قصة الشعر وشعر القصة:
"ديوان السندباد" بين براري النثر وبحار الشعر
الشعر "زوين" والقصة أيضا جميلة، قصيرة كانت أم طويلة. قد يكتب الشاعر قصيدة سرد، كالقاص قد يكتب قصة شعر. والشعري في النثري كالملح في الطعام، والنثري في الشعري كالسكر في الشراب، ولا بد منهما فيهما كالسِّماد للتراب حتى يزهر ويثمر.. غير أن للأستاذ أحمد بوزفور رأيا آخر، طالما (طرحه كالسر) في أكثر من لقاء معه، حين يقال له أو يكتب عنه : إن في قصتك شعرا - يحتج : أنا لا أكتب الشعر، هذا مدح يراد به ذم ! و إذا قال هذا فلا تصدقوه. وإليكم هذا الحوار الذي ورد في إحدى حلقات برنامج "المسافر" :
هل بوزفور، قاص أم شاعر ؟
قاص !
لجواب خطأ ! بوزفور شاعر وليس قاص !
إنه إذن شاعر، رغم أنفه شاعر ! وقد نشرت له بالفعل قصيدتان : واحدة عن أمل دنقل والثانية عن الشهيد عمر بن جلون. وله أيضا كراسة شعر نائمة وجاثة في رفوف خزانته وفي قصته أيضا وأيضا شعر جميل، بعضه يأتي عن وعي والبعض الآخر عفو الخاطر..
لا أعرف ما هي الحدود الفاصلة أو الواصلة بين مل هو شعر وما هو قصة ولكنني أعرف أنهما –الشعر والقصة- يسكنان معا في "حي" واحد يسمى "ابن يقظان" !
وإذا كان لا بد من رخصة للبحث في القصة عن الشعر أو في الشعر عن القصة فأنا أطلبها من أية جهة وصية وشرعية خاصة من النقاد وكذلك من ممن يكتب قصيدة نثر.. وسيظل السي أحمد "حتى إشعار آخر" بريئا –بلغة القانون- من تهمة الشعر حتى تثبت إدانته بالقصة نفسها مع العلم أن إثبات طرف لا ينفي الطرف الآخر ! أما القول : إنه قاص وكفى ولا داعي للبحث عن الشعر في قصته - حتى لا يتنازع على ملكيته -شاعرا- التفعيلة وقصيدة النثر! فذلك من قبيل "الكسل النقدي" الذي طالما اشتكى منه ثم إنه لا خوف على قصته من هذا "التفتيش" فأنا لا أنوي "تهريبه" من القصة إلى الشعر، لاسيما هذه الأيام التي (لم تعط من يهوى مُناه) إذ كثر فيها "المهربون" والهاربون من الشعر إلى القصة والرواية ومنهما إلى الشعر و(آهٍ من الأيام آه !) - لا نكاد نحب شاعرا -كنجمي أو الأشعري- حتى يهاجر بنا إلى القصة أو السيرة أو الرواية ولا نكاد نألف قاصا -كالحمياني أو الغرباوي- حتى يسافر بنا إلى الشعر. إلا أن شاعر (ديوان السندباد) ليست قصته حقيبته وما هو بمسافر ولا مهاجر كما قال محمود درويش : "وطني ليس حقيبة، وأنا لستُ مسافرْ" لأن قصته هي وطنه الذي يسكنه ولا يبغي عنه بديلا. أليس كذلك ؟
وليطمئن الشاعر فالشعراء جميعا لن يتنازعوا ملكية السي أحمد ولن يمدده أحد على سرير بروكست سواء من شعراء قصيدة النثر أو التفعيلة، لأنه، ببساطة، ليس ضيفا ولا عابر سبيل حتى يبيت تحت سقف هذه القصيدة أو تلك. بل إنه رب بيت يؤويه ويحميه وهو ذو بيت أصيل وجميل. بيته هو قصته. يسكنها وتسكنه ويخلص لها الحب كله ويتبادلان التيهان والهيمان إلى أقصى وأقسى مكابدات ومقامات الصبابة والوجد الوجد الوجد و (من هنا جاء إحساسك بالبرد البرد البرد هل تفهمني ؟) (ص 134) و أحسبك تقصد هنا إذ تقول : (لن يحبك أحد كما أحببتك ولن تقتلي أحداً كما قتلتني) (ص 6). ولا تعني غيرها إذ تقول (وأقول لنفسي : إلى أين يا أوليس ؟ أتهرب من بنيلوب بالسعي إليها أم تسعى إليها بالهرب منها ؟ قتلتني يا بنيلوب.. وشردتني في أزقة السوقة دون تاج ولا صولجان. أغرقتني في بحار العالم حتى ذاب الملح في فكري وعاطفتي، ملحٌ هذا الدماغ وملحٌ هذا القلب... هارب منك أنا لا ساع إليك. ألا زلت تغزلين كنفي ؟ وداعا يا بنيلوب... إن كانت الأرض كروية فسأعود لألبس الكفن العنقائي اللون مرة أخرى وإن كانت مسطحة كالبساط فسأمضي حتى النهاية، حتى أغرس حوافر سفينتي في الفراغ الكوني وأقتحم المجهول... ) (ص )
ذلك هو القاص وتلك هي قصته. مسكنه وكونه. وطنه ومنفاه. حبيبته وقاتلته. عنقاؤه وبيلوبه. ملح دماغه وملح قلبه... الخ وهلم شعرا.
وإذا كان لا يعيب القصيدة أن تنحو منحى سردياً فقصته المشحونة لغتها السردية بالصورة والرمز والإيحاء والمسكونة جملتها الشعرية بالموسيقى وزناً وإيقاعا لا يزيدها -هذا الشعر اللافت للنظر- إلا إبداعاً وإشباعاً ومؤانسة ً!..
وليس من قبيل الفضول أن يُثني الضيف على ذائقة مضيفه الفنية والجمالية في تأثيث بيته الجميل والأصيل. ولا شيء يمنعه حتى عن لمس هذه التحفة أو تلك أو أن يزنها "بميزان الذهب" !..
وفي (لقاء الكرامة) وضع الشاعر "السريفةَ" في عنقي قائلا ببساطة ويقينية : الشعر ليس وزناً وإذا اتفق أن جاء شعر في قصته فهو مجرد إيقاع أو من قبيل النثر الفني، إنه لا يكتب الشعر بل القصة وكفى الشعراء قتالاً وجدالا ً : أهو شاعر تفعيلة أم قصيدة نثر !؟ ..
وإذا كان الأمر كذلك -وهو ليس كذلك !- لماذا تطالعنا هذه الظاهرة -العروضية والشعرية- لدى شاعر قصة لا يتعمد كتابة الشعر، ولا نجدها لدى كاتب قصيدة يتقصد كتابة الشعر ؟! ..
وهل هي محض صدفة؟ كالصدفة التي شاءت أن يكون عنوان محل تجار بمرس السلطان –مكتوبا بهذه الكلمات التي لم يقصد الخطاط ولا صاحبه أن تجري على بحر الرمل (فاعلات ثلاث مرات) : "قاعة الألعاب خط الاستواء"!؟
وهل هي الأذن الموسيقية المدربة على الوزن و الإيقاع، بحكم دراسته وتدريسه "الشعر الجاهلي" الخ وهلم شعرا ؟!
لكن، من له دربة على الشعر قراءة أو كتابة يعرف أن قصيدة التفعيلة أن "تفعيل" مقاطع نثرية لا يمكن أن يأتي أبداً عفو الخاطر !
و (الخلاصة (في كل ذلك أن الشعر في (ديوان السندباد) قسمان : "غابر" و"ظاهر"، خفيّ يظهر من غير قصد وجليّ يصدر عن وعي ومع سبق إصرار وترصد !..
أولا : و"الغابر" منه هو ما يمكن أن يأتي عفو الخاطر وأن نأخذ فيه بعين الاعتبار : الصدفة والإيقاع والنثر الفني والأذن الموسيقية المدربة الخ وهلم شعراً ونثراً. وهذا النثر الشعري أو الشعر النثري مختلف تماما عن "الشعر المنثور" الذي يمكن العثور عليه مبثوثا في كثير من الأعمال الأدبية، قصصية وروائية وغير ذلك، خاصة ذات الاتجاه الذي يشتغل على اللغة باللغة (من أجل اللغة !) وهذا الرأي الأخير -وهو للأستاذ بوزفور نفسه- شبيه بقوله مرة لمن سأله : كيف تدرس (بالتحريك والتسكين) الشعر بالشعر بالشعر ؟ فأجابه : كقولنا علن الديموقراطية : حكم الشعب بالشعب من اجل الشعب !..
وحتى لا يعترض علي الشاعر الذي اعترض يوما على التوحيدي "سأطرح" جانباً قصيدة النثر، وهي كثيرة جدا في (ديوان السندباد) مقتصراً على ما فيه من نثر شعري وشعر نثري، موزون ومقفّى (وله معنى أيضا) !..
و الشعري الذي يأتي في النثري عفر الخاطر كثير جداً لا تخلو منه أية صفحة وقصة. وهر يرسب تارة ويطفو تارة في نسيجها اللغوي الشفيف والكثيف رفيعاً كالشعرة وحلواً كالسكرة ينداح فيها ويذوب، حتى ليبدو أن كاتب (ديوان السندباد) -كما قال الأخ محمد مكسي حقا وصدقا- "لا يكتب بالقلم بل يطرز بالإبرة". وما إخال هذه "الإبرة" إلا خليلية وأخفشية. وهي تدخل في بنية جملته السردية الموقعة والموزونة أيضا وأيضا ! وتتدخل في صياغتها الفنية تركيباً وصرفاً وصوتاً. بل إن هذا "الوزن " هو بالذات ما يجمع لحتها وسداها ويجعلها جملة شعرية، كثيفة وقصيرة، مغرية ومثيرة، غريبة وغنية بالتناص والانزياح، وقريبة من لغة التراث الشعبي والأدبي والأسطورة (ولغة الأم – واللغة الأم)
-بعبارة الكاتب نفسه- حتى ليبدو كأنه يدرّج الفصحى ويفصح الدارجة، مما يجعل جملتها، فصيحة ودارجة، أكثر جمالا ومرحا لذلك كذلك..
ومع أن الكاتب يرى أن (الكتابة غير الهندسة) (ص 119) فهو لا "يطرز بالإبرة" فحسب بل يرسم بالمسطرة أيضا، ويضبط إيقاع الكلمة والنغمة بالجبر والهندسة. ولا يكتب بالقلم الجاف أو الحبر الصيني فقط لا غير بل إنه يرسم ويطرز، يفصل ويخيط، يقيس ويزن، يسرد وينشد، ينقش وينحت من صخر ويعزف من بحر... ويعزف الكلمات بنغمات الأخفش والخليل !..
وبالتالي فإن هذه الظاهرة -العروضية والشعرية- ليست مجرد علاقة شكلية، فاترة وباردة، كقوله عن بطلته -ولها-
"أصبحت العلاقة بيننا شكلية محضة، أصبحت عروضية" (ص 204) وقولها له : "فقولن مفاعيلن أحمد. وأجيبها فقولن مفاعيلن أنانّا. وينتهي الحوار" !..
ومع أني لست وصيا على العروض أو مستشاراً عروضياً فإنني بدوري أحتج : عليك ! وعلى كتّاب "الشعر الرومي"، لماذا الاستخفاف "بعروض القريض" ؟ أنا لا أحب أكل الدجاج الرومي ولا الكروازي وأفضل عليه "الشعر البْلدي"!..
ومع ذلك -كذلك- يظل "الحوار" موصولا، لا ينتهي أبداً، كخيط أريان أو بنيلوب، لا يكاد ينتهي حتى يبتدئ من جديد... في الحياة كما في الكتابة !..
إنها إذن علاقة حب، قاس وعنيد، واعتراف متبادل بالجمال والجميل، واغتراف، لا يروي الغليل أبداً، من بحار الأخفش و الخليل.. وهي كذلك علاقة حوار، مشدودة وممدودة دائماً، كالحبل السُّري، بين الكاتب والمكتوب تتخلّق في (رحم المعاني) -بعبارة الكاتب- (ص 146) حتى تستوي القصة لديه نصاً وشخصاً سويا يسلك طريقه إلى قلوب القراء ودروب الحياة.. ومن هنا ذلك السر المكشوف والكشف السحري الذي تتكشف عنه سواء أثناء الميلاد والكتابة أو أثناء الإنشاد والإلقاء. ولذلك فالنثري في الشعري أو الشعري في النثري هما "ظلال" معانيها وجمال أغانيها الواضحة والصادحة، "الغابرة والظاهرة"، في مغانيها...
وهي إذ تكتب لا "تُسردُ بنغمة رتيبة مستوية لا تعطي أهمية للمعنى وظلاله كمن يقرأ قصيدة عمودية قديمة قراءة عروضية محضة تحافظ على البحر، وتلغي الدلالة" (ص 203) وحين تُقرأ لا تُقرأ أيضا : "بنغمة رتيبة... " الخ وهلم شعرا !..
ومن جملة الأمثلة على النثر الشعري الذي يكشف عن كل ذلك :
لنتأمل هذه الجمل والمقاطع ولنمعن (النظر في الوجه الع.. ) روضي :
1- "لقد كنت مكتفيا، بنفسي، و، بذلك الشيء الصغير، الملون الحلو الحلو الزوين الزوين الذي وضعت يدي عليه.." (ص 96) ما هو "ذلك الشيء" الصغير الملون الحلو الحلو الزوين الزوين الذي وضعت يدي عليه ؟ سأترك "الدلالة" لأصحابها – من الصاغة والنقدة "مكتفياً بنفسي" وهذا التقطيع العروضي :
السطر الأول من المتقارب والثاني شطر من مجزوء الكامل أو مجزوءالرجز إذا وقفنا على آخره وحذفنا منه العطف وإذا أضفنا إليه الصفة الثانية نحصل على شطر من السريع ولا أهمية للخبن الزائد ! أما "الحلو الحلو الزوين الزوين" ذو الإيقاع الدارجي الراقص والمرح فهو شطر من المتدارك. ولا يتكسر شيء إذا ألحقنا به الاسم الموصول والبقية : تفعيلتان يمكن نسبتهما إلى الوافر أو الهزج..
في هذه الجملة كما هو "ظاهر" تتردّد تفعيلات من ستة أبحر، خليلية هي : المتقارب والكامل والرجز والسريع والوافر (أو الهجز) والسادس أخفشي هو الخبب أو المتدارك أو المتحدث وتتعدّد التفعيلات فيها من تفعيلة واحدة فأكثر حتى يصل عددها في السطر الواحد -كما سنرى- إلى (14) تفعيلة -وأكثر- وهي متتالية بالتمام والكمال ! ..
2- ولنعد إلى قصة "الأعرج يتزوج" (ص 73) ولنقرأ هذه الجمل السردية:
- " الموت كحرف الهاء.. والفطيرة مالحةٌ.. هممتُ بالبكاء ولكنني أحسستُ بالجوع فعدوت نحو الدار"
وهي الأخرى عبارة قصيرة، في سطرها الأول تفعيلتان من المتدارك والثاني تفعيلتان من المتدارك كذلك والثالث تفعيلتان من الرجز والرابع ثلاث تفعيلات كاد أن يكون شطراً كاملاً من الطويل والخامس تفعيلتان من مجزوء الكامل.
هي إذن أربعة أبحر، ثلاثة خليلية والرابع أخفشي !..
3- وإذا تركنا "الأعرج يتزوج" -راجين ومتمنين له الشفاء والرفاء والبنات- وعدنا إلى "السعال" (ص 48) ماذا نجد في هذه الفقرة ؟
- "لا بد انه ذهبْ (رجز) يستلف الشعير ... آلبغل يتيه في المطرْ (رجز) والبرد، ويطرق أبواب الناسْ (متدارك) والعقرب تأكل خبز القمحْ (متدارك) وحدها في الخفاء (متدارك) يا خيبة الأولاد ؟ (رجز) مدت يدها (متدارك) الخ وهلم بحرا !..
هي إذن سبع جمل تجري على بحرين هما الرجز والمتدارك !..
4- وإذا عدنا ثانية إلى "الأعرج يتزوج" للتعرف على إيقاع حياته الزوجية -ولنترك الشاعر الألماني مستغرقا في صلاته على عشبه الأخضر في صدر الصفحة- ماذا سنرى ؟
- "مرزوقةٌ ؟ هي.. على ظهرها (شطر من السريع) صرةٌ تحمبها تحت الإزار (شطر من الرمل) في أذنيها تلمع الأقراط (شطر من الرجز) الشمس حاميّة.. (نصف شطر من البسيط).
وفي الصفحة التالية مباشرة ك إذا لم ننون التاء في مرزوقة كما في المقطع السابق وحركناها مع تحريك همزة الوصل في الفعل (إقتربت) والوقف عند آخر الفعل (أهربْ ؟) والاسم (الغولة) والفعل (تقتربْ) ولنلاحظ أن الاستفهام يسعف بهذا الوقف بل يجعله أجمل دلالياً وعروضياً. وبذلك نحصل على (14) تفعيلة متتالية من بحر واحد هو المتدارك على النحو التالي :
- "مرزو/قةُ إق/تربتْ/ وأنا/ لاأعْ/ رفُ ما/ ذا أف/ علُ، أه/ ربْ ؟ لما/ ذا ؟ هل/ هي غ/ ولةْ ؟ ولا/ كنّها/ تقتربْ.."
وهلم شعرا !..
ويمكن الحصول على أكثر من ذلك إذا واصلنا القراءة بنفس الوقف العروضي..
5- وعلى نفس الصفحة هذا الحوار :
- "سبحان الله ! (متدارك) حروفه على حروف أمه ورفعت ذقني بسبابتها وقبلتني في فمي" (رجز). يبتدئ بتفعيلتين وينتهي بثماني تفعيلات متتالية..
6- وفي (الألوان تلعب الورق...) هذه الجمل من خمس تفعيلات متتالية من الرمل (ص 44) :
-" كنت في سجن أنا الأخرى. ألا تفهم ؟ سجني كان أقسى". وبعدها مباشرة ثلاث تفعيلات من الرجز : "احتدّ صوتها وهاهي الدموع" !...
7- وفي "الكأس المكعبة" (ص 144) عشر تفعيلات متتالية (مع الوقف على تاء (الصامتْ) ولا أهمية للخبن الناقص طبعا) :
"وأقول اجهر بالداخل تبعثْ. اصدع بالصامت تظلّلْك الأشجار.. "
8- وفي "يسألونك عن القتل" هذه الجمل التي يصل عدد التفعيلات فيها إلى (12) تفعيلة متتالية من المتدارك كذلك : -"وأقول لنفسي : إلى أين يا أوليس ؟ أتهرب من بنيلوب بالسعي إليها أم تسعى.. " الخ وهلم شعرا ! ..
9- ومن "الغابر الظاهر" أن قصة "الأعرج يتزوج" على سبيل المثال طافحة بالموسيقى الصادحة والواضحة فيها بداية وسطا ونهاية :
- في الصفحة الأخيرة "حتى العريس لم يكن دخلْ (رجز). "ماذا فعلت مرزوقة ؟ (متدارك).. "جرى الرجال نحوها وأمسكوها.. فقدت عقلها.. (خمس تفعيلات من الرجز أو السريع وإذا واصلنا القراءة (حمقاء الله يحسن العون" نجد المتدارك.. وهكذا دواليك..
ويكفي أن نحذف حرفا كالعطف و(تحركوا على الطوار صامتين (رجز) أو نضيف : ألا (عم صباحاً أيها الجبل الأقرعْ) (شطر من الطويل) وأن نقف على آخر الكلمات حتى يتكشف لنا السطر عن شطر كامل، متعدد التفاعيل، من هذا البحر أو ذاك.. بل إن الجمل الأولى، في جميع القصص بلا استثناء موزونة، إذا لم نقف العناوين كذلك، مع تحوير بسيط جدا بالوقف وإضافة حرف أو حذف آخر، ولنقرأ بداية أية قصة كيفما اتفق في المجاميع الثلاث :
النظر في الوجه العزيز :
1. السعال : العصر، والجو بارد (المجتث).
2. المؤامرة : الطريق طويل و أبيض بين الأراضي (متدارك).
الغابر الظاهر :
1. مدخل عن العطش : في البداية نأكل خبز الشعير (متدارك).
2. أغلق الباب خلفك : أغلق الباب خلفك واخرج معي (متدارك).
صياد النعام :
1. الهندي : احك لي قصة (متدارك).
2. حصان الساعة... : انظر، ما أجمله ! (متدارك).
وإذا كان (ديوان السندباد) يبتدئ بالشعر فانه ينتهي بالشعر كذلك : "ماذا يهم إذا خسرتُ العالم ؟ (شطر كامل من الكامل). لقد ربحتُ نفسي (رجز) نفسي... نفْ ... (متدارك.).
10- و التوزيع الشعري حينا والنثري حينا إنما يموه أو يخفي الشعري "الغابر" في النثري "الظاهر".. وكم من شعري هو نثري شكلا وكم من نثري هو شعري أصلا :
"بالدم أبكيك يا حبي البعيد
بالدم أبكيك لا بالدموع
لم يجد دمي جرحا،
يتنفس منه يا حبي
فخرج من عيني.
فسبحان الذي لو شاء
مسخ الفراق لقاء
كما مسخ الدم دمعاً
كما مسخ الدم دمعاً يا حبيبي" (ص 38).
ورغم غياب البحر نسبيا وحصور الإيقاع (والتفعيلة كذلك المتراوحة بين المتقارب والمتدارك أكثر.. ) في هذا المعقطع الموزع توزيعاً نثرياً فهو أقرب إلى الشعري منه إلى النثري من مقطع آهر موزع شعريا، رغم حضور المتدارك والقافية والروي ومع أنه على شكل أغنية كذلك (ص ص 103-102):
ذات أصيلْ
كانت طفلة
على رأسها فونارة حمراء
لاهية مترعة بالشمس وبالريح وبالأفق الأملس كالسجادْ.
ذات أصيل
كانت الطفلة راعية الأغنام
تقترب في صحن القصدير الفارغْ
بحصاة ملساءْ
وتغني : أ يا آيا يا. آيا آيا يا ..
من كانت تلك الطفلة راعية الأغنام تنادي ؟
من تنادي الآن ؟
ويمكن التمثيل على هذا التوزيع النثري والشعري بأكثر من مقطع وفي أكثر من موقع، كهذا المعقطع الموزع نثريا
على حصانه الأبيض (رجز)
بوجهه الصبوح (رجز)
بسلهامه الأزرق (متقارب)
المتطاير في الريح (متدارك)
كان الفارس يسير (رجز)
يخلي بلداً ويعمر (آخر) (متدارك) -(الاقتراح مني)-
ويسير وبحيدا (متدارك)
لا يرافقه إلا ذئب وسلوقي (متدارك)
يسيران مقترنين (متقارب)
في ركابه (رمل)
وكلما صاح الناس متعجبين (رجز)
- سبحان الله ! (متدارك)
ذئب وسلوقيّ في قرنٍ واحد ؟ (متدارك)
قال الفارس : (متدارك)
اعجب من هذا (متدارك)
المرأة التي (قد) أكلت (الإضافة مني)
ولدها (رجز)
وهذا المقطع الموزع نثريا (ص 104) ولنلاحظ أن سطريه الأولين شطر كامل من الوافر أو الهجز والبقية تتردد فيها تفعيلات متقاربة وقريبة من هذا البحر أو ذاك :
"حبيبي مصطفى ؟
رجلي الصغير
هو ذا حبيبي
أستحلفكن يا بنات سقَر
أن ترصفن الطريق باللهب.
وتعطرن الجو بالدخان
هو ذا حبيبي قد أقبل
رجلي أقبل
وزيري أقبِلْ
تعال اجلس بجانبي
تعال احكم معي"
وهذا المقطع الموزع شعريا (ص ص 142-141) وهو من المتدارك والمتقارب معاً كما في الشعر الحديث مع كسور عروضية واضحة أو فاضحة ! ..
هذه الشعرة ؟
كلا ليستْ شعْرة شمسون
ولا شعرة معاوية
تزوجتني جنية
تزوجتني حين كنت صغيراً
زورتني أمي ضريح سيدي رزوق
فأحرقها السيد
وفي الرماد وجدتُ الشعرة - فاحتفظت بها
- سوداء كالرغبة – وطويلة كالزمن
بها كان يقو كسى على شيرين
و سأقوى، آمل، بها على القصيدة.
11- ولنغلق ونفتح (ديوان السندباد) على أية صفحة في أية قصة وأية جملة في أي سطر، أينما وليت طرفك تسمعْ خلف كل كلمة نغمة، وثمة في كل جملة تفعيلة وأكثر فأكثر وفي كل سطر شطر من بحر ... ومن ذلك هذه الأسطر- الأشطر الجارية على بحور مختلفة، تامة ومجزوءة ومنهوكة، وما هي إلا غيض من فيض في كل القصص والصفحات. وإذا قمنا بتركيبها وترتيبها
-هكذا- يمكن الحصول منها كما "آمل" على قصيدة :
بين يديها مجمر (رجز)
خلاخيل من الجمر (هزج)
هي ذي أم مصطفى ( )
اتكأت على الجدار الأصفر العالي (سريع)
كورقة صغيرة صفراء (رجز)
في البداية كانت تراه (متدارك)
لم يكن ذلك طفلا (رمل)
وقع الظل على الطفلة كوثر (رمل)
وحبة صغيرة وحيدة أفلتتْ (رمل)
عششتُ في عقله خنصري ونمت (رجز)
في الحلم حطّ على يدي (مجزوء الكامل)
سار على الرمل بطيئاً فارغ الذهن (سريع)
سار مسافة طويلة على الرمال (رجز)
وأشعل السيجارة الأولى (سريع)
صحراء كانت يدي والماء كان سرابْ (بسيط)
سافرتُ شهوراً في قاع العين الحمئة (متدارك)
صرخت حتى كاد ينشق جدار الحصاة (سريع)
أنت ثقيل السمع -أنت خافت الصوت لساني (رجز)
اجهر بالداخل تبعثْ (متدارك)
جرّد من نفسك شخصا (متدارك)
فقلما يموت إنسانُ (سريع)
الحمد لله على السلامة (رجز)
سمعتُ شخير الصغار (متقارب)
كأنما فوجئ.. أين كان (رجز)
عبد العزيز ؟ في محطة القطار (رجز)
طرح الجريدة جانبا (مجزوء الكامل)
في يده اليسرى جريدته (سريع)
أغرق عينه في الجريدة (مخلع البسيط)
لم يغمض عينيه الضيقتين (متدارك)
نسيت أن أقول لك (رجز)
عيناه صحراوان يا أمي (سريع)
لم أدر حتى هذه الساعة (سريع)
سأبدأ بعد أسبوع (هزج / وافر)
أختي لم تسرح بالماعز (متدارك)
وتحرق الدقائق الشهيدة (رجز)
تحيط نفسها بأولادها (سريع)
هانحن الآن ذوو أسماء (متدارك)
نسير جنبا لجنب (مجتث)
متأبطي الأذرع (كامل)
لماذا لا يحب الناس بعضهمُ.. (وافر/ هجز)
وأيّة لحظة ادخل ؟ (وافر/ هجز)
حاملا نعشك الخشبيّ (متدارك)
لا تلتفت إلى الوراء (رجز)
لا لهفة ولا عتاب (رجز)
احتفظت بيده الهاربة (سريع)
في الغابة يقطع أغصان الكريش (متدارك)
فتغزوه التجاعيد (وافر/ هزج)
وتفلي شعره الأجعد (وافر/ هزج)
ويطوف في الأسواق نفتي (الكامل)
ما أن نأكل شيئا حتى يفضحنا لونه.. (متدارك)
أقصد أن .. لا فائدة (رجز).
ومن الظاهر كذلك -كما آمل- ما في هذه الأسطر-الأشطر والجمل والمقاطع من انزياحات وإحالات حبلى بالتناص تمتح من لغة الديني والأسطوري والتراث الشعبي والأدبي ومن (لغة الأم واللغة الأم) بل إن (ديوان السندباد) "منتدى للقصة" والشعر، تجتمع فيه، بانتظام وانسجام، على مائدة واحدة، مشتهاة وحافلة بأشهى طعام وأحلى شراب، نصوص وشخوص عبدة من عبدة الفن والفكر والجمال وخدام الإنسانية والقصة والقصيدة من مؤتلف اللغات والأجناس ومختلف البحور والعصور، من بلزاك وهمنجواي وفولكنر إلى غوغول وتشيخوف وغوركي ودستوييفسكي ومنهم جميعا إلى أحمد بوزفور، ومن امرئ القيس والأعشى وأبي نواس والشريف الرضي إلى محمود درويش والشاعر الألماني، ومن أوليس وأنكيدو وأوفيد إلى عبد القادر بنعجيبة ومن شمشوه وشمهروش ومردة الجن والشياطين والغولة والعنقاء إلى بارمان البار والطيب والمعلم والمفتش والفنان والقتلة والأنبياء والشهداء، من آدم ولوط و العذراء إلى نيوتن واسبنجر وبراك ودافنسي وميكيل انج وسيزان ودالي إلى عبد الكريم الأزهر وبوشعيب الهبولي، ومن نشيد الإنشاد إلى قطتي صغيرة والأزرقي يا علم، ومن سنمار إلى عبد الكريم الخطابي ومن أغاني الأطفال والضفادع إلى شطحات الصوفية والشيخات ومن فينوس وبنيلوب إلى الحاجة الحمداوية "وزيد وزيد"..
وكل ذلك في عقد واحد أو قلادة من الجمان والخرز اليماني والعقيق واللآ لئ والجواهر التي تزين وتحلي جيد القصة والقصيدة.. وكل ذلك كذلك لا يقاربه النقد إلا لمحاً وإشارة و"على سبيل المثال" أو الثناء على الكاتب وقد أضحى التنائي بديلا ودليلا!.. ولا يجشمنا الكاتب كبير عناء لمعرفة أسماء الشخوص ومظان النصوص، إلا في مواقع قليلة، كما في هذه المقاطع "الغابرة الظاهرة" على سبيل المثال :
- "وانثنيتُ ولي.. " (ص ) إشارة إلى قول أبي نواس :
ما زلت أستل روح الدن في لطف وأستقي دمه من جوف مجروح
حتى انثنيتُ ولي روحان في جسدي و الدنّ منطرح جسماً بلا روح
- "تلفت القلب.. " (ص ) إشارة إلى قول الشريف الرضي :
وتلفتتْ عيني فمذ خفيتْ، عني الطولُ تلفتَ القلبُ
- "عم صباحا أيها الجبل الأقرع" (ص ) إشارة إلى قول امرئ القيس : ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي.
- "ألجأها المخاض إلى شجرة بلوط هرمة.. " (ص 193) إحالة على قصة سيدتنا مريم العذراء.
- "إلى الغابة تخرج فتأكل من كل الشجر إلا شجرة الرمان فإنك يوم تأكل منها تتعذب وتشقى.. " (ص 101) إحالة على
قصة أبينا آدم وأمنا حواء.
- "هو ذا حبيبي، أستحلفكن يا بنات سقر.. " (ص 104) إحالة على نشيد الإنشاد في الكتاب المقدس ومنه يثبت مقطعاً
في (ديوان السندباد).
- "لا تلتفت إلى الوراء، ألا تشم رائحة الدخان ؟.. ويلتفت فيتجمد تمثال ملح" إشارة إلى "قوم لوط" وقصة "سدوم". وفي (ديوان السندباد) المزيد والجديد دائما وأبدا..
12- ومن الأساليب التي يتوسل بها صاحب (ديوان السندباد) إلى كتابة القصة بالشعر أو كتابة الشعر بالقصة ضروب شتى كلها تجعل (السندباد) راحلا ومقيماً في براري النثر وبحار الشعر وتكشف عن شاعر في ثياب قاص وعن قاص في إهاب شاعر.. ومن ضروب هذه الأساليب إجمالا هذه الملامح والسمات التي أسوقها دون ترتيب ولا "منهجية" سوى "مرجعية" الذوق الخاص:
1- التقديم والتأخير: كما في :
- " صرة تحملها تحت الإزار"
- "ظلك كان".
- "يرسم قال".
- "وأما أكون لك".
- "إلى الجامع تذهب وإلى الغابة تخرج"..
2- قلب المعنى : كما في : "ثم غابت عنه الدنيا" بدلا من غاب عن الدنيا..
3- التجنيس : (وغيره من صفوف المعاني والبديع والبيان) كما في :
- "وترتعب وترتعد وتلتفت وتلتف" (ص 192).
- "إلى غرفة المرأة النفساء دخلت النساء إلى غرفة غانية النفساء دخلت النساء العجائز القبيحات المتشحات.. "
ص187.
4- الصوتيات : وهي أكثر من أن تحصى كما في :
- "وقال ابتعد.. تعد.. تعد.. تعد"
- "في العالم آلم آلم آلم "
- "هدوءا.. هدو وووءا"
- و"الخ .. الخ .. الخ .. " (ص 157).
5 - الإكثار من التكرار : (مع تعداد) الحال والأسماء والأفعال والصفات وغير ذلك من عناصر الجملة الإسنادية – الأساسية والثانوية كالمتممات والمكلمات والفضلات. كما في :
- "قويا أنيقا نظيفا خدوما مفعما بالود أربعة وعشرين قيراطاً" (ص 141). "جميل.. جميل كفضيحة، فضيحة علنية مجلجلة" (ص 129). "عينا الرجل العاريتين، الضيقتين، الحالمتين، المتأملتين، الناظرتين" (ص 180). "تظهر عينا الرجل القصيرتا النظر مدهوشتين ثم قلقتين ثم فزعتين" (ص 181). "ابتسمت وناغت وهزت، باست وربتت" (ص 185). "أين الدم ؟ أين الدم؟ أين الدم ؟" "أمكنة. أمكنة. أمكنة"، "طفلا طفلا طفلا" "البرد البرد البرد"..
وهو تكرار وتعداد لا يعاب بل يضفي على الجملة شعرية وحيوية ومرحاً ومسحاً من الجمال توكيداً وتكسيراً للرتابة والملال ولا داعي للإكثار وهو القائل : "لغتي مسكونة بالفعل والفاعل والحال".. (ص ).
6- "الحذف والاختزال" - بعبارعة الكاتب نفسه – وهو القائل أيضا : "حدثها عن جمال الحذف والاختزال" كما في :
- "هانحن في... هانحن مع.. هانحن وسط... " (ص 117 ).
- "أقصد أن.. لا فائدة".
إلى آخره وهلم "حذفا واختزالا" وغير ذلك من الطرائق والأساليب التي تجعل الجملة السردية جملة شعرية، بسيطة وعميقة، غنية وغريبة، كثيفة وشفيفة، حميمية وأليفة، راقصة ومرحة، ساخرة وثأئرة، قلقة وعنيقة، متوترة ومتمردة وبعبارة واحدة "سهلة وممتنعة" صرفاً ونحواً وصوتا و لغة وبلاغة، ناهيك عن أنها الفصحى و يفصح الدارجة كما في :" يخلي بلداً ويعمربلدا" و"تفلي شعره الأجعد" و"شربت المحنة" و"تشطب الدار، تحلب الأبقار، تخبز وتطبخ، تجلب الحطب، وتستقي الماء، تجمع الزرع" وغير ذلك كثير، مما يفند مقولته : (الكتابة غير الهندسة) ويؤكد أنه "يطرز بالإبرة" ويرسم بالمسطرة والفرشاة وينقش وينحت بالإزميل وغير ذلك من "الأدوات" التي يشحذ بها "اللغة" ويقشر معانيها ويحليها بذوق "مزين ماهر" يقصها ويعطرها ويزينها بصفوف الحكم وصنوف الحلي والحلل، ليزفها إلينا، نحن قراءه، كعروس ///،/ آية في الفتنة والجمال بلا أصباغ أو مساحيق لكنها مع ذلك كالحسناء المتقلبة الأطوار والأهواء : قصة عصية وقصيدة عنيدة..
ولكن "السر والملح" فيها إنما هو الشعر!..
13- و هو يصدر عن عمد وقصد ومع سبق إصرار وترصد. والقصدية إنما تظهر في" النية"و "الإصرار" على "اقتراف" الشعر ومما يكشف عن هذا الترصد : الطرق التي "يسلكها" الكاتب في اختيارواستعمال صيغ دون أخرى، من الأفعال والأسماء والمصادر والصفات والروابط والحروف والضمائر والأدوات، بالتشديد تارة والتخفيف أخرى، وبالتكرار والعطف آنا وآنا بالحذف والإختزال، وبالوقف العروضي- لا الدلالي- وذلك بتسكين حرف معين، ضرورة في الحشو كما في آخر الجمل والكلمات، وبالحذف في مواع والإثبات في مواقع أخرى ، وبالتوزيع الشعري حينا والنثري حينا، وبحضور القافية والروي والتفعيلة والبحر وتمييز مقاطع دون أخرى بالشكل الإعرابي وحصرها بين مزدوجتين إلخ وهلم شعرا.. سواء في "الغابر"من النثر الشعري أو "الظاهر "من الشعر النثري.
وفي الأمثلة السالفة ما يكفي دليلا ويشفي غليلا ومع ذلك:
1-الأفعال: كاستعمال الأفعال المزيدة بدلا من المجردة في مواقع أخرى كما في:
-"نفضت قرون استشعاري " (متدارك )(ص62)
-"واستوفزت اصاعدت رأيت القمر الغارق يبكي"(ص63)(متدارك)
-"وتساقط في الأيدي الناعمة البيضاء " (متدارك)(ص..)
وفي مواقع أخرى تختار أفعال مجردة بدلا من المزيدة كما في "لقط"بدلا من "التقط":
-"ما أن تظهر حتى يلقطك التجار.. " (متدارك)(ص63).
2-الأسماء والمصادر: كاستعمال صيغة الجمع "أعين بدلا من (عيون)"كما في:
"يمد رجله أمام أعين المارة لم تكن.."(رجز)(ص..)
3- الأدوات: كأداة التشبيه في هذا الشطر المحزوم:
و"دببت على الأرض كما الحشرة" (متدارك)(ص62)
وهكذا دواليك في اختيار صيغ وأوزان صرفية في مواضع واختيار غيرها في مواقع أخرى كأسماء الفاعل والمفعول والصفات الخ..
4 -التشديد والتخفيف: كتشديد ميم"الدم" ثم تخفيفها مرة أخرى، والتشديد هنا ضروري عروضيا، فوق غير معهود إلا في الشعر:
- "من أين لها هذا الدم؟ رأيت الدم يقطر من زمن والمرأة تمشي من زمن والدم يقطر لا وقفت لحظة تستريح ولا انقطع الدم يا سيدتي... "(متدارك)(ص63)
5- التكرار: وهو تعداد تقتضيه الضرورة أيضا كما في:
الفعل: -"كالطير معلقة أنت على عنقي قلت وقلت ملامح وجهي.."
-"ودببت على الأرض كما الحشرة. نفضت قرون استشعاري ودببت فأظلت .."(متدارك).
-"عششت في عقلة خنصري ونمت. حلمت أنني نمت وأنني أحلم أي يوم "(رجز)(ص53).
الضمير: كما في : -"وأنا..أنا سيناء"(الحامل)(ص8).
-"أنت ثقيل السمع-أنت خافت الصوت-لساني"(رجز)()ص62
-"يا ابن طفيل أنا"حي"وأنا ملذوغ فأشاح"(متدارك)(ص61)
6-الحذف والإثبات: كإثبات روابط وحروف وأدوات وضمائر في مواضع وحذفها في مواقع أخرى.
-إثبات النداء:
"حولي سمك يفغر فاه أيا سمك القاع أنا لست نبيا .." (متدارك)ص63
"يا زمن الخلق رين زمان الإمام ويا تراب" (رجز /الكامل)ص63
«وأقول لنفسي: أتهرب يا أو ليس؟»(متدارك)ص1
- وحذفه في:
"قلت وقلت ملامح وجهي الضائع كيف ألمك..." (متدارك)ص..
"خديجة ..عبد العزيز هيا بنا نتحرك"(متقارب) ص..
-إثبات العطف: وهو أكثر من أن يحصى كما في:
-"يشرب ويحب ويحب ويسافر ويغني ويرقص.."
-"على جبيني الطوب والتراب والغبار .."(رجزص62)
-وحذفه: أكثر كما في:
-"السيارات تمر، الأضواء تلمع، المطر يسقط"(ص170).
-"والعالم لايسمع ،لايرى ،لايعرف، يكف عن التقدم يقف على عتبة الدماغ" (ص145)
-"العاشق الملون المثير، الأشقر الفاتن" (رجز)ص40
-"والعاشق المفتون، الفارس البطل"(رجز)ص40
-"..وأنتم؟ نكنس-نضبغ-ن--- -نرصف- نشحذ-نسرق نحيا بالكاد ونعمل حتى فاض على جبهتها العرق المالح ..."(متدارك) (ص63)
-إثبات الضمير: في مواقع كثيرة جدا:
-"لماذا أعذب نفسي وهل أنا أعرف؟"(متقارب)(ص160)
-"وهل أنا أعرفه؟"(رجز) (ص45)
-"يا ابن طفيل أنا "حي"وأنا ملذوغ.."(متدارك)ص61
-"قفزت أنا واقفا، وقامت"(متقارب)ص69
-وحذفه: كثير أيضا:
-"اللحظة شخت وما زلت سجين القاع"(متدارك)
وهكذا في إثابت النون في فعل كان كما في :
-"حتى العريس لم يكن دخل "(رجز) ص75
وحذفها تارة أخرى ضرورة:
-"..لم أك أعرف أخرى من أنتم؟.."(متدارك)ص63
وهكذا الأمر بالنسبة لأدوات أخرى كثيرة مثل حروف"الإلصاق"(قد،لقد)و"بعد بدلا من لايزال"الخ وهلمحذفا ووقفا
7- الوقف: في مواقع كثيرة، في الحشو كما في آخر الجمل والكلمات، كالموقف على الحشرة ضرورة :
-"ودبت على الأرض كما الحشرة / نفضت قرون استشعاري"(متدارك )وعند الفعل (حوكم)ضرورة أيضا:
-"كنا أطفالا قتلى في جر سيف وقاتلنا-قالوا-بوحمرون فهل حوكم؟لم أك أعرف..."(متدارك)
وفي وسط الجملة كما في :
-" يازمن التخلف أين زمان الأمام ويا تراب (التسكين من الكاتب)أرني نفسك (التسكين مني )أرني نفسي اللحظة شخت.."(متدارك)ص3
-"..في صحن القصدير الفارغ(التسكين مني) بحصاة ملساء (تسكين الكاتب)"(متدارك)
-"من خلفي كانت تمشي امرأة مذبوحة(تسكين الكاتب )"(متدارك)
-"هذه الشعرة. ليست شعرة شمسون (متدارك) ولنلاحظ تحريك الشعرة تارة وتسكينها مرة أخرىضرورة.."
-"وأية لحظة أدخل ؟"(هزج/وافر)
-"وكنت جائعا ولم أجد ما آكله"(رجز)
-"أقصد أن ..لا فائدة"(رجز)
-"ويعمد الكابت إلى الوقف على كثير من الكلمات بالسكون الحي والظاهر سواء حتى يلقطك التجار.."(متدارك)
-"العالم ليس كما نقرأ في الجغرافية قارات خمس(التكسن من الكاتب)العلم قارتان.."
ولاضرورة دلالية طبعا تملى مثل هذه الوقفات سوى الضرورة العروضية، اللهم إلا إذا كان الأمر تيعلق بشيء آخر لايعرفه إلاذلك الأعرابي الذي وقف قديما .
على التاء الساكنة المربوطة مبسوطة حين نادى "يا أهل سورة البقرت؟"فقيل له:"والله ما أحفظ منها آيت"؟..
ولنا أن نتساءل بعد هذا وذاك: من ينشغل بكل هذه الأمور ويشتغل عليها أكثر من الآخر: القاص أم الشاعر؟..
ثانيا:
أما الشعري "الغابر الظاهر"في النثري فهو واضح للعيان ولا يجشمنا عناء كبيرا "لوضع اليد عليه "خاصة تلك المقاطع التي يقوم الكاتب نفسه بتوزيعها شعريا وتمييزها بالشكل الإعرابي والمزدوجتين والوقف فيها عند آخر الجمل والكلمات، بالسكون الحي على حرف الروي وفي الحشو أيضا، ناهيك عن الحضور القوي للقافية والتفعيلة والبحور الخليلية والأحفشي.. وإذا كان شاعر (ديوان السندباد )خليليا أو أخفشيا في النوعين معا، "غابره وظاهره" فهو "بالواضح والمرموز" أخفشي أكثر مما خليلي. ولا أرى تعليلا لهيمنة"الخبب أو المتدارك أو المحدث"سوى ما أوصي به هذه المصطلحات نفسها من "خبب" الخيول والخيال و"حداثة "البحر واللغة والقصة والقصيدة و"دراك "الشوارد والطرائد في بحار النثر وبراري الشعر.. وقد عبرت عن ذلك إحدى القارئات (في لقاء الكرامة ) بسؤالها عن تلك المفارقة الغريبة والعجيبة الملاحظة في شخصية الكاتب: عنيف نصا وهادئ شخصا؟.فأجاب: "لعل ذاك لذاك "؟ -وهذه العبارة نفسها شطر كامل من بحر المجتث فهو إذن شاعر بالسليقة والارتجال، أليس كذلك ؟والمفاراقات جميلة، في النصوص كذلك، غريبة وعجيبة أيضا، مثلما عبرت إحدى بطلاته، قائلة لأمها: "هل تريدين كيف كان يتغزل بي؟ نظم في الشعر نفسه.. ولكن أي شعر؟
عيناك ميراجتان (سريع)
فمك اقتراح للسلام (كامل)
وجهك مؤتمر (رجز)
وأنا سيناء (كامل)
هذا نمودج من شعره"-تعلق على ذلك بطلته-قطة الخرائب- متنهدة ربما أو ساخرة من هذا النسيب الغريب والعجيب أجل، مثل هذه النمادج تطالعنا كثيرا في المجامع الثلاث: ولكن، بدرجة أقل في "صياد النعام" وما ذلكبغريب ولا عجيب ما دام ينشغل فيه أكثر بالكتابة داخل الكتابة؟..(كما سنرى ). وهذه النمادج، حالة ومفارقة كذلك، على شكل مرئيات وغزليات، رباعيات وأغنيات، على لسن أطفال وضفادع وعلى لسان حبيبات الرمان (متدارك ):
نحن حبيبات الرمان
نخرج عن تاريخ الجدران
نسخو بالحب ونسخو بالدم
ونشق القشرة عن جسد الإنسان
وهي ذات إيقاع عروضي ودلالي شبيهة بأغنية للجنبات عند بوشكين في تراجيديا القصيدة(روسالكا أو حورية الماء ) إذ تخرج الحوريات الصغيرات ليلا، من أعماق نهر دنيبر،تشق غدائرهن عباب الماء، وينشفن شعورهن الخضراء، تحت ضوء القمر، على الضفاف، في الغابة، بأغانينهن الجميلة عن الأسماكوقصور المرجان...
ولا يتوسل الكاتب بأغاني الأطفال والرباعيات بل بأشكال أخرى، كالقزام نظام الشطرين كما في أغنيةالضفدعة أو (عين المصباح)(ص154)(متدارك:)
عين المصباح فرق مسروق
عين المصباح جسد المعشوق
عين المصباح قطرة ماء أخضر والدنيا حبة برقوق
وهذا المقطع الشبيه شكلا بالموشح (رجز+متدارك+متقارب):
ياأيها التراب الأسود الخائن
يا أيها التراب
كل الأحباب
خلف البحر وخلف القبر وخلف الجدران
وانت الآن
أيها الأرمل الخائن
سخي سخي سخي وساخن
وإذا كان الشكل هنا واضحا أو "فاضحا" فإنه في مقاطع ومواقع أخرى ممره بالتوزيع النثري، كهذين السطرين، يجريان على بحر المتدارك كذلك، مميزين بالشكل الإعرابي والمزدوجتين (ص62): "رسل الماضي والمستقبل كالطير معلقة أنت على عنقي قلت وقلت ملامح وجهي الضائع كيف أملك.."ولا يعفي على أثرهما العروضي ذلك السطر النثري الشارد بعدهما خارج المزدوجتين: يا أنا صرخت فما رد شيء. مما يدل تردد الكاتب أحيانا في التوزيع شعريا تارة ونثريا أخرى أو بالواضح مرة أخرى مع وجود "الديكودور" الخليلي والأخفشي.. كما في هذه الخبيبات الموزعة شعريا بالواضح (صص99-100):
ياألوان الخوف ألوان الحب وألوان الحقد
يا أصوات الخوفف واصوات الحب وأصوات الحقد
في أية بوتقة أضحك
وباي مقادير
حتى استقطر منك الماعين الأبيض والأسود
لو اعرف كنت أنا الإكسير
ولكن، في أغنية عن الغابة، يبدأ التوزيع شويا، دون شكل أو مزدوجتين:
فيا أشجار الغبة العريانة
يا أمجار الغابة السهرانة
ويا بوم الغابة اليقظان
لماذا يخرج بالليل أطفال هذا الزمان؟
قالت الأشحار: ماتت الأم
قالت الأحجار : تزوج الأب
قال البوم: لايرضي الأطفال الظلم
قالت الشجار والأحجار والبوم: الحياة حارة.
ثم فجأة "ينقطع الإرسال" بالمرموز والتشويش النثري على مقطع خببي، مع كسر عروضي بسيط، يمكن توزيعه شعريا بالواضح على الشكل التالي:
-- على الأطفال الشجعان
بلعتهم مرحبة الماء
وغار بهم سكان الغدران
الأقدام الحافية الرخصة
وخزتها إبر الجن
عرفت شوك الإسم وشوك السر وشوك الظن.
وبعد ذلك سطر نثر. ولنلاحظ كيف جعل الكاتب همزة الوصل قطعا في (الإسم )عمدا وقصدا وضرورة. وبعد صفحتين أو حصتين من الإرسال "النثري"يعود ثانية نفس الإنقطاع والتردد بالواضح تارة:
فيا أشجار الغابة الحبلى
يا أشجار الغابة الثكلي
ويا بوم الغابة المظلوم:أين الدم؟
قالت الأشجار: دم الغدرة، ثلت الشعرة
قالت الأحجار: دم القرابة، الثلث الثاني
قال البوم: من يفلق الشعرة
تفلقه الشعرة
ودم الثأر
الثلث الباقي
وقالت الأشجار والأحجار والبوم: الخوا حارة .
و"بالمرموز" مرة ثانية ليعود، بعد انقطاع نثري، التوزيع الشعري شيئا فشيئا بمرثاة الطفلة (كوثر ) :
ويا أيتها الأشجار والأحجار والأبوام: الموت حارة .
رجال البلاد
سكان الأضرحة ذوات القبب الخضراء في قمة جبل شامخ
وتداركوا أمر الأرض والزمن الفاسد والجبل الماسخ لكم تقبل في الجمع شفاعة
اتفقوا وأعطوا التسليم
وصلوا الفجر جماعة
ورغم ما يشوب بعض المقاطع من كسر عروضي يمكن "جبره "بالقراءة والوقف وحتى بتدريج الفصحى أحيانا، فإنها ليست من قبيل السجع الذي يغيب فيه تماما الروي والتفعيلة والقصدية كذلك..
ولا يفلح التوزيع النثري في إخفاء الشعري في النثري، وإذا لم يعد قصيدة نثر فهو بالأكيد قصيدة تفعيلة ، عروضا ودلالة، يكشف عنها والنية والترصد، تمييزها بالشكل الإعرابي وحصرها بين مزدوجتين والوقففيها عند جمل وكلمات بالسكون الحي على حرف الروي وحضور التفعيلة والبحر ..
ومن لم يقنع أو يقتنع فليقرأ أو يسمع قصة هذه القصيدة:
من (رؤيا حمداش لاينقصها لتصبح شعرا سوى حرف واحد هو"الواو"لأن فيها خرما وهي كلها من بحر المتدارك:
و( دببت على الألاض كما الحشرة
نفضت قرون استشعاري
ودببت فأظلت على مثل المحشر
أبصرت ألوفا أطالاورجالا ونساء
من أنتم؟- كنا أطفالا قتلى
في جر سيف وقاتلنا-قالوا -
بوحمرون فهل ----؟
لم أك أعرف من أنتم؟ كنا عمالا
بالنفق 38 وأضد بنا-انتم؟-
كنا فلاحين وكنا قبل 1912
نملك أرضا في الغرب-وأنتم؟-
مرضى في كل المستشفيات
أنتم؟-نكنس نمسح نصبغ
نطحن نصهر نبني نرصف نشحذ
نسرق نحيا بالكاد ونعمل حتى
فاض على جبهتنا العرق المالح أحمر متسخا
وتساقط في الأيدي الناعمة البيضاء
ملايير من الورق البنكي جديدا
يذبح أعناق الطير، ومن خلفي
كانت تمشي امرأة مذبوحه
ياسيدتي قلت ومن أنت؟ (من أين لها هذا الدم؟ رأيت الدم يقطر من زمن
والمرأة تمشي من زمن والدم يقطر لا وقفت
لحظة تستريح ولاانقطع الدم)يا سيدتي
قلت ومن أنت؟ فما ردت
يا زمن الخلف أين زمان الأمام وياتراب
أرني نفسك
أرني نفسي اللحظة شخت وما
زلت سجين القاع .. استيقظ حولي
سمك يقعر فاه أيا سمك القاع أنا
لست نبيا لؤلؤهذا البحر يفر إلى الأعلى
فلترفعني رافعة الؤلؤ فلترفعني
رافعة اللؤلؤ- ما أن تظهر حتى
يلقطك التجار
-ناديت الغرقى في كل بحار العالم
واستوفزت اصاعدت رأيت القمر الغرق
يبكي ضوءا ورآه الغرقى
فتناثرت لطقات من الشطآن فجئت إليكم
وأنا أعلم أن العالم ليس كما نقرأ في
الجغرافية قارات خمس..
وبالوقف على حرف الروي(خمس،-وهو منصوب محلا؟)
يضع الكاتب نقطة لنهاية "إرسالها"شعرا وبعد ذلك ثلاثة أسطر نثرا وتنتهي القصة-القصيدة .
وإذا لم يكن ينقص هذه القصيدة إلا حرف"الواو"لتصبح شعرا فإذا في قصة "أغلق الباب خلفك "(ص196)مقطعين، على العكس من ذلك، ليس فيهما من النثر أو القصة إلا حرف واحد، هو "الواو"كذلك، لو حذفناه -ضرورة-وجمعناهما ووزعناهما شعريا نحصل على قصيدة أخرى تأتي مباشرة بعد هذا البيت لمحمود درويش :"قل مع القائل:لم أسألك عبئا هينا ياإلهي أعطني ظهرا قويا"وتتخللها فقرة نثرية تنتهي
بسطرين هما في حقيقتهما شطران أو بيتان شاردان خارج المزدوجتين :
"أمس دخلت جواي
خغاوت إلى نفسي فتفتت
قفزت أشيائي الصغرى
تتناثر من حولي
وتعود إلي كأطفال في بركة ماء
حب عروبي
يعجبك يشتاق ولا يتقدم
حررف حلو كالسكرة يذوب
ويرسب لايتكلم
شبر سماء أزرق
ذات أصيل صيغي
ينبض كالبرق الخلب
لايمطر لا يتلاشى
ووجوه
ملامح أغدقت عليها زمني
يا ويحي
حتى سيجها كزجاج أبصرها
تتحرك[و]لاأسمع صوتا ..ياه
ما أكثرها.. أصغرها
أبعدها..أدناها
أفنساها...ما...وتفتتت
وافرح، فالكون يحب الفرحان
والآن نغارف
"وتسابقنا نحو الراية
أسمع من حولي ضبط الأقدام
على الأرض وجع الأنفاس
صفير الريح
وأبصر في كل الأشياء الآية
الركب السمراء
تخوص فضاء العصر مصممة
والعصر يلاقيها
ويتابعها مذهولا
وأنا أتقدم خلف أمام مع الركب السمراء
وأبصر في كل شيء آية
يا ويحي
ما أطول هذا المارطون!
الشوك الأحجار العقبات الجمهور البارد
والعصر يراقبنا بالمنظار
وفي يده ثنيا حبل المضمار...
وعلى نفس السطر، مباشرة، ثلاث جمل لو وزعت
شويا لكانت رباعية من بحر الرجز، على غرار
رباعيات أمل دنقل، بهذا الشكل:
ما الفائدة ؟
مخين ندت من وراء
العوس العظارية
تراجعنا نحو الراية
والخلاصة من كل ذلك : أن (ديوان السندباد) طافح
بالنثر الشعري والشعر النثري. ولسي م المبالغة في شيء القول: إننا لو استعنا بالحاسوب وأعدنا فيه التوزيع والترتيب والتوضيب والتقطيع شكلا لوجدناه فعلا- كله أو جله لا يهم- "ديوان شعر "في جوهره وجواهره أكثرمما هو في ظاهره وظواهره »مجموعة قصص" أو هي بالأحرى واحات، ظليلة وجميلة،"غابرة وظاهرة"في (جزيرة الضوء النائية) والدانية، تسرح فيها ظباء الشعر المشاردة، بين الجداول والخمائل وتمرح عليها شعوب وقبائل وكاتب (ديوان السندباد) قاصا وشاعرا، راحلا ومقيما، في براري النثر وبحار الشعر، "يكتب سيرة الظل "(اقرأ ص 169):
ظل الشعر الحريري الهفهاف وظل الحجر العميق والكثيف الظل المنعكس على الجذور في أعماق الغابة ... وظل السنبلة والعشبة والسحابة. ظل الصغير وظل البعيد الموحيان بالشفقة واليأس كالأبناء ..ظل الضخم وظل القريب الموحيان بالبرد كالماضي...الظل أيضا ضوء .... الظل هو الضوء...هو خلو الضوء "... ولأن الظل ضوء فهو ويكتب سيرتهما وحدهما بل يكتب في الظل وتحت الأضاء كذلك ، سيرته هو، سيرتنا، ذاته هو- ذواتنا ، قصته وقصيدة، وهو إذ يكتبه- يكتبه- يكتبها نحن أيضا... بالصمت، والصوت، بالشعر والنثر، باللون والصورة، بالعين والحسد، بالرغبة والغربة، بالدم والدمع ، بالسهر والحمى، بالألم والحلم، بالشعبي والأدبي، بالمنامات والسرنمات، بالدارج والفصيح، بالديني والأسطوري، والسينما والتشكيل والموسيقى وبكل الحواس والأجناس الممكنة والمستحيلة إلخ وهلم شعرا...
وهو الذي رأى وكتب : "الصمت هو معنى الصوت"
والجسد شعب بدائي فوضوي قبلي محارب يأكل بنهم ويشرب بعطش ويتحرك بقوة. كل عضو فيه سيدحر ،
يدق طبله بسرعة ولهوجة وعنف ، وتجاوب دقات الطبول حتى تصم الآذان ويغيب العالم كله بشرا وتاريخيا وحضارات ومعارف وأفكارا وأخلاقيا، ولا يبقى سيدا سائذا إلا الصوت: صوتا خاما ليس له معنى لأنه رحم المعاني.."(ص146)
وبلسان (السندباد)يسأل ويجيب :
"هل يمكن أن أطرح كل شيء -كل شيء وأرحل ؟ "
2 "- أطرح كل شيء، وارحل، لاإلى مكان ، حيثما تول وجهك يبتلعك المكان. 3 سأطرح كل شيء ، وأبقى ، الذي يرحل ، لايخرج، يحمل معه أحلامه، سأطرح كل شيء، وألقى ... أطرح كل شيء وأقول : أجهر بالداخل تبعث، اصدع بالصامت تظللك الأشجار .."(صص143-144)
وتلك هي قصته-وسيرته- واحته الجميلة والظليلة، و(جزيرته الضوئية النائية)والدانية، "الغابرة والظاهرة "في مدن الخيام و"صقيع العالم"وبوصلتته الواضحة المسار والإتجاه والمؤشرات (ثم هي بعد كل شيء نحن مادتنا الخام)-بعبارته في (مدخل عن العطش). وذلك (المدخل)في اعتقادي هو الذات عتبة الدخول إلى (ديوان السندباد) أو هو بيان أو ما نيفست الكتابة لدى الكاتب أو ما سماه (بالتكتب) (في لقء الكرامة)ويعني بذلك: اشتغال الكاتب بالكتابة داخل الكتابة...وفي ظني أن الكاتب لا يكتب، على حد تعبيره، إلا لأن (قدر هذه القصة أن تحكي واقعا لا تملكه،وأن تغني أعماقا لاتملكها)(ص118).
ولا يكتب الكاتب-أي كاتب- إلا.. لأنه يكتب أو على حد تعبيره أيضا:"لماذا أعذب نفسي وهل أنا أعرف؟"وهل نحن جميعا نعرف؟ أجل جميعا نعرف؟ أجل، إننا نعرف أنه، كالسندباد، لا يملك كنوزا ولاقصورا، ولا شراع لديه إلا الضياع، والإقامة والرحيل، في براري النثر ةبحار الشعر، في هذا"العراء الذي نملك" وكالغجري، جوالا ومشاء ووحكاء، في العراء يبحث عن "ذلك الشيء " "الحلو الحلو الزوين الزوين" ومن أجله يقتحم "المجهول "والجميل، نصا وشخصا، مختلفا داخل المكان، ومؤتلفا خارج الزمان...
ولذلك يقول في خاتمة المطاف ولاطاف إلا في هذه الإبتهالات والترتيلات الجنازية والعبثية : "هذا كله ياسيدتي غطاء، أقنعة، قشريني يا أشعة السماء، تجدي جوهري الظاهر والصافي: العدم لا أنظف م العدم ذرة الوجود الأولى يا سيدتي وسخ، خلية الوجد الأولى يا سيدتي وسخ،لذلك كله كلما ازددت وسخا ازددت وجودا وعذابا ووحدة مثلك يا جزيرة الضوء النائية ."(ص143)
وفي هوس (المهموم بالكتابة )وتكثيف الزمنوالوعي تتخلف القصيدة، في (رحم المعاني) على (شكل أو ليس ثم تزداد صغرا وعمقا، وشتع في خياله كالماسة من جميع الزوايا لتصبح قصيدة شعر، على أنه في الأخير يحلم بالجملة الخالدة "الجملة الكومبيوتر" على حد تعبيره: جمل واحدة يجمع فيها الكون كله..."(ص216)
ولذلك أعتقد أن الكاتب لايكتب إلا لأنه يكتب وهو لا ينكتب إلا لأنه يشعر بالبرد ويحس بالعطش، ولولا خشبية م كلال التطويل وملاك التفصيل لأعدت قراءة أو كتابة نص (مدخل عن العطش"حرفا حرفا وهو القصيدة الأجمل والقصة الأحفل بما يشفي غليلا ويكفي دليلا على مقاصد الكاتب والكتابة وهو بوصلته الهادية ، كخيط أريان، الممتد طويلا، طويلا، داخل المتاهة الممعنة في الإتساع والغرابة ..ولا يبقى، بعد هذا وذاك، إلا "ميناتور"للأسئلة الموغلةة في الخيبة والغربة والمرارة والضيلع والكآبة ،
بحثنا عن النهاية في البداية ، وحفرا في "بئر" القصة والقصيدة ، عن "الماء السري" وهو القائل: "مجنون بالحفر في كل الأرجاء "(ص119) و"يدي في النار، وهذه القصة صراخ النجدة ليست صحية المخاض ولا حشرجة الإحتضار". إنها إذن "سفلر تكوين "قصصي وشعري مفتوح دائما وأبدا لا يكاد ينتهي حتى يبتدئ من جديد، في الحياة كما في الكتابة، وفي القصة كما في القصيدة ...(وهاهو البحر في سن النضج فنشرب حتى نرتوي وهيهات هانحن في ..ها نحنمع... ها نحن وسط...فلنبن حتى إن لم نشأ، ولنبن)(ص117)
وبلسان الكاب جميعا يقول: "في البداية يعجبنا ما نكتب لأنه نسخة بديعة التقليد، ثم ما يكتب لأنه نسخة بديعة الصنع وفي الأخير يسئمنا ذلك كله. تملأنا الخيبة والمرارة والشك والسخرية. ونبحث عن الماء السري الذي تشرب منه الشياطين، تستيقظ الطفولة، والكرامة، والهوية تطلب السقيا والتحقق"و"يا أنت، ياأنا كيف أجرك، كيف أنجر، كيف أمحو الجر..لو شربت"
حتى الغطس لم أرتو...فعني يا كل البسامل المسبقة ، وإلي إلي يا كل الشياطين السابقة أنا جحيمك الصفر- فلنبدأ"(ص117)
ولنا أن نسأل : م اين نبدأ؟ وإلى أين تنتهي؟ ومتى وكيف؟ ومن أجل ماذا وبماذا ولمن؟ وهو يجيب: "ها أنذا أجمع الفعل والفاعل والحال فلا أحصل إلا الثرثرة واللغو، أو التسبيح بالأسماء العظمى ..كلا هذه ليست أجزاء القصة هذه أدوات الحفر. والقصة هي البئر لا الفأس. أما الماء..فما في كل بئر ماء، وما كل المياه عذاب"(118) . ولأن "العلم صقيع "و"وهذه الحياة كلبة " فالإنسان فيهما "كبالة ذرة ""ذلك هو وحين تزيح عنه كل الأغطية والقشور تجد البرد، قد فتت حباتن الذرة... وليس هناك إلا الفراغ. تفو "(ص135). ويبقى كل شيء عصبيا(على اللغة المبرودة) وكل شيء يظل سؤالا ودوتاء بالتي كانت هي الداء ونداء أيضا وأيضا: "لاتكن فاترا" "ياصاحبي إني عطشان، شيء بارد في هذا الزمن الناشف" وتظل القصة والقصيدة عصية وعنيدة(مغرية بالتحدي اليائسكالصخرة لقرون الوعال) وجديدة أيضا(كآدم الخارج من الطين قبل أن يتعلم الأسماء)ومتجددة باستمرارودافئة كذلك"تقتحم المجهول "والجمل وتنشد الجوهر الإنساني، الصافي والنبيل، والدفء العائلي الحميم والعميم.. في " "ذلك السيء " الحلو الحلو الزين الزوين" وماذلك الشيء كما يقول إلا "العودة إلى أشيائنا الصغيرة بعد، في أعماقنا الجافة بعد.. العصية على اللغة المبرودة ...والمخجلة كالقريب العروبي"وهي أيضاوأيضا "كالسير في حقل ألغام"..
ومع ذلك ولأجل ذلك كذلك لايملك الكاتب إلا أن يكتب وينكتب وهو القائل أولا وأخيرا: "ولكننا فيوسط الحقل الآن وليس إلا الحركة، ونحو الأمام،’ وبدون خجل، وبدون خرائط، تبرر أن نكتب"(ص119)
إهداء:
وبعد، سواء كتب الأستاذ أحمد بوزفور القصة بالشعر أو كتب الشعر بالقصة فهو محكوم عليه بالرحيل الدائم، والإقامة الجبرية في براري النثر وبحار الشعر، شاعرا في ثياب قاص وقاصا في إهاب شاعر..
ويأبى الصديق أحمد حينيهد بني نسخة من عمل إلا أن يكتب الإهداء شعرا وليس سرا إذا أفشيت هذه القصيدة وهي تجري على بحر المتدارك كذلك: يقول:
لو أملك أهديتك كأسا
مترعة بليا لينا الألقات
فإذا أحسست ببعض الحزن،
ترشفت القطرة منها والقطرات
فتضيء لك الدنيا آلاف النجمات
لكتني لا أملك إلا كلمات
كلمات
كلمات
أحقا، لايملك السيء أحمد، من متاع الحياة لا الكلمات؟وإذا قال هذا فلا تصد قوة أيضا وأيضا، لأنه يملك أغلى من كل متاع الحياة وأحلى من كل اكلمات: إنه يملك حبكم وحبنا جميعا…