ذكـــــــــر اللـــــــــــــه
في المعنى الذي نقصده هو التذكر؛ أي مضاد النسيان، أي الانتباه من
الغفلة.
وذاكر الله إذن هو المنتبه إليه أو إلى
صفاته وأفعاله، واعيا لوجود الله مستحضرا له في شعوره وذهنه. أما الناسي الغافل فهو عكس ذلك تماما.
ولعل أخطر أثر لذكر العبد لله، ذكر الله
للعبد. يقول تعالى (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون).
والغفلة عن الله خطر عظيم يقع فيه
المرء، كما أن صاحبه ممقوت من الله تعالى. فيقول تعالى (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم
قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك
كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون).
أفضلية الذكر:
لا يمكن حصر الآيات التي تحض على ذكر
الله في كل الأوقات، حتى عند لقاء العدو، وعلى كل الأوضاع، نذكر منها:
(يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا
كثيرا)
(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة
فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)
(الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى
جنوبهم)
(فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا
تكفرون)
(اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم
الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)
والآية الأخيرة قوله تعالى فيها (ولذكر
الله أكبر) قد أثار مناقشات عديدة واسعة.
يقول ابن قيم الجوزية في الوابل
الصيب: وأما الإخبار عنه بأنه أكبر
من كل شيء فقوله تعالى (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى
عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون) وفيه أربعة أقوال:
الأول: أن ذكر الله أكبر من
كل شيء. فهو أفضل الطاعات، لأن المقصود بالطاعات كلها إقامة ذكره فهو سر الطاعات
وروحها.
الثاني: أن المعنى: إذا
ذكرتموه ذكركم. فكأن ذكره لكم أكبر من ذكركم له.
الثالث: أن المعنى: ولذكر
الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر، بل إذا تم الذكر، محق كل خطيئة ومعصية. هذا
ما ذكره المفسرون.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه
الله، يقول: معنى الآية: أن في الصلاة فائدتين عظيمتين:
أحدهما: نهيها عن الفحشاء والمنكر.
والثانية: اشتمالها على ذكر الله
وتضمنها له. ولما تضمنته من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء. انتهى.
الرابع: يقول ابن زيد
وقتادة: معناها لذكر الله أكبر من كل شيء. وقيل لسلمان رضي الله عنه: أي الأعمال
أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن؟ .. (ولذكر الله أكبر).
الذكر أفضل العبادات بعد القيام
بالفرائض الخمس:
تسعفنا السنة النبوية بالتفصيل المطلوب:
فهي تفسر آيات الكتاب الحكيم وتفصل معناها التنفيذي. وسوف نذكر فيما يلي بعض الأحاديث التي تذكر ذلك صراحة.
*أخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو يعلى
وابن شاهين في الذكر عن أبي سعيد الخدري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
العباد فقال (أفضل العباد درجة عند الله يوم القيامة الذاكرون الله كثيرا، قيل ومن
الغازي في سبيل الله ؟ قال: لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب
دما، لكان الذاكرون أفضل منه درجة).
*أخرج الإمام أحمد والطبراني عن معاذ
رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي المجاهدين أعظم أجرا، وأي
الصائمين أعظم أجرا وكذلك عن الصلاة والزكاة و الحج والصدقة فقال صلى الله عليه
وسلم
(أكثرهم ذكرا لله،) فقال الصديق أبو بكر
رضي الله عنه: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال صلى الله عليه وسلم (أجل). وفي رواية أخرى ( أجل، ألم تسمع
قوله تعالى: ولذكر الله أكبر).
*أخرج الإمام أحمد عن معاذ رضي الله
عنه، كما أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني أنه صح عنه صلى الله عليه وسلم القول بأنه
(ما عمل آدمي عملا أنجى من عذاب الله من ذكر الله، قالوا لا الجهاد في سبيل الله؟
قال: ولا الجهاد إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع ثم تضرب به حتى ينقطع ثم تضرب به حتى
ينقطع).
*أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة
رضي الله عنه، أن فقراء المهاجرين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى و النعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما
نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون.
فقال (ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا
يكون أحدا أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟) قالوا:
بلى يا رسول الله. قال (تسبحون
وتحمدون وتكبرون). فرجع فقراء
المهاجرين إلى رسول الله فقالوا: سمع إخواننا من أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا
مثله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(ذلك فضل الله يؤتيه
من يشاء ).
هذا الحديث الأخير تظهر منه عدة أمور:
الأول: يقول الإمام ابن قيم الجوزية
تعليقا على هذا الحديث في الوابل الصيب: فجعل الذكر عوضا لهم عما فاتهم من الحج
والعمرة والجهاد، وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر.
الثاني: أن ذكر الله بذاته يسبب سبق
الذاكرين على غير الذاكرين، ولا يكون أحد أبدا أفضل من الذاكرين إلا من فعل فعلهم.
*أخرج البخاري ومسلم واللفظ له وأحمد
والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم0(كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في
الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم).
*أخرج البخاري ومسلم والحاكم عن أبي
هريرة والطبراني عن أبي الدرداء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سبق المفردون)
ثلاثا، قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال (الذين
يهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا).
*أخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله
عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب
ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله ولو أن تضرب بسيفك حتى ينقطع).
*عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه و سلم (ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم،
وأرفع في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم،
فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟(
قالوا: بلى يا رسول الله ، قال (ذكر الله ). رواه الترمذي وقال حسن صحيح، والحاكم في المستدرك وقال إسناده
صحيح، وصححه السيوطي وصحح الذهبي إسناده في تلخيص المستدرك. والإمام أحمد في
مسنده، ومالك في الموطأ، وابن ماجة والطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان،
وأخرجه الإمام أحمد من حديث معاذ، واختاره ابن تيمية في الكلم الطيب.
الذكر في الأركان الخمسة:
قلنا في الجزء الأول من كتاب
"الطريق إلى الله المنجي في زمن الدجال والمهدي", حين كنا نتكلم عن
مفهوم الدين أن الأركان الخمسة إنما هي الأساس والأعمدة التي يقوم عليها الدين
وليست الدين كله كما يظن البعض.
والآن نبحث عن وجود الأذكار في هذه
الأركان الخمس باختصار شديد.
الشهادتين: أصل الذكر في
الشهادتين، وهما أصل الإسلام كله. وأن تكرارهما يجدد الشعور الإيماني، كما أشار
إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (جددوا إيمانكم: أكثروا من قول لا إله
إلا الله) حديث صحيح، أخرجه الأمام أحمد والحاكم عن أبي هريرة.
وهكذا يكون أول الدخول في الإسلام تذكر
وذكر بالشهادتين.
الصلاة: عماد الدين، تقام
لذكر الله تعالى. يقول تعالى (وأقم الصلاة لذكري). والذكر فيها بقراءة
القرآن وبالتسبيح والدعاء جوهرها وهو مخ العبادة أو نصف العبادة أو هو العبادة حسب
الروايات المختلفة.
الزكاة: ذكر بالعمل بعد تصحيح
النية، والنية ذكر أصلا.
الصيام: ذكر مستمر طوال فترة
الصيام. وذكر بالنية قبل البدء في الصيام.
الحج: رحلة ذكر من بدء
التلبية بالإحرام. فالذكر في عرفة وبعد الإفاضة من عرفة، والذكر في منى والذكر في
الطواف والسعي.
وأصل الأمر كله في النية، والنية ذكر
لله و تذكر له.
كلمات الذكر:
الكلمة التي ينطق بها العبد لها وجود
وأثر خطير، فالكلمة "كن"، يخلق الله بها ما يشاء فيقول تعالى
(إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن
فيكون).
وكلمات الذكر لها أثار وأبعاد خطيرة،
فيقول تعالى: (كلمة طيبة كشجرة
طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)
ويقول (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل
الصالح يرفعه)
وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم (أن
ما تذكرون من جلال الله، وتسبيحه وتحميده، وتكبيره وتهليله يتعاطفن حول العرش، لهن
دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن,
أفلا يحب أحدكم أن لا يزال له عند عرش الرحمن ما يذكر به؟) أخرجه الإمام أحمد وابن
أبي شيبة والطبراني والحكيم والترمذي والحاكم في المستدرك وقال صحيح، وصححه
السيوطي والذهبي في تلخيص المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم.
فإذا كانت كلمات الذكر قد صعدت حتى عرش
الرحمن سبحانه، (يذكرن بصاحبهن) كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن التساؤل
الذي لا بد منه هنا هو: يذكرن من؟؟؟
إن الله جل شأنه وتعالى أمره، لا ينسى:
حاش لله من ذلك …….. (وما كان ربك نسيا)
والإجابة لا بد أنهن يذكرن عالم ما حول
العرش. وفيه الملائكة العظام حملة العرش والدائرة في فلكه، ألم تسمع قوله تعالى (الذين
يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا
وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم . ربنا
وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز
الحكيم . وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم).
حلق الذكر:
أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلائِكَة سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ
الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ
قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ
جِئْتُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ
يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ
وَيَسْأَلُونَكَ قَالَ وَمَاذَا يَسْأَلُونِي قَالُوا يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ
قَالَ وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا لَا أَيْ رَبِّ قَالَ فَكَيْفَ لَوْ
رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا وَيَسْتَجِيرُونَكَ قَالَ وَمِم يَسْتَجِيرُونَنِي قَالُوا مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ قَالَ
وَهَلْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا لَا قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا
وَيَسْتَغْفِرُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا
سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا قَالَ فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ
فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ فَيَقُولُ وَلَهُ
غَفَرْتُ هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ).