كلام صريح   I    المسلمون في الهند    I    النخبة    I    الهند - التكنولوجيا والمعلومات    I   الهنود والنكات     التعليقات    I     

الرئيسية   

 

 المقالات

 


الانطلاقـــــة الهنديـــــــة
فوزية مطر

خلال التسعينيات الفائتة وعلى أعتاب الألفية الثالثة وضعت الهند استراتيجية انطلاقة اقتصادية شاملة تحولها إلى قوة تتبوأ مكانة عالية في مصاف الدول الكبرى. وتبدأ الانطلاقة الهندية تحديداً بصناعة تقنية المعلومات والبرمجيات ولا تنتهي عندها، فكافة المؤشرات تظهر أن التوجه الاستراتيجي يشمل كافة جوانب بناء الهند كدولة كبرى. وتجدر الإشارة هنا إلى أن اهتمام الهنود بتطوير خبراتهم في مجال الحاسوب ليس جديداً فقد بدأ منذ ستينيات القرن الماضي. كما أن الهند دخلت عالم صناعة البرمجيات منذ أواسط الثمانينات.
 أما الانطلاقة  الجديدة في صناعة تقنية المعلومات وفي الاقتصاد عموما فقد سميت المبادرة الهندية الوطنية وجاءت بقرار رسمي على أعلى المستويات، حيث اعتمدتها الحكومة الهندية عام 1998 تحت شعار ''بناء الهند بأيدي الهنود''. هذا الشعار انبثق بناء على التوجه الرسمي لدراسة الواقع الهندي بكافة معطياته الايجابية منها والسلبية، والتفتيش عن سبل الإفادة من تلك المعطيات باستثمار جوانب  القوة والضعف فيها على حد سواء وتحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة. عكفت العقول والخبرات الهندية على دراسة معطيات الواقع الهندي وإمكانياته دراسة تحليلية واضعة نصب أعينها الشعار المعتمد. وكان العامل السكاني هو مجال البحث الأول، يليه التعليم والعامل الطبيعي ثم العامل السياسي وغيرها.
  قررت الهند تحويل الانفجار السكاني الهائل على أرضها(ما يربو على المليار وخمسين مليون نسمة) إلى قوة داعمة للصناعة الهندية وذلك ضمن مسارين رئيسين. الأول توظيف التحويلات المالية لليد الهندية العاملة عبر العالم في أغراض الانطلاقة الصناعية المحلية. والثاني خلق قوة عاملة ذات تعليم وتدريب عال في الداخل الهندي وتحويل عشرات الآلاف منها إلى اختصاصيين في صناعة تقنية المعلومات والبرمجة بمستوى جودة عالية وخبرات اختصاص تقني تنافس الخبرات العالمية. وقد استُثمر هنا وبشكل ايجابي حتى عامل الفقر. فانخفاض الأجور وانخفاض تكاليف المعيشة في الهند أسهم في زيادة قوة العمل ورفع طلب الدول للخبرات الهندية المتخصصة كما شجع شركات تقنية المعلومات العالمية على افتتاح فروع لها في الهند توظف عشرات الآلاف من الخبرات الهندية منخفضة الأجور عالية الخبرة التقنية.
   استثمرت الهند أيضاً عامل التعليم، فالتعليم إجباري فيها حتى سن 14 سنة، ومع دخول الألفية الثالثة بلغت نسبة المتعلمين الهنود ما يربو على 70٪. وتنتشر اليوم في أرجاء الهند الكليات والمعاهد التقنية التي تخرّج سنويا مئات الآلاف من المختصين في تقنية المعلومات. وتنتشر اللغة الانجليزية (اللغة المهيمنة في عالم تقنية المعلومات) بشكل واسع فهي اللغة الرسمية الثانية في الهند. وقد شكّل إتقان نسبة عالية من الهنود للغة الانجليزية عاملاً هاماً في توفير قوى عاملة ذات خبرة تقنية عالية متقنة للانجليزية. ذلك مما وضع الهند في المرتبة الثانية بين دول العالم في مجال التقنية العالية المصحوبة بإتقان الانجليزية.
  واستثمرت الهند العامل الطبيعي في انطلاقتها الصناعية الجديدة، فهي شبه قارة ذات مساحة هائلة. وقد مكّنها ذلك من توفير المناطق الشاسعة مستقراً لآلاف شركات تقنية المعلومات الهندية والكثير من الشركات العالمية. لقد أصبحت مدينة بنغلور الهندية من أهم المراكز العالمية لهذه الصناعة حيث استوطنت فيها كبريات الشركات العاملة في هذا المجال. كما أن الهند غنية بثرواتها المعدنية المطلوبة للأغراض الصناعية كالحديد والنحاس والرصاص والنفط والغاز الطبيعي والذهب والفضة والزنك. وفوق ذلك هيأ لها موقعها الجغرافي اختلاف توقيتها بنصف يوم عن التوقيت الأمريكي، مما أتاح مجالا لاستقطاب شركات تقنية المعلومات الأمريكية التي أسست لها فروعاً عديدة في الهند.
   النجاح الذي حققته الهند في مجال صناعة تقنية المعلومات يعود أيضا لنهج إدارة المجتمع الهندي وفقاً للخيار الديمقراطي الذي وفر نظاماً سياسياً مستقراً وحكومات ديمقراطية تشجع وترعى تطور صناعة تقنية المعلومات، وتأخذ بسياسات اقتصادية وضريبية ملائمة ومشجعة. وبقدر ما يُعتبر تطور صناعة تقنية المعلومات في الهند أعجوبة هندية، بقدر ما يُعتبر نجاحها في إرساء مجتمع ديمقراطي أعجوبة أخرى. فالهند لا يشبهها بلد في الدنيا من حيث أنواع التعدديات التي تضمها. الهنود ينتمون إلى ست مجموعات عرقية رئيسة ويتحدثون بأربعة عشر لغة رئيسة وأربع وعشرين لغة أخرى وما يقارب الألف من اللغات واللهجات المحلية. ويعتنق الهنود سبعة أديان رئيسة (الهندوسية، الإسلام، السيخية، المسيحية، البوذية، الجينية والبهائية) إلى جانب عدد كبير من الديانات الصغرى. ورغم هذا التعدد الديني فإن الهند دولة علمانية كما جاء في مقدمة دستورها، والعلمانية هي شعار الدولة وأساس قيامها ونظامها. ولم تمنع علمانية الدولة من تمسك الجماعات بمعتقداتها الدينية، بل لا يوجد مكان تُمارس فيه حرية المعتقدات والطقوس الدينية كما الهند.
لقد وفر النظام الديمقراطي حلولاً ناجعة لمشكلة التعدديات على أنواعها، وقدّم للعالم أجمع أنموذجاً يُحتذى في تحويل التعددية إلى عنصر قوة ووحدة قائمة على التماسك المدعّم بالحوار والتفاهم والتسامح الإنساني.
   وكما أسلفنا فالانطلاقة الهندية الراهنة لا تكتفي بالنجاحات منقطعة النظير في مجال صناعة تقنية المعلومات والبرمجيات، بل تتعداها إلى المضي قدما بتطوير الإمكانيات الهندية في مجالات تنموية شاملة. وكافة معطيات الهند الذاتية تؤهلها لذلك ففي المجال الصناعي والتجاري تنهض الهند نهوضا واضحاً في الإنتاج الصناعي المحلي الشامل من صناعة أجود البرمجيات إلى بناء الترسانة النووية. وفي حين بلغت قيمة صادرات الهند إلى جميع أنحاء العالم حوالي الستة مليارات دولار عام
,2002 يتوقع أن تبلغ حوالي خمسين مليار دولار عام .2008
وفي المجال الزراعي تمضي الهند قدما في تطوير إنتاجها الزراعي يساعدها في ذلك أن حوالي 3
,54٪ من أرضها قابل للزراعة، كما يعيش 72٪ من سكانها في الأرياف ويمارسون الزراعة.
لكل ذلك يحق للهند أن تطمح للتحول إلى قوة عالمية تفرض وجودها في عالم الكبار. ولكل ذلك هي جديرة أن تدعى دولة الألفية الثالثة. ولكل ذلك هل يحق لأي منا أن ينظر بفوقية واستعلاء لأي فرد من هذه الأمة العظيمة التي تحقق المستحيلات؟!

  المصدر: صحيفة الوطن البحرينية

مايو, 23 ، 2006 - العدد (0164)

أكتبوا إلينا آراءكم وتعليقاتكم: الآراء و التعليقات

 

 

[email protected]

Hosted by www.Geocities.ws

1