أخاله سرق، وقوله للغامدية حينما جاءت واعترفت له بالزنا وهي حامل
مثل ذلك، وردها من مجلسه حتى تلد، عسى أن لا ترجع إليه بعد طول هذه المدة، وأن لا
تطالبه بإقامة الحد عليها.
ومما روي عن الصحابة رضوان
اللَّه عليهم في درء الحدود، فقد روي أن الإمام علياً كرم اللَّه وجهه قَالَ
لشراحة التي أقرت بالزنا وظهر الحمل عليها لعله وقع عليك وأنت نائمة، لعله
استكرهك، لعل مولاك زوجك منه، وأنت تكتمينه، الخ..
وذلك قول سيدنا عمر بن الخطاب
للمرأة، التي جاءت إلى الراعي وطلبت منه لبناً، فلم يعطها حتى مكنته من نفسها، فلم
يقم عليها الحد، بل قَالَ: دفع إليها مهرها واعتبر ذلك شبهة تدرأ الحد عنها وعنه.
ولم يكن من سنة رَسُول اللَّه
صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم أن يأخذ بالظن، ولا يقيم الحد إلا بعد التأكد.
فقد روي عن ابن عباس رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُما (أن رَسُول اللَّه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم لاعن بين
العجلاني وامرأته، فقال شداد بن الهاد، هي المرأة التي قَالَ رَسُول اللَّه صَلَى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم: لو راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها، قَالَ: لا. تلك
امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام) متفق عليه.
والمعنى أنها كانت تعلن
بالفاحشة بين المسلمين، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة ولا إقرار. فلم يقم عليها
الحد، بالإشاعة.
وروي عن ابن عباس رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُما أنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم:
(لو كنت راجماً أحداً بغير بينة رجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها،
وهيئتها، ومن يدخل عليها) رواه ابن ماجة وقد احتج به من لم يحد المرأة بنوكها عن
اللعان.
وقوله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَم (لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها) فيه دليل واضح وصريح على أنه لا يجب
إقامة الحد بالتهم، لأن إقامة الحد إضرار كبير بمن لا يجوز الإضرار به، وإلحاق
العار والفضيحة به وبأهله. وهذا قبيح عقلاً وشرعاً، فلا يجوز إلا ما أجازه الشارع
الحكيم كالحدود والقصاص. وما أشبه ذلك بعد حصول اليقين، ورفع الشك والشبهة، من قلب
الحاكم، لأن مجرد الحدس والتخمين لا ينفع في إقامة الحدود وإزهاق الأرواح،
والتهمة، والشك مظنة الخطأ والغلط. وما كان كذلك فلا يستباح به إيذاء المسلم،
وإلحاق الضرر به وإيلامه، وتشويه سمعته، وإهدار كرامته.
عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم: (ادرؤوا الحدود
عن المسلمين، ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في
العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة) رواه الترمذي.
وعن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ أنه قَالَ: ادرؤوا الحدود بالشبهات، وادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم.
وروي عن عمر بن الخطاب رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أنه قبل عذر رجل زنى في بلاد الشام، وادعى الجهل بتحريم الزنا، ولم
يقم عليه الحد لهذه الشبهة، التي يستطيع أن يتذرع بها كل أحد.
وروي أيضاً عنه وعن سيدنا عثمان
بن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنهما عذرا جارية زنت وهي أعجمية، وادعت أنها لم
تكن تعلم تحريمه.
وقد روي عن أنس بن مالك رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم، لما لاعن بين
هلال بن أمية وبين زوجته حين اتهمها بشريك بن السحماء قَالَ رَسُول اللَّه صَلَى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم (اللهم بين).
قَالَ أنس: فوضعت شبيها بالذي
ذكر زوجها أنه وجده عندها، ومع هذا الدليل لم يقم رَسُول اللَّه صَلَى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَم الحد، لأن البينة لم تقم. ولم يحصل منها اعتراف، ومجرد ظهور
الحمل عليها لا يقوم دليلاً على إقامة الحد، وقد درأ عنها وقال صَلَى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَم: (لولا الإيمان لكان لي ولها شأن). ولم يلحق الولد بالرجل الذي
اتهم بأنه كان عندها.
فهذا الأمر الخطير الذي يفضي
إلى هلاك النفوس لابد فيه من البينة أو الإقرار حتى يثبت على فاعله.
اتفق الأئمة الأربعة: على أن
الحدود تدرأ بالشبهات، ولكنهم اختلفوا في هذه الشبهات.
ظهور الحمل على امرأة لا زوج
لها:
الحنفية - قالوا: إذا ظهر على
المرأة الحرة حمل، ولا زوج لها، أو كانت أمة لا زوج لها ولا سيد. يسألونها، فإذا
قالت: استكرهت على الزنا، أو وطئت بشبهة، يقبل قولها ولا يقام عليها الحد، لأنها
بمنزلة من أقر ثم ادعى الاستكراه.
واحتجوا على ذلك بما جاء في
حديث شراحة، أن الإمام علياً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لها: لعله استكرهك؟ قالت:
لا. قَالَ لعل رجلاً أتاك في نومك؟ وهكذا.
ولأن الشرع يحب الستر في
الحدود.
وروي
أن سيدنا عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قيل له: إن أمة ادعت أنها ثقيلة
النوم وأن رجلاً استكرهها ثم تركها فمضى عنها، ولم تدر من هو بعد. فلم يقم عليها
الحد، وقبل عذرها، لهذه الشبهة.
ولا خلاف بين أهل الإسلام في أن
المستكرهة، لا حد عليها.
الشافعية - عندهم روايتان
أظهرهما، أنها لا تجب عليها الحد، وإن لم تأت في دعوى الاستكراه بأمارة تدل على
صدقها، ولم تأت في دعوى الزوجية ببينة، لأن الحد لا يثبت إلا بشهود أو لإقرار، ولم
يثبت هنا، ولأن الحدود تسقط بالشبهات، وهذه شبهة فمجرد الحمل لا يثبت به الحد. بل
لا بد من الاعتراف، أو البينة.
المالكية - قالوا: إن كانت
المرأة مقيمة بالحي، وليست طارئة، فإنه يقام عليها الحد، ولا يقبل قولها إلا أن
يظهر ذلك، بأن تأتي بأمارة على استكراهها أو تقيم البينة على زواجها، أو شيء مما
يظهر به صداقها، لأن الحد ثبت بالحمل، فلا يرفع إلا ببينة.
أما إذا كانت
المرأة طارئة، قُبل قولها، لوجود شبهة، وعدم التوثق في ثبوت حدها.
عدم العلم بحرمة الزنا:
الحنفية، والشافعية، والحنابلة
- قالوا:
يشترط في إقامة حد الزنا أن يكون
الزاني عالماً بحرمة الزنا، فلو قَالَ الشهود عليه بالزنا، وقت إقامة الحد عليه:
إنه لا يعلم بتحريم الزنا، ولا علم له بحكمه، وحلف اليمين على ذلك، قبل قوله، لا
يقام عليه الحد، لوجود شبهة تدرأ الحد عنه، لما روي أن النَبِي صَلَى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَم سأل الذي أقر عنده بالزنا، بقوله (فهل تدري ما الزنا؟).
المالكية - قالوا: من قَالَ حين
أقيم عليه الحد: لا أعلم تحريم الزنا شرعاً ولا دراية لي بحكمه وكان قريب العهد
بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن العلماء، لا يقام الحد عليه، لاحتمال صدقه في
ذلك القول، وهو شبهة تدرأ الحد عنه.
وإن لم يكن كذلك، بأن كان قد
مضى عليه زمن في الإسلام، يمكنه من التعليم والمعرفة أو نشأ ببادية قريبة من أهل
العلم، واختلط بأهل الحضر المسلمين وسمع منهم عليه الحد حينئذ، ولا يقبل عذره
بالجهل لظهور كذبه فيما ادعاه بعد إقراره بالزنا أمام المحاكم، أو بعد ثبوت الزنا
عليه بشهادة الشهود.
حد
العبد:
اتفق
الأئمة الأربعة، رحمهم الله تعالى: على أن العبد والأمة إذا زنيا، فلا يكمل حدهما،
وأن حد كل واحد منهما خمسون جلدة، وأنه لا فرق بين الذكر والأنثى منهم.
واتفقوا
على أنهما لا يرجمان وإن أحصنا، بل يجلدان، لأنهم اشترطوا في شروط الإحصان الحرية،
فإن العبد ليس بمحصن، وإن كان متزوجاً، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى (فإذا أحصن
فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) والحد لا يمكن أن
ينصف.
لذلك
لا يوجد مجال للاحتجاج بهذه الآية على نفي وجود عقوبة الرجم.
الشافعية،
والمالكية - قالوا: إن الرقيق إذا زنى يجلد خمسين جلدة، ويغرب نصف سنة، لما روي عن
النبّي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إذا زنت أمة أحدكما فتبين زناها، فليجلها
الحد، ولا يثرب عليها - أي لا يوبخها - ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها،
ثم إن زنت الثالثة فلبيعها، ولو بحبل من شعر) رواه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه.
وروي
عن عبد الله بن أحمد في المسند، عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. قال:
أرسلني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى أمة سوداء زنت لأجلدها الحد، قال:
فوجدتها في دمها، فأتيت النبّي صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال لي: إذا
تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين).
من
يقوم بإقامة الحدود:
إنما
جعل الشارع إقامة الحدود إلى الإمام الأعظم، أو نائبه، دون كل من قدر على إقامتها
من المتغلبة ونحوهم، دفعاً للفساد في الأرض، وعدم إشاعة الفوضى في المجتمع، لغلبة
عدم قدرة الرعية على رد نفوسهم عن تنفيذ غضبهم في بعضهم بعضاً حمية جاهلية، لا
نصرة للإسلام ولا شريعة بخلاف الإمام الأعظم، فإنه ليس له غرض عند أحد دون أحد في
غالب الأحوال لقوة إرادته. ولأنه يقدر على تنفيذ حكمه في غيره، ولا عكس، فإذا قتل
الإمام شخصاً في حد، ولو ظلماً فلا يقدر عصبته أن يقتلوا الإمام لأجله عادة، لأنه
متحصن بالقانون، ولأن قوة الجند والشرطة في يده.