الحـريــــــة

 

     مفهوم الحرية في عالمنا اليوم أصبح يعني أن من حق كل شخص أن يفعل ما يريد ويظن أنه يحقق له السعادة أو المتعة بدون قيد طالما لا يعتدي على حرية شخص آخر.

 

     إذا نظرنا إلى تطبيق هذا المفهوم عمليا, نجد أن مثل هذا الشخص الذي يظن أنه حر هو في الحقيقة مفتقد تماما للحرية التي يظن أنه يتمتع بها. لنأخذ مثالا لذلك.

من يقول أن من حقه ممارسة الجنس الحر مع أي امرأة يشتهيها، نجده كلما أعجبته امرأة يسعى بكل الطرق للحصول عليها، ولا يشغل باله شيء غير ذلك حتى يحقق ما يريد. وإذا قلت له ألا يوجد في دينك ما يحرم ممارسة الجنس خارج إطار الزواج؟ يقول لك لا شأن لي بالدين، فهو يقيد حريتي الشخصية, أنا أعرف أن لهذا الكون إلها ولكن حريتي الشخصية هي التي تهمني. ثم تعجبه امرأة أخرى فيسرع لتكرار نفس القصة. وإن استعصت عليه واحدة وسيطرت عليه رغبته, ربما اغتصبها رغم أن هذا مناف للمبدأ الذي يعتنقه؛ فقد اعتدى على حريتها الشخصية.

أليس هذا الشخص عبدا لشهوة الجنس, لا يستمع إلا لصوتها, ولا يطيع غيرها؟ أهذا حر؟

مثال آخر, شخص يحب المال ويظن أن السعادة في جمعه, فلنفترض أنه لن يخالف القوانين للحصول عليه, نجده يقتل نفسه ليل نهار  في العمل, ويحسب كم كسب, ويغضب إذا اضطر لإنفاق أي من هذا المال, وحين يكثر هذا المال عنده نجده يسعى لإكثاره بكافة الوسائل, ويزداد اهتمامه وحرصه على حماية هذا المال من الضياع أو الفناء, فتتحول حياته لخدمة هذا المال ولا يستمتع به بل تكون متعته كلها في أنه يملك هذا المال رغم أنه في الحقيقة أن ماله هو الذي يملكه.

 

     هؤلاء الأشخاص في الحقيقة ليسوا أحرارا ولكنهم عبيد لتلك الشهوات؛ لذلك نصفهم بأنهم عبيد وليسوا أحرارا. فإله الشخص هو من يتوجه إليه دائما بالحب والطاعة؛ وهؤلاء لا يطيعون إلا شهواتهم بدعوى الحرية كذبا وهم عبيد لهذه الشهوات. وكل شخص من هؤلاء يخدم شهوته المسيطرة (إلهه) ولا يستفيد منها، بل قد تضره إذا تمادى في طاعتها, كالذي يقوم باغتصاب امرأة اشتهاها ومانعت, أو من يحب المال ووجد فرصة لاغتصاب مال غيره, ثم وقعا في يد العدالة. في مثل هاتين الحالتين, أنفع هذا الإله أم أضر من أطاعه؟ أما الإله الحقيقي الذي تململ مدعي الحرية هذا من القيود التي فرضها عليه لأنه يعلم ما هو صالح للإنسان وما يضره, لا يستفيد من طاعتك له شيئا؛ فطاعتك لا تزيد في ملكه كما أن معصيتك له لا تنقص من ملكه, ولكن أنت المستفيد بطاعتك لأوامره ونواهيه انتظاما في حياتك وحياة من حولك وحرية حقيقية بعدم تحكم شيء غيره فيك.

 

     قد يسألني مدعي الحرية هذا "ما الذي يضطرني إلى اتباع أوامر الله؟ وما الذي يضطرني لأخذ مفهوم الحرية الذي تتحدث عنه؟"

أقول له ببساطة شديدة: هذا هو الأمر الذي لك فيه فعلا مطلق الحرية؛ فقد قال تعالى (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم).

 

     قد يقول أيضا: أنتم تقولون أن الحرية الحقيقية في الإسلام ولكنكم تحكمون على من يترك الإسلام إلى دين آخر بالقتل, فأين هذه الحرية؟

فأقول له ببساطة أيضا: أنت لا تفهم الفارق بين الإسلام والمسيحية؛ فالمسيحية دين اتخذته الدولة دينا لها, ولكنه لا ينظم أي شيء من أمور الدولة أو الحياة بصورة كاملة,لذلك, فترك المسيحي لدينه لا علاقة له بالدولة لا من قريب ولا من بعيد.

أما في الإسلام, فالدين هو الذي أنشأ الدولة, ولولا الدين لما نشأت, وهو ينظم جميع أمور الحياة للمسلم سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي أو على مستوى الدولة ككل. فالإسلام كما أوضحت ذلك في كتابي "الطريق إلى الله المنجي في زمن الدجال والمهدي" يتضمن كل شيء بدءا من الغرض من الخلق وحتى العلاقات الدولية في الإسلام.

لذلك فارتداد المسلم عن الإسلام لا يعتبر من حريته في اختيار ما يشاء, بل يعتبر بالمصطلح الحديث جريمة خيانة عظمى للدولة. ونص الحديث الذي يوجب عقوبة القتل يبين ذلك حيث وصف التهمة بقوله صلى الله عليه وسلم (…والتارك لدينه, المفارق للجماعة) وهذا يعني خروجه على جماعة الأمة بشق عصا الطاعة فيسبب الفتنة التي تهدد سلامة الدولة وتعين أعداءها عليها. أليست الدول الغربية في هذه الأيام تتهم رعاياها الذين انضموا إلى الأفغان بالخيانة العظمى؟ ألا يتهمون المسلمين من رعاياهم كل يوم بأنهم إرهابيون محتملون؟ هذا رغم أن هذه الدول تتشدق طوال الوقت بحرية العقيدة وبأنها بلاد الحرية والمساواة.

 

     ما لكم, كيف تحكمون؟

Hosted by www.Geocities.ws

1