العـدالـة

 

     العـدالـة:

     وردت كلمة العدل في القرآن خمس مرات؛ في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى

فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّه)

وفي قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)

وفي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم)ٍ وفي قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)

وفي قوله تعالى (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين).

 

     وفي لسان العرب: العَدْل: ما قام في النفوس أَنه مُسْتقيم، وهو ضِدُّ الجَوْر. وفي أَسماء الله سبحانه: العَدْل، هو الذي لا يَمِيلُ به الهوى فيَجورَ في الحكم، وهو في الأَصل مصدر سُمِّي به فوُضِعَ مَوْضِعَ العادِلِ، وهو أَبلغ منه لأَنه جُعِلَ المُسَمَّى نفسُه عَدْلا.

 

     عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه،عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، عن جبريلَ صلى اللّه عليه وسلم، عن اللّه تبارك وتعالى أنه قال: (يا عِبادي! إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلا تَظَّالَمُوا؛ ….)

 

     في الآيات التي ذكرناها في أول هذا المقال نجد أن الله تعالى يأمر عباده بالعدل, أي أنه يأمرهم بأن تكون أحكامهم حين يسمعها ويعرفها الناس تستشعر نفوسهم أنها مستقيمة لا جور ولا ظلم فيها. وهو سبحانه وتعالى سمى نفسه بالعدل ولم يسمي نفسه عادلا, فلابد أن لهذا حكمة, فحين يأمر الله عباده بالعدل يعني ذلك أنه يأمرهم بالحكم به سبحانه وتعالى من حيث كونه أنه هو العدل ذاته، وبأوامره وبشرعه سبحانه وتعالى من حيث أنها هي العدل المطلق الذي لا هوى فيه ولا ينتج عنها جورا أو ظلما.

 

     القاضي أو المحقق حين ينظر في أمر من الأمور, عليه أن يتناول كافة جوانب الشريعة المتعلقة بالواقعة التي ينظرها، بالإضافة للقواعد العامة المطلوب منه مراعاتها لتحقيق العدل وحتى يصل إلى حكم عادل. فمن عدل القاضي أن ينتبه للشبهات في الواقعة كما قَالَ عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات). وهو الحريص على إقامة شعائر الإسلام, وأن يتعامل معها بحيدة تامة.

 

     أما عن ستر المسلم على أخيه المسلم وهو جزء من العدل أيضا, أخرج الحاكم والبيهقي في صحيحيهما: أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ارتحل من المدينة المنورة إلى عقبة بن عامر - أمير مصر - في ذلك الوقت، فخرج إليه فعانقه، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول: (من ستر مؤمناً في الدنيا على عورة ستره الله يوم القيامة) فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم قفل راجعاً إلى المدينة.

 

     والشاهد إذا رأى الجريمة بعينه فهو مخير في أداء الشهادة حسبة لله تعالى وغيرة على حدوده، ومحارمه أن تنتهك فقد ورد في الحديث الشريف (الحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً) أو ترك الشهادة رغبة في الستر على أخيه المؤمن وعدم إشاعة الفاحشة لقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: (ومن ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه في الآخرة) ولآن الله يحب الستر على عباده، ويكره إشاعة الفاحشة وفضيحة المسلمين، بل نفر من شيوع خبرها والحديث عنها، والميل إلى إشاعتها، فقال تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة).

وقد يكون من حسن إدراك المرء أن يستر على من عثر عثرة لعله يتوب ويرجع إلى الجادة إن أحس منه أنه غير معتاد على إتيان الجرم، أما إن أحس منه الاعتياد أو التفاخر بالجرم فالمساعدة على إقامة الحد عليه فيه خير وتطهير له, وتطهير للمجتمع منه ووقاية من شروره.

 

     والمسلم لا بد أن يطبق العدل في حياته كلها.

 يجب أن يكون عادلا بين أبنائه.

ويجب أن يكون عادلا بين زوجاته – إن كان له أكثر من زوجة – فيما يتعلق بالمعاملة والعطاء.

ويجب أن يكون عادلا بين مرؤسيه في العمل.

وغير ذلك في سائر جوانب حياته.

 

     والعدل نسبي. فلا يصح أن تقول لم أعطى الله فلانا ولم يعطني مالا مثله مثلا. فسبحانه وتعالى يعطي شخصا مثلا 10% مال, و 60 % صحة, و30 % أولاد. ويعطي شخصا آخر 60 % مال, و 20 % جاه, و 20 % صحة, ويحرمه من الذرية, وهكذا. فسبحانه وتعالى يقول (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون). وقيل "إن من عباد الله من لا يصلحه إلا الفقر, ومن عباده من لا يصلحه إلا الغنى." فإياك أن تقع في مثل هذا الخطأ, خطا الاعتراض على تصرفه في ملكه واتهامك له بالظلم أو سوء التدبير في ملكه.

Hosted by www.Geocities.ws

1