هل جربت ان تكون مقاولا ؟

 

يظهر السؤال عاما وكأنه دعوة للتجربة ، ويعود ذلك ليسر الطريق وسهولة الاجراءآت في ان تصبح مقاولا في بلادنا ، سواء كنت من المواطنين او الوافدين ، من يملك المعرفة بهذا المجال ومن لا يملكها ، لا عليك الا ان تتقدم بالطلب وتكمل الاجراءآت البسيطة المطلوبة لتصبح مقاولا تعمل او تفسح المجال لمن يعمل والسوق يستوعب الجميع ؛ اذكر ان مقاولا يعمل في هذا المجال عندنا ، وهو في الاصل يعمل مصففا للشعر (كوافير) في بلده ، وسأله بعض الزملاء عن هذا الاختلاف الكبير بين المهنتين فقال لهم : ان العمل في المقاولات هنا أسهل من العمل في تصفيف الشعر هناك.

ومع ذلك ، فان قطاع المقاولات الانشائية عندنا يعاني من صعوبات كبيرة ، تحد من المسيرة ، وتحبط الطموح ، وتسبب الاذى للمقاولين اداريا وماليا ، من هذه المعوقات :

العقود : تعاني صياغة العقود من ضعف كبير يصل في احيان كثيرة الى درجة الظلم ، وخصوصا عقود القطاع العام التي لا يوجد لها في الغالب اساس مهني دولي موثق ، بل يضعها المسئولين في كل ادارة لتحفظ حقوق اداراتهم بينما لا تهتم بالمقاولين ، وفي العادة فانها تكون مليئة بصيغ التنصل التي ترمي بالمسئولية على المقاول حتى لو أخطأ المالك او الاستشاري ، وهذا ما يبرر تسمية البعض لها بعقود (الطرف الواحد).

الاشراف : تتولى جهات كثيرة الاشراف بنفسها على مشاريعها ، بينما تعين جهات اخرى مهندسين استشاريين للاشراف ، الا ان آلية العلاقة بين الاطراف غير موحدة ، تختلف من جهة الى أخرى ، بل وتختلف في بعض الاحيان في نفس الجهة من مشروع الى آخر ، والحقيقة أن الاستشاريين عندما تكون لديهم الصلاحية والمسئولية لادارة المشروع كاملا ، يكونون في الغالب متعاونون وهدفهم انهاء المشروع حسب المطلوب ، ولكن ما يحدث ، هو ان كثيرا من الملاك يعينونهم للاشراف في الموقع والتدقيق على جودة الاعمال ، ولكنهم يسحبون منهم الاعتمادات سواء للمخطات او للمواد ، ويوجهون المقاول مباشرة ، مما يحدث ازدواجية في العمل وتأخير في الوقت وتناقض في الآراء ، والضحية هو المقاول . كما ان اجهزة الاشراف خصوصا عندما تكون مباشرة ترهق كاهل المقاول بالمطالب التي لا تنتهي ، والتي تأخذ بعضها صفة الشخصية ، بينما لم يحسب المقاول لها حسابا ، ولا يستطيع الشكوى لانها في غير مصلحته ، ومجمل القول .. ان المقاولين يعانون في عملهم من عدم وجود الضوابط التي تحدد آليات الاشراف وحدودها وتجعله موجها للعمل صفا الى صف مع المقاول بهدف انجاز المشروع في وقته المحدد وبالجودة المطلوبة ضمن الميزانية المخصصة للمشروع .

التمويل والدفع : يعاني المقاولون من تأخر استلام مستحقاتهم ، ومع ان المقاولين لا يستطيعون العمل بدون سيولة توفر لهم المواد وتدفع عنهم المصروفات ومستحقات الاطراف الاخرى ، الا ان اغلب الملاك لا يهتمون بانهاء اجراءآت المستخلصات الخاصة بالمشاريع في اوقاتها المحددة بل توضع العراقيل ويتم تعقيد الاجراءآت والمقاول يتحمل النتيجة ، ومع ان هذه الظاهرة بدأت في التحسن في الآونة الاخيرة ، الا انها ما زالت تمثل مشكلة سواء لدى لدى القطاع العام او الخاص ، وخصوصا ما يتعلق منها بالدفعة الاخيرة ، واسترداد الضمانات ، في الوقت نفسه ، فان آليات التمويل بين القطاعات المالية والبنكية وكثير من المقاولين مازلت متحفظة وقليلة ولم ترتقي الى درجة اكثر مرونة ودقة ويجد فيها كل طرف مبتغاه .

المنافسة : مع ان صناعة الانشاءآت تعتبر صناعة هندسية وتتطلب الكثير من الدقة والمهارة والمعرفة ، الا انها مجالا كبيرا للمنافسة ، ويعاني المقاولين فيها من اشتداد المنافسة مما يضر بالقطاع بأكمله ، في الوقت الذي تتعثر فيه كثير من المشاريع نتيجة لعدم قدرة المقاولين على الالتزام بما هو مطلوب منهم ، وربما يكون موضوع سهولة الاجراءآت لأن تكون مقاولا سببا في اتجاه كثيرا من الناس لهذا الباب من ابواب التجارة دون معرفة بالمخاطر والصعوبات .

الانظمة والقوانين : تشكل بعض القوانين والانظمة صعوبات مباشرة او غير مباشرة للمقاولين ، فنظام المشتروات الحكومية مثلا يوصي بالعرض الاقل سعرا ، ولا يأخذ مسئولي المشتروات بالجوانب الفنية حتى وان كانت مذكورة في النظام ، وهذا يزيد من حدة المنافسة ، ويجعل من الصعوبة كسب الاعمال بالنسبة للمقاولين المحترفين ، والذين يتكبدون في سبيل رفع مستوى اعمالهم الى تكاليف لا توجد لدى المقاول المبتدئ ، ومع ذلك فان هذا المبتدئ يحصل على ما لايحصل عليه المحترف بسبب الانظمة ... كما ان غياب الانظمة والقوانين التي تنظم صناعة الانشاءآت وتحدد المسئوليات والعلاقات فيها بين الاطراف المعنية وتهتم بالاشراف والعقود والتصنيف والتأهيل والكوادر الفنية ، من أهم اسباب ضعف صناعة الانشاءآت في بلادنا ، وربما يعود هذا السبب الى غياب المرجعية الخاصة بالقطاع ، واجتهاد كل جهة فيما يخصها .

التصنيف : اذا كانت الانظمة والقوانين تسمح لمن شاء ان يكون مقاولا ، واذا كانت المنافسة سببا من اسباب فشل بعض المقاولين وبعض المشاريع ، فان التصنيف الخاص بالعاملين في هذا القطاع وتصنيف المقاولين يجب ان يكون دقيقا وملزما ، في الوقت الذي يجب فيه تيسير اجراءآت التصنيف مع تشديد شروطه ، اذ يكفي ارباكا لهذه الصناعة ولمن يعمل بها ، ان ان نجعل اجراءآت التسجيل فيها بسيطة ، بينما اجراءآت التصنيف معقدة، وعلى هذا الاساس فان المطلوب هو تحديث انظمة التصنيف واجراءآته وجعلها اكثر الزامية وفاعلية .

الايدي العاملة : تعتمد صناعة الانشاءآت على الكثير من الايدي العاملة الفنية ، ونظرا لعدم توفر الكفاءآت الفنية المطلوبة لهذا المجال محليا ، فانه يمكن القول ان صناعة الانشاءآت تعتمد على القدرات البشرية التي يتم توفيرها من بلدان أخرى للقيام بهذه الاعمال ، ونظرا للصعوبات التي تضعها الجهات المسئولة في سبيل الحد من الاعتماد على الايدي العاملة الاجنبية وتشجيعا للسعودة ، فان المقاولين في هذه الصناعة والذين يعانون من عدم توفر الايدي العاملة المحلية ، تقابلهم اجراءآت صعبة ومعقدة في سبيل الحصول على تأشيرات لاستقدام من يقوم بانجاز الاعمال التي تعاقدوا عليها ، وهذه المعاناة تنطبق ايضا على قطاع التشغيل والصيانة وربما بشكل اصعب ، ومادام هذا واقعنا الذي نعرفه بدقة ، فان مد جسور التعاون وتسهيل الاجراءآت لاستقدام من يساعدنا على انجاز اعمالنا ، عندما لا نجد من يقوم به محليا ، مطلبا ضروريا لمساعدة هذه الصناعة التي قدر لها ان تكون هكذا .

لهذه الاسباب ولغيرها كثير ، انصحك ان لا تجرب ان تكون مقاولا .. اذا لم تكن قد جربت بالفعل .

Hosted by www.Geocities.ws

1