زمن الهزيمة

 

أخي :

أسراب السنونو عادت لتحط كعادتها على بقايا القلاع المتهدمة, التي عبثت بها يد الخراب, وصارت الملاذ الأمين لفرق البوم والخفافيش, و الغربان والسلاحف, أحجار و أتربة متراكمة وشروخات متسعة تغوص في زمن التلاشي وتؤكد حتمية المحو والزوال. من منا يضمن بتاريخ هذه القلاع الشاهقة التي تشكلت من أحجار ضخمة يعجز المرء عن أزاحتها عن مكانها. أي آلة من الآلات تحملت مشاق الحفر والتقطيع والترصيف و التشييد في ارتفاع يناطح السحاب.

لا اعتقد أن الرجل الأعمى كان أحمقا حين حرك سبابته اليمنى و هو يتلمس خيوط الحكايات الأولى المنسوجة في متاهات ذاكرة مفتوحة على الريح, تحكي عن الأجساد المنهوكة التي جاءت ذات صبـاح بارد, غائصة في الأوحال, ترمم قهرها بغناء مفجوع في الصميم تارة, والتهليل و التكبير, حين يبلغ الضيم مداه و يستحيل الخلاص منه تارة أخرى.

أجساد عارية, اكتفت بخبز مالح, وقربة مطلية بالقطران, و الثلج يتساقط رذاذا, و السوط يحثها على المثابرة والكد من اجل إرضاء نفوس بالية تشكلت من طين أحمر وباتت حاضنة للنار, لا أحد يأمن كبتها المتجذر في مغارات الأعماق المظلمة.

سمك هذه الجدران الصلبة, يجسد صلابة الأجساد العارية التي نفــــخت في الكفن و انــــحدرت جاثمة تحفر في أعماق الشقاء لتجسد أناها القادرة على تحقيق كينـــونتها المتفردة في واجهات الخلق و الصـــــراع المكتوم.

حركة ذائبة لا تفــــتـر, على طول المواسم والفصول, لا تتوقف في أيام الأعياد الزائفة ولا في زمن الأمراض المنتشرة, و كل جسد عار يسقط ميتا تحت القر أو الحر, كان قبره محفورا في الساس ؟

الرجل الأعمى, لم يكن بلـيدا, إلى ذلك الحـد الذي جعله يغمض عينيه   كمن يشعـر بالتقـزز و الغـثيان, وهو يحكي عن زمن الأيام الحارقة بشمس تتغـلغـل جمرا في حنايا الأجساد العارية الظامئة الجائعة, فتـحيلها إلى لهيب تتهاوى معه الأرواح سقيمة منهارة, ينزل السوط فوقها ناعتا إياها بالخمول و الكسل, فيتـصبب العرق غـزيـرا وينهمر الدم قانيا, وتــتـحجر الدمعة اليتـيمة في الجفن.

 هل كان الرجل الأعمى, مجرد وجه غارت فيه عينان, سها عنه الموت زمنا, أم ذاكرة بلهاء تملصت من إبط التاريخ و اشتغلت بالوشاية الكاذبة.

انتعلت دهشتي فوق جوارب شكوكي, و انحدرت المنتصبة فوق رخ وسط القلاع المتهدمة التي كانت إلى وقت قريب رمزا للشموخ و الخلود. أي تاريخ لقيط يروي عن أمجاد هذه القلاع المنتصبة  فوق أجساد عارية دفنت في زمن القهر و الظلم . و عن أي مجد ولى, تقرع الطبول الجوفاء و ينطلق صوت البارود معلنا عن نشوة زائفة تقام لها السرادق و ترقص لها البغايا. و أي مجد أبقى كمجد هذه الريح العاصفة التي تسف تراب الجدران البالية و تعري سوأة هذا التاريخ اللقيط.

بوابات تشعر أمام شموخها و هندستها بالذهول و الرهبة, و لا شك أنها كل ما تبقى من بوابيها الذين تناوبوا على حراستها زمنا ببنادق مستوردة و وجوه كالحة لا تعرف غير الانحناء و الصراخ بالتحية و الخشوع لأهل المكان الذين لا يعرفون سوى النوم على أسرة يكبر فيها الحلم وسط الجماجم المحدقة في كل الجهات. النائمون رغم صخب الشعارات السرابية التي بحت الأصوات من أجلها, وسط عفونة الزمن الموحش.

نعم,جد لهذه الأجساد التي رمتها يد القهر وسط هذه السراديب المظلمة, في لحظة من لحظات الفجور, حيث الحاكم يضحك لتبرز أنيابه الزرقاء و هو يرقب جسد الجارية التي ترقص لزمن العهارة و الغبـــــن. نعم , ترقص ليتعالى نباح الكلاب , و تغزو كل الجيوب الممتلئة بعرق الأجساد المغضوب عليها و التي دفنت تحت أريكة السلطان ...

السلطــــــان, المنتفخ كالديك الرومي, يحكي عن برازه الذي سيتراكم في كل الصحاري مكونا بذلك جبالا شاهقة, ينفخ فيها من روحه الطاهرة فتتحول إلى ذهب تأتيه بأسراب التجارب من كل الأكوان؟؟؟

تتهلل الوجوه المنافقة حوله, تطفح بالحبور و البهجة, حتى إذا ما انتهى من كلامه تخر له ساجدة لا ترفع إلا بإذن منه, يعودون إلى أماكنهم وهم يبتلعون ريقهم...و وسط الصمت اللئيم, ينطلق جسد الجارية معلنا عن لحظة الرقص الصاخب, لتنخرط الجماجم في رقصها المتوازي, لتخرج من وسط الجماجم المتزاحمة جمجمة كبيرة, تتقدم بخطوات ثابتة نحو السلطان, لتأخذ كأسه من حضنه فتبصق فيه أمام الملأ, وتهوي به على فمه المشدوه, يصرخ مذهولا, حائرا, ينكمش مذهولا, يرتعش, ليجد نفسه وحيدا, أمام جمجمة صفراء تبتسم... يصرخ بأعلى صوته .نون....تتقطع حباله الصوتية ... يخرج لسانه من فمه فيتدلىعلى صدره كثعبان ميت................فتضحك الجارية في خبث و لؤم.

فيا أيتها الجماجم المدفونة تحت القلاع المتهدمة, هذه سيرتك ترويها الريح العاصفة, حين تنتحب, وتخفضها الغربان عن ظهر قلب.

عبر كل هذا الامتداد, أعلن للفجيعة طقسها المغموس في قارورة الدم الموشوم بالغبار, أحمل حزنك رزما رزما, و أمضي وحدي وسط تلال اللغات الميتة, أبحث عن البديل... أحدث الناس عن العدالة في زمن الظلم, و الأمانة في زمن الخيانة, و العفاف في زمن الفساد, فيتنكرون لي و ينعتونني بالحمق و الهذيان...من.حمل إذن حزني إلى كل الضفاف البعيدة, من يرتـــــق جرحي الأبيض, من يصلي معي على سجاد تراب هذه الأرض الطيبة, من يمضغ معي قطعة الخبز الحافي...  من .من. ...ثمن. ...من يحدد معي معالم الرحلة الأولى بحثـــــــا عن وطن الحــريـــــة الكـــرامة. .

أسأل و أسأل و لا أحد يجيب, فاحـــن إلى صمتي القديم, عل الصمت يوقظ من لم يوقظهم العويل ؟

 

Hosted by www.Geocities.ws

Hosted by www.Geocities.ws

1