تفادي المنازعات الانشائية

 

يعلم الذين يعملون في صناعة الانشاءآت حجم المنازعات والخلافات بين الاطراف المعنية في هذه الصناعة ، ونظرا لكبر حجم الاستثمارات التي تغذي هذه الصناعة في بلادنا ، فانه لا بد من وجود خسائر كبيرة على احد الاطراف بسبب عدم وضوح وقصور الوثائق التعاقدية ، او ضعف ادارة المشروع بحيث لم تستطع احتواء المطالبة من بدايتها وانهائها في مهدها قبل ان تصبح سببا للنزاع .

ان التوسع في مجال العمران الذي يتبع زيادة الكثافة السكانية وارتفاع الطلب على الخدمات والحاجة لها ، يجعل من صناعة الانشاءآت سوقا يجب الالتفات اليه والاهتمام به ، ففي الرياض وحدها تم تقدير حجم الاستثمارات في بناء الوحدات السكنية فقط بحوالي 55 مليار ريال سنويا على مدى العشرين سنة القادمة ، وهو ما يوضح ضخامة حجم صناعة الانشاءآت في بلادنا ، ومازالت المحاكم تمتلئ من قضايا المقاولات الانشائية ، وهي في الغالب قضايا صعبة الحلول وطويلة الامد ويحتاج فيها القضاة عادة الى الرأي الفني من المختصين في هذا المجال ، وهناك حالات كثيرة من هذا النوع تمت او تحت النظر في ديوان المظالم ، ومازالت المشكلة مستمرة ، فهل هناك طريقة نتفادى بها الاختلافات ونوفر فيها المال والوقت والجهد ؟.

لقد قدر حجم التكاليف الناشئة عن المنازعات في صناعة الانشاءآت في عام واحد في بريطانيا بمبلغ 2800 مليون جنيه استرليني (الفايننشال تايمز 1995) ، ومع انه لا توجد احصائيات دقيقة لاجمالي المبالغ الناشئة عن نفس السبب عندنا ، الا انها بلا شك كبيرة ، ويزيد في ظهورها اختلاف نماذج العقود وطريقة صياغتها ، وغياب التنظيم في قطاع المقاولات ، وعدم فاعلية الهيئات العاملة في هذا المجال في ضمان الحقوق ووضع القوانين الدقيقة التي توفر الحماية والانصاف لجميع الاطراف ، والتي من شأنها تقليل الاختلافات واطفاء النزاعات قبل ان تكون مشكلة لاي طرف .

ومنشأ الاختلافات في اغلبه يتركز في ترجمة وثائق العقد من مخططات ومواصفات وجداول كميات ، او اختلاف في تفسير بنود العقد ومدلولاته ، ومنها ما يطلبه المالك يراه حقا له وعند المقاول رأي غيره ، وربما يكون عند الاستشاري رأي مختلف ايضا ، وبما ان المالك هو الذي يتعاقد مع الاستشاري ويدفع اتعابه ، فان اغلب الاستشاريين يمثلون المالك ، ويعملون في صفه ، ويغلبون مصلحته فيما يعرض عليهم من اختلافات ، وهو ما يتعارض مع اخلاقيات المهنة بينما يتفق مع ابجديات الولاء.

كما ان عدم ادراك اغلب الملاك بأهمية ادارة المشاريع كتخصص منفصل وهام ،  يؤدي في الغالب الى قصور وثائق المشروع واختلاف بعضها عن بعض بل وتعارضها في بعض الاحيان ، كما ان عدم جاهزية الملاك ونقص التمويل اللازم ، بل وعدم وضوح الهدف والفكرة وتغييرها في أحيان كثيرة ، والنظرة التقليدية المجحفة لكثير منهم تجاه المقاولين ،  كلها اسباب تدعو لزيادة فرص الاختلافات والنزاعات .. في الوقت نفسه ، فان عشوائية قطاع المقاولات وغياب التنظيم الدقيق له ، وقصور الكفاءة الادارية والمالية والبشرية لاغلب المقاولين ، تعتبر عاملا كبيرا في نشوء الكثير من المنازعات.

ان اختلاف الاطراف المعنية في أي مشروع انشائي ظاهرة طبيعية لا قلق منها ، نظرا لتعقيد هذه الصناعة وكثرة بنودها وتعدد الاطراف فيها ، ولا سبيل البته للقضاء النهائي على اختلاف وجهات النظر في أي مشروع كان ، لكن الدراسات الحديثة التي تمت على هذا الموضوع ، حددت بعض البنود التي تعمل على خفض حجم الاختلافات والنزاعات في صناعة الانشاءآت ، ومنها التركيز على رفع كفاءة العاملين في ادارة المشاريع الانشائية ، باعتبار ان الادارة المتمكنة للمشروع ستركز على وضوح البنود والوثائق التعاقدية وتوافقها ، وترتيب العمل اليومي من بداية الفكرة الى تسليم المشروع ، وستعمل على تقريب وجهات النظر ، وحل الاختلافات بطريقة منطقية وعادلة قبل ان تصبح مجالا للنزاع ، كما وجدت الدراسات ان تغيير شكل العلاقة بين اطراف المشروع ورفعها الى مستوى المشاركة سببا من اسباب تقليل الاختلافات ، فقد وجد سلاح المهندسين الامريكي على سبيل المثال ان تغيير طريقة تنفيذ بعض المشاريع الى نظام المشاركة Partnering قد خفض المطالبات بنسبة 60% في هذه المشاريع عن مثيلاتها التي تم توفيرها بطريقة تقليدية .

وفي بلادنا ، فان الاهتمام بالعقود وصياغتها ، وبعد ذلك تطبيقها بدقة ، وتنظيم قطاع صناعة الانشاءآت ، تنظيما يهدف الى فلترة العاملين به وتصنيفهم ، ورفع مستواهم المعرفي في هذا المجال ، وتوفير الاسباب التي تساعدهم على النجاح والاستمرار ، سيعمل على تفادي النزاعات الانشائية ، وخفض حجم الخسائر التي تنجم منها .

Hosted by www.Geocities.ws

1