فوزية
مطر
لو
أن من ينظر من أعلى أنفه بتعالٍ وفوقية، وربما بازدراء واستهانة لمئات
الآلاف من العمال والمستخدمين والموظفين الهنود العاملين في
دول مجلس التعاون، لو أنه أمعن
قليلاً لوقف على القيمة العظمى لعمل هؤلاء الكادحين المجدين فيما
حققته مجتمعات الخليج من تطور وتقدم ونماء. ولو أنه اطّلع
قليلاً على ما تحققه الهند اليوم من قفزات في المنجز
التنموي والحضاري على كافة الصُعد، لأدرك كم هو عظيم
هذا الشعب الذي يَفد أبناؤه ليؤدوا دوراً كبيراً في بناء
أوطاننا، وليسهموا بذلك في نماء وتقدم وطنهم.
وقفتُ مرة انتظر دوري
لشراء السمبوسة الهندية من أحد محلاتها
المنتشرة في بلادنا. وما لبثت أن شدت
انتباهي الجَلد والهمّة التي كان يعمل بها أحد العاملين الهنود
بالمحل. وجدته يترك المحل ليركب
دراجة عتيقة مهترئة ويعبر بها الشارع وسط اتجاهين
متزاحمين من السيارات. ثم يوقف الدراجة في الجهة المقابلة من
الشارع ويفتح مخزناً مقفلاً يُخرج منه كيسين كبيرين من
البصل والبطاطس. ثم يقفل المخزن ويضع الكيسين خلفه على
قضبان الدراجة المهترئة ويعتليها مثبتاً إحدى يديه على
الكيسين خلفه واليد الأخرى على مقود الدراجة. يعبر الشارع المزدحم تائها بين
خطين متعاكسين لا ينقطعان من السيارات. يضطر للتوقف في
وسط الشارع حتى تسنح له سانحة للعبور إلى دكان السمبوسة.
يضع الكيسين ويعود من جديد ليعبر الشارع ويحضر كيسين
آخرين يليهما آخران بالطريقة ذاتها في كل مرة. وخلال انتظاري لشراء
ما أريد كرر العمل ذاته أمام ناظري ثلاث مرات متواصلة. كم
أدهشني عزم وصبر وجلد هذا الإنسان الكادح الذي يستخدم
كل جزء في جسمه وعقله وتركيزه لأداء المهمة الموكل بها.
كبُر في عيني وشعرت بكثير من الاحترام لإنسانيته وكدحه
في ديار الغربة من أجل لقمة العيش.
سِقت حكايةً ما هي إلا مثال من آلاف
أو ملايين الأمثلة التي تؤكد عظمة الشعب الهندي المكافح وتفسر
انطلاقته الإنمائية والحضارية الجارية اليوم. وهي عظمة
تمتد عبر التاريخ ومنذ القدم،
فالحضارة الهندية من أقدم الحضارات وأهمها في مسيرة التطور الإنساني. وعظمة
الشعب الهندي لا تتجلى في أمر واحد فحسب، بل في العديد من
الجوانب المميزة. وأقولها بملء الفم: من نحن لننظر إلى
أبنائه الكادحين بين ظهرانينا باستعلاء وازدراء؟ وأين
نحن مما أنجزه ويواصل انجازه بخطوات ثابتة نحو التقدم
والنماء على كافة الصعد؟
النظرة العامة المتخلفة والمتداولة في مجتمعاتنا
الخليجية تذهب إلى أن ليس هناك ما يميز الهند سوى الفقر والعوز
والكثافة السكانية. وصورتها بنظر الكثيرين منا تقترن
بالفقر والتخلف فحسب، فالعمالة الهندية تتواجد بكثافة
في مجتمعاتنا ويعمل معظمها في مهن دنيا لقاء أجور
زهيدة. أما إن أراد الواحد منا الحديث عن صورة ايجابية للهند، فلن يتطرق إلا
لإنتاجها السينمائي الأشهر منذ أكثر من نصف قرن.
أما الحقيقة التي علينا
أن نعيها وندرك مدلولاتها فهي أن هذا الشعب الذي ينظر له البعض
منا نظرة عنصرية استعلائية قد تصل لظلم واضطهاد كادحيه
العاملين في مجتمعاتنا، يملك من الخصائص والإمكانات
الطبيعية والمادية والبشرية وسبل الحياة وأساليبها ما يجعله شعباً
عظيماً شامخاً بين شعوب الأرض قاطبة
ويؤهله لبلوغ أعلى الهامات ومقارعتها.
أين نحن من الهند شبه القارة وسابع أكبر دولة من
حيث المساحة في العالم؟! وأين نحن
من الهند ثاني أكبر دول العالم سكاناً بعد الصين (يفوق تعداد سكانها
المليار وخمسين مليون نسمة)؟! وأين نحن من الهند التي أصبحت
الرابعة عالمياً في الناتج المحلي
الإجمالي الذي يفوق 250 مليار دولار؟! أضف لذلك
حضارات الهند الكبرى القديمة وما خلفته من آثار عظيمة واختصت
به من مناحى فلسفية وروحية قائمة بالأساس على الفكر
التأملي. وأين نحن مما يميز الهند من تعدد وتنوع في
الأعراق واللغات والأديان والثقافات المنسجمة بكل تناقضاتها؟! وأين
نحن من التجربة الديمقراطية الهندية التي تحتضن في البعدين
الإنساني والسياسي أنماط التعدد
العرقي واللغوي والديني، فتصون وحدة الهند وتدفع
بها قدما نحو التطور؟!
وأما الحقيقة الأخرى التي علينا أن نعيها فهي
أن الشعب الهندي اليوم يؤكد عظمته وهو
يخرج من قمقمه بادئاً انطلاقة كبرى
تدعى المبادرة الوطنية الهندية. وهي مبادرة تضعه في مصاف الدول الكبرى
وتَسِمُ الهند بدولة الألفية الثالثة. اليوم تطرق الهند أبواب
نادي الكبار متسلحة بقرار سياسي من أعلى المستويات لرسم
استراتيجيات التقدم والبلوغ بالهند مصاف القوى الدولية
العظمى على هذا الكوكب. الحكومة الهندية اتخذت قرار المبادرة
ووجهت مخططيها وواضعي استراتيجياتها من أبناء الهند إلى
الانطلاق من واقعهم بقراءته قراءة عميقة شاملة تستكشف
كافة إمكاناته الذاتية المتوفرة وتتجه لاستثمارها
ايجابياً من الألف للياء. واتساقاً مع هذا المنطلق اعتمدت الحكومة الهندية
شعار مبادرتها الوطنية في بناء الهند وهو:
»بناء الهند بأيدي الهنود«...
ولنا حول ذلك حديث قادم.
المصدر:
صحيفة الوطن البحرينية
مايو, 23 ، 2006
-
العدد (0164)
أكتبوا إلينا
آراءكم وتعليقاتكم:
الآراء و التعليقات