رسالة إلى ابنتي في سن البلوغ

 

أي بنيّة،

 

أراكِ كبرت كالزهرة التي تفتحت ورقاتها، والشجرة التي أورقت أغصانها وأينعت ثمارها، وأشرفتِ على بدء ربيع عمرك فأضحيت فتاة تنبض بالسعادة والحياة والجمال. إنها لمرحلة من أجمل مراحل العمر يا بنيتي، حيث الأمل يشعشع في عينيك، والمستقبل يمد بساطه أمامك، وعنفوان الشباب يخصب أحلامك بشتى الأفكار البناءة المضيئة والحلم بغدٍ مشرق يدغدغ آمالك. لكنّها أيضا يا بنيّتي، مرحلة حسّاسة جدا بالنسبة لكِ أنتِ، حيث ستختبرين في هذه الفترة أموراً جديدة وتطورات جسدية ومشاعر مختلفة ولربما تكون متضاربة.

 

          على الصعيد العاطفي، لن تكوني من بعدُ مجرد طفلة في نظر من يتقرَّب إليكِ أو يحادثك، فقد أضحيت فتاة يافعة تُلفِتُ إليها العيون وتستقطب الأنظار وتثير الاهتمام.  فلان من أقاربكِ أو من جيرانكِ لن يعود بعد اليوم مجرد صديق أو جار، بل سيصبح في نظرِكِ شاب وستكونين أنتِ في نظِرِه فتاة.  أما على الصعيد الجسدي، فستشعرين بتغيرات كثيرة منها ما هو جميل ومستحسن، ومنها ما هو غريب مستهجن ستحتاجين النصيحة والمساعدة لفهمه والتعامل معه بصورة حسنة.

 

          في هذه الفترة الجميلة والحرجة، الرائعة والمحيرة، يهمّني في رسالتي إليكِ يا بنيّتي أن تضعي نصب عينيكِ حقائق لا بدّ منها لكلّ فتاة تريد أن تنمو نموّاً طبيعيّا بدون كلفة وبدون تعقيد. أوّلها وأهمّها أنَّكِ بكاملِكِ، بعقلكِ وجسمكِ، خليقة إلهٍ أحبَّكِ وأوْجَدَكِ في أكملِ صورةٍ ممكنة، حتّى إنّه قالَ عنكِ عندما خلقكِ: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنسانَ على صُورَتِه على صُورَةِ اللهِ خَلَقَه ذَكَرًا وأُنْثى خَلَقَهم.... ورأَى اللهُ جَميعَ ما صَنَعَه فاذا هو حَسَنٌ جِدًّا" (تكوين 1: 27. 31). إذن عليكِ يا بنيّتي أن تفتخري بأنَّكِ ابنة الله الذي أحبَّكِ ويحبِّك وخلقكِ في أحسن صورة: جسداً وروحاً يكوّنان معاً شخصيّتكِ وهويّتكِ.

 

          يسوءُني يا بنيّتي، أن أجد بعض رفيقاتكِ اللواتي قد بلغنَ سنَّ الرشدِ وبدأ جسدهن ينمو نموّه الطبيعي، قد رُحْنَ يحاولن إخفاء نموّهنَّ ونضوجهنَّ، فتقوّستْ ظهورهنَّ وكأنّي بهنَّ يخجلنَ من التحول إلى فتيات يافعات بل يردن أن يبقينَ طفلاتٍ صغيرات أو يرغبن في منع هذا النمو الطبيعي ويخشين منه خشيتهنَّ الشرَّ عينه.  فاسمحي لي يا بنيّتي في هذا المقام أن أذكّركِ أيضاً بقول الله في الكتاب المقدس لدى حديثه عن الرجل والمرأة: "وكانا كِلاهُما عُريانَين، الإِنسانُ واَمرَأَتُه، وهُما لا يَخْجَلان" (تكوين 2: 2).  وهذا إن عنى شيئاً فيعني أن ليس في أجسادنا ما يعيب، لأنّ الله خلقنا كاملين ويحق لنا أن نفتخر بأجسادنا دونما خجل وألا نخشى من نمونا الطبيعي.

 

          فأنتِ يا بنيّتي التي تعيش مرحلة نضوج جسدها ليصبح مستعداً وكاملاً من أجل تحقيق هدفكِ في الحياة، لا تخجلي من جسدكِ، فأعضاؤه بأجمعها مقدّسة وجميلة، ولكلٍ منها خدمة يؤديها وهدف سامي لأجله وُجِدَ.  ألم يولَدَ ابن الله من رحم مريم العذراء؟!  ألم يرضع الطفل الإلهي من ثدي أمه القدّيسة الحليبَ غذاءً لينمو ويكبر؟! ولكن، إن لم يَكْفِكِ هذا سبباً لكي تفتخري بنمو جسدكِ وتعيشي هذه اللحظات بسعادة وبهجة، أدعوك إلى مشاركتي قراءة بعض ما ورد في سفر من أسفار الكتاب المقدس يحمل بين طياته كلمات ولا أروع للتعبير عن قصد الله الأزلي عندما خلق الرجل والمرأة وقوله لهما: "ولذلِكَ يَترُكُ الرَّجُلُ أَباه وأُمَّه ويَلزَمُ امرَأَتَه فيَصيرانِ جَسَدًا واحِدًا." (تكوين 2: 24).

 

          هو سفر "نشيد الأناشيد" يا بنيتي، سفر رائع وفريد بين أسفار الكتاب المقدّس.  إنّه يروي قصة حبّ بين اثنين، حيث يقدم لنا أكثر من طريقة لقراءة قصة الحب هذه.  فينصحنا معلّمو الكتاب المقدّس بطريقتين اثنتين تكمل إحداهما الأخرى.  إحدى هاتين الطريقتين أن نقرأ السفر من منطلق الحبّ الصوفي (العُذري) الذي يجمع بين الله وبين خليقته، فنرى في تعابير هذا السفر صورة رائعة ومطمئنة لنا نحن الذين نميل أكثر ما نميل إلى الشكِّ في الله وفي إخلاصه ومحبته ووفائه وعطفه علينا نحن بني البشر، فنقرأ سفر نشيد الأناشيد لنجد أن الإله الذي نعبده إنما خلقنا لنحبه كما يحب العاشق معشوقته ولا يطيق أن يفترق عنها لحظة واحدة، وكما يطلب الحبيب محبوبته ويرغب في أن تلازمه مدى الحياة وإلى الأبد.

 

          أما الطريقة الأخرى التي يشجعنا معلّمي الكتاب المقدّس على اتباعها لدى قراءتنا هذا السفر، فهي القراءة الحرفية. بمعنى أن نقرأ سفر نشيد الأناشيد كتعبير عن علاقة الحب الطاهر الذي يجمع بين الحبيب ومحبوبته، حباً طاهراً مكرّساً يذلِّل الصعاب ويحقق الأمنيات.  وفي هذا الإطار، نجد السفر يركّز على جمال وحُسْنِ الرجل والمرأة وطهارة جسديهما وينشد لهذا الجسد الذي خلقه الله وللحب الطاهر الذي يجب أن يبحث عنه كل شاب وفتاة، فيقول:

 

هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ! عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ مِنْ تَحْتِ نَقَابِكِ. شَعْرُكِ كَقَطِيعِ مِعْزٍ رَابِضٍ عَلَى جَبَلِ جِلْعَادَ. 2أَسْنَانُكِ كَقَطِيعِ الْجَزَائِزِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْغَسْلِ اللَّوَاتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مُتْئِمٌ وَلَيْسَ فِيهِنَّ عَقِيمٌ. 3شَفَتَاكِ كَسِلْكَةٍ مِنَ الْقِرْمِزِ. وَفَمُكِ حُلْوٌ. خَدُّكِ كَفِلْقَةِ رُمَّانَةٍ تَحْتَ نَقَابِكِ.4عُنُقُكِ كَبُرْجِ دَاوُدَ الْمَبْنِيِّ لِلأَسْلِحَةِ. أَلْفُ مِجَنٍّ عُلِّقَ عَلَيْهِ كُلُّهَا أَتْرَاسُ الْجَبَابِرَةِ. 5ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْ ظَبْيَةٍ تَوْأَمَيْنِ يَرْعَيَانِ بَيْنَ السَّوْسَنِ. 6إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ أَذْهَبُ إِلَى جَبَلِ الْمُرِّ وَإِلَى تَلِّ اللُّبَانِ. 7كُلُّكِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي لَيْسَ فِيكِ عَيْبَةٌ. 8هَلُمِّي مَعِي مِنْ لُبْنَانَ يَا عَرُوسُ مَعِي مِنْ لُبْنَانَ! انْظُرِي مِنْ رَأْسِ أَمَانَةَ مِنْ رَأْسِ شَنِيرَ وَحَرْمُونَ مِنْ خُدُورِ الأُسُودِ مِنْ جِبَالِ النُّمُورِ. 9قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي بِإِحْدَى عَيْنَيْكِ بِقَلاَدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُنُقِكِ. 10مَا أَحْسَنَ حُبَّكِ يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ! كَمْ مَحَبَّتُكِ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ وَكَمْ رَائِحَةُ أَدْهَانِكِ أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ الأَطْيَابِ! 11شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْداً. تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ وَرَائِحَةُ ثِيَابِكِ كَرَائِحَةِ لُبْنَانَ.12أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ. 13أَغْرَاسُكِ فِرْدَوْسُ رُمَّانٍ مَعَ أَثْمَارٍ نَفِيسَةٍ فَاغِيَةٍ وَنَارِدِينٍ" (نشيد الأناشيد 4: 1-13).

 

          فأنتِ يا بنيّتي طاهرة، قد نموتِ لتصبحي فتاةً مكتملة النموِّ ناضجة، فلا تخجلي من نموّك ونضوجك. 

 

ولكنني أود هنا يا بنيّتي الحبيبة، أن ألفِتُ انتباهِكِ إلى أمرٍ يُقْلِقُني ويقلِقُ كل أب وأمّ في هذه المرحلة من مراحل حياتِكِ.  فأنا أريدكِ أن تعيشي حياتَكِ ببساطة وحيويّة بعيداً عن عقدةِ الدونيّة والخوف أو الخجل. ولكن يجب أن تعلمي أيضاً أن جسدكِ هذا الجميل الذي ينمو ويتطوّر ليزداد حُسناً وجمالاً، يحمل معه مسؤوليّةً جسيمة، فالكتاب المقدّس يعلّمنا بأن الجسد وعاء للطهارة. 

 

سأبدأ حديثي التالي بالتوقّف عند آية هامة جدا في الفقرة السابقة أعلاه حيث يقول سفر نشيد الأناشيد: "12أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ."  فهذه الآية تشير إلى الطهارة والعفّة:  طهارة الجسد وعفّة النّفس. فليس أقبح في نظر الله وفي نظر الإنسان من الفتاة التي تستهين بطهارة جسدها وعفّة نفسها فتسلُكَ سبل الشرّ وتستخدم جسدها للفتنة وتركّز على مفاتن جسدها لتبرزها وتفتن بها الآخرين.

 

          وفي الكتاب المقدس أيضا فصولاً غاية في الوضوح والقسوة للتعبير عن قباحة صورة تلك التي تسيء إلى طهارتها وعفّتها، أنتخب منها مقطعاً لا أجد أشد منه واقعيّة وتأثيراً ألا وهو  ما ورد على لسان حزقيال النبي في سفره المسمّى باسمه.  ولكي تفهمي كلمات حزقيال يا بنيّتي الحبيبة، اسمحي لي أن أضعكِ في الإطار الذي يكتب فيه هذا النبي الذي لا يخجل من شيء إلا من الشر ولا يتوانى عن استخدام الألفاظ للتعبير عن قباحة الشر والخطيئة.

 

          لقد انتخب الله حزقيال في فترة عصيبة من تاريخ الشعب العبراني، ازداد فيها الشر والمعصية وطغت على مملكة داؤود التي كانت قد انقسمت بعد وفاة ابنه سليمان إلى مملكتين: مملكة إسرائيل في الشمال وعاصمتها السامرة، ومملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها القدس. وأرسل الله حزقيال برسالة تحذير قاسية اللهجة إلى الشعب القاسي الرقاب ومتحجر القلوب.  كيف عبَّر حزقيال عن خطيئة الخاطئين الذين نسوا الرب وحادوا عن طريقه واتبعوا آلهة غيره؟ كيف فسَّر لهم عِظَمَ خطيئتهم وفداحة فعلتهم؟! قام حزقيال بتشبيه العاصمتين القدس والسامرة بصورة امرأتين ارتكبتا خطيئة الزنى التي لم يجد حزقيال أبشع منه للتعبير من خلالها عن عظم خطيئة الشعب وذلك باستخدام مثال مؤثّر جدا في نفسية الشعب العبراني. فكان مثاله وتشبيهه لخطيئتهما هو مثال امرأتين زانيتين.  فرغم أن المرأة خليقة الله هي جميلة وكل ما فيها حسن، ولكن إن هي أساءت استخدام جسدها فإنها تصبح أشد المخلوقات قبحا وبشاعة ومدعاةً للاشمئزاز.  فالمرأة الزانية التي لا تحافظ على طهارتها وتسيء إلى عفتها هي كالإنسان الذي يخون إلهه وخالقه ويرتكب الشر والمعصية. فيقول حزقيال في سفره:

 

وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ: 2((يَا ابْنَ آدَمَ, كَـانَتِ امْرَأَتَانِ ابْنَتَا أُمٍّ وَاحِدَةٍ، 3زَنَتَا بِمِصْرَ فِي صِبَاهِمَا. هُنَاكَ دُغْدِغَتْ ثُدِيُّهُمَا, وَهُنَاكَ تَزَغْزَغَتْ تَرَائِبُ عُذْرَتِهِمَا. 4وَاسْمُهُمَا: أُهُولَةُ الْكَبِيرَةُ, وَأُهُولِيبَةُ أُخْتُهَا. وَكَـانَتَا لِي, وَوَلَدَتَا بَنِينَ وَبَنَاتٍ. وَاسْمَاهُمَا: السَّامِرَةُ أُهُولَةُ, وَأُورُشَلِيمُ أُهُولِيبَةُ. 5وَزَنَتْ أُهُولَةُ مِنْ تَحْتِي وَعَشِقَتْ مُحِبِّيهَا, أَشُّورَ الأَبْطَالَ 6اللاَّبِسِينَ الأَسْمَانْجُونِيَّ وُلاَةً وَشِحَناً, كُلُّهُمْ شُبَّانُ شَهْوَةٍ, فُرْسَانٌ رَاكِبُونَ الْخَيْلَ. 7فَدَفَعَتْ لَهُمْ عُقْرَهَا لِمُخْتَارِي بَنِي أَشُّورَ كُلِّهِمْ, وَتَنَجَّسَتْ بِكُلِّ مَنْ عَشِقَتْهُمْ بِكُلِّ أَصْنَامِهِمْ. 8وَلَمْ تَتْرُكْ زِنَاهَا مِنْ مِصْرَ أَيْضاً, لأَنَّهُمْ ضَاجَعُوهَا فِي صِبَاهَا وَزَغْزَغُوا تَرَائِبَ عُذْرَتِهَا وَسَكَبُوا عَلَيْهَا زِنَاهُمْ. 9لِذَلِكَ سَلَّمْتُهَا لِيَدِ عُشَّاقِهَا, لِيَدِ بَنِي أَشُّورَ الَّذِينَ عَشِقَتْهُمْ. 10هُمْ كَشَفُوا عَوْرَتَهَا. أَخَذُوا بَنِيهَا وَبَنَاتِهَا وَذَبَحُوهَا بِـالسَّيْفِ, فَصَارَتْ عِبْرَةً لِلنِّسَاءِ. وَأَجْرُوا عَلَيْهَا حُكْماً. (حزقيال 23: 1-10).

 

          إذن يا بنيّتي الحبيبة، الجسد من صنع الله والله لم يصنع إلا كلّ ما هو حسن.  فإن سرْتِ في العفة والطهارة، وحفظتِ نفسكِ، كنتِ زهرةً يافِعةً وثمرةً يانعةً يحبّها كلّ من رآها ويحترمها كلّ من يلاقيها.  فكوني فخورةً بصورتكِ التي خلقكِ اللهُ عليها وتواضعي لكي لا تقعي كما وقعت اورشليم والسامرة فحقَّ عليهما كلام النبي ووصفه لهما بالزانيتين اللّتين دنستا هبة الله وعطيّته واستحقتّا احتقار الأمم وغضب الله والوقوع في سلطان الشرير.

 

          أما أنتِ يا بنيّتي، فاحرصي على احترام الله واحترام الآخرين واحترام ذاتك وجسدك. حتى يقول عنكِ كلّ من رآكِ ولمسَ فيكِ النضوج والعفّة والطهارة وزينتكِ الفضيلة: "مَنْ هَذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟" (نشيد الأناشيد 3، 6).

 

Hosted by www.Geocities.ws

1