لكي تكون مديرًا جديرًا
أولاً: اكسر القواعد السائدة!!!
يبدو أن أوجه الشبه والصفات المشتركة بين أعظم المديرين في العالم قليلة جدًا؛ فهم يختلفون في اللون والجنس واللغة والعمر والدوافع. وهم يوظفون شخصيات إدارية مختلفة السمات، ويركزون على أهداف مختلفة السياسات. ورغم التباين الكبير بين كل المديرين العظماء، فإن بينهم سمات غالبة ومشتركة، ومنها:
لا يترددون في كسر القواعد وتغيير السياسات وتجاوز الإجراءات التي درج العرف الإداري التقليدي على اتباعها واحترامها دون مناقشة أو اختبار.
لا يعترفون أن التدريب الجيد يمكن أن يؤهل أي إنسان لإنجاز أية مهمة يركز عليها كل جهوده وخلاصة تفكيره.
لا يحاولون مساعدة الموظفين على التخلص من نقاط ضعفهم وتجاوز مشكلاتهم وعثراتهم الشخصية.
يواظبون ـ مع سبق الإصرار والترصد ـ على تجاهل القواعد الذهبية السائدة في مجتمعاتهم وصناعاتهم وأسواقهم ومنظماتهم.
يميزون ـ وياللغرابة ـ في معاملتهم للموظفين، فينحازوا لبعضهم دون بعضهم الآخر.
وسنحاول في خلاصة هذا الكتاب الرائع أن نبين السبب:
بُني هذا الكتاب على استقصاءين كبيرين أجرتهما "منظمة جالوب" العالمية على مدى خمس وعشرين سنة. ركز الاستقصاء الأول على الموظفين، محاولاً الإجابة عن سؤال: "ما الذي يبحث عنه الموظفون الموهوبون في بيئة العمل؟" وتم خلاله سؤال نحو مليون موظف في شتى المجالات.
وركز الاستقصاء الثاني على المديرين، وكان محوره السؤال التالي: "كيف يمكن للمدير الجدير أن يبحث عن الموظف المثالي ويجده ثم يحتفظ به؟" وتم خلاله استقصاء 800 ألف مدير من شتى الرتب والصناعات.
ملاحظات حول الاستقصاء:
من خلال قراءتنا للاستقصاء السابق يمكننا التوصل إلى الملاحظات التالية:
هناك موضوعات لم تطرقها الأسئلة بالمرة؛ مثل الراتب والمزايا، وهذا لا يعني عدم أهميتها، بل يعني أنها متساوية بالنسبة للجميع.
كل الأسئلة تتضمن صيغة مبالغة؛ مثل: (صديق حميم)، أو (أفضل الأعمال). وكان هذا مقصودًا؛ لأن "جالوب" أرادت معرفة أفضل أماكن العمل فعلاً، وليس الأماكن الجيدة فقط.
ترتيب الأسئلة لم يكن عشوائيًا، بل جاء متدرجًا وهرميًا؛ فالسؤالان الأول والثاني هما القاعدة التي تمثل الاحتياجات الأساسية للموظف. وتمثل الأسئلة الأربعة التالية مرحلة تالية، يتغير فيها منظور الموظف واهتماماته وأسئلته. فيتساءل عن مدى مناسبة الوظيفة لمواهبه وقدراته، وعن رأي الآخرين في أدائه ومدى مساهمته في إنتاجية الشركة.
وفي الأسئلة من 7 إلى 10 يتسع المنظور ليشمل الانتماء للمكان، حيث يتطلع الموظف إلى بيئة العمل المفضلة. وتضمن السؤال التالي نظرة مستقبلية. فإذا كانت الأحوال جيدة حاليًا، فهل يعني هذا أنها ستستمر هكذا في المستقبل؟
منظور المدير:
إذا نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر المدير فسنجد أن تلبية مطالب المراحل المختلفة دون الاهتمام بالأساس لن تؤتي ثمارها في جذب أفضل العاملين والاحتفاظ بهم. وقد يبدو هذا بديهيًا، ولكن أثبتت الأبحاث أن كثيرًا من المديرين يتجاهلون ـ بقصد أو بدون قصد ـ المطالب الأساسية للعاملين، ثم يتساءلون عما يجذبهم إلى الشركات الأخرى.
لذلك يجب أن تكون الأسئلة الستة الأولى هي محور اهتمام المدير الواعي. كما يعتبر ضمان تنفيذها للعاملين إحدى أهم مسئولياته. وليس هذا بالأمر الهين، حتى وإن بدا كذلك، فكثيرًا ما تتضارب بعض المسئوليات، وعليك أن تقيم التوازن الفعال بينها. وهذا هو جوهر الإدارة، فهل أنت مدير جدير حقًا؟
دورالمدير الجدير:
نعني بهذا السؤال المنظور الخارق للمألوف والفكر الجديد الذي يتمتع به المديرون العظماء، فالتفكير التقليدي كان يرى أن دور المدير يتلخص في:
1. حفز الموظفين لبذل أقصى طاقاتهم من خلال مكافأة الأداء الجيد.
2. تقويم السلوك السلبي وتعويض نقاط ضعف الموظف من خلال القيادة والتدريب.
أما المدير العظيم فيرفض هذا التفكير تمامًا، فهو: لا يؤمن بنظرية تغيير الفرد، بل يؤمن بأن "كل إنسان ميسر لما خلق له"، فهو يوظف حوافز مختلفة حسب طبيعة كل فرد، ويعترف لكل موظف بتفرده وأسلوبه الخاص. وهو لا يحاول إزالة الفوارق بن الموظفين؛ بل يحترمها ويراها عناصر إيجابية، ويحاول استغلالها لصالح العمل والموظف معًا. أي أنه يحاول إظهار التفرد بين الشخصيات المختلفة لكل العاملين.
لكن هذا لا يعني ألا يتعرف المدير على نقاط الضعف في فريقه، بل يعني أنه يرى أمام كل نقطة ضعف نقطة قوة. فبينما يحاول المدير العادي تحويل نقطة الضعف إلى نقطة قوة، يتجاهل المدير الجدير نقطة الضعف، ويستشف نقطة القوة، ثم يضع الشخص في الوظيفة المناسبة لمواهبه، دون أدنى محاولة لتعديل ميوله وشخصيته. فإذا كان المدير العادي يغير الشخص ليناسب الوظيفة، فإن المدير العظيم يغير الوظيفة لتناسب الشخص. وبمعنى آخر، هو يضع الشخص المناسب بطبيعته في المكان المناسب لمواهبه. وماذا أيضًا؟
الأدوار الأربعة الرئيسة للمدير الجدير:
أشرنا إلى أن المدير الواعي يركز على الأسئلة الستة الأولى التي تضم جوهر الاستقصاءين، وتمثل الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية لأي موظف؛ إذ لن يتمكن المدير من جذب موظف كفء والاحتفاظ به بدونها. ويمكننا من خلال هذه الأسئلة الستة أن نستخلص أربعة أدوار رئيسة للمدير الواعي، وهي:
دور الموفق:
فالسؤال القاتل: "هل تتوافر لي الفرصة للقيام بأفضل الأعمال التي أجيدها بشكل يومي؟" يقودنا إلى الدور الأول للمدير، وهو دور اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب. وقد يبدو ذلك سهلاً، لكنه يتطلب معرفة جيدة بنقاط ضعف وقوة الموظف، حتى تلك النقاط التي قد لا يعرفها عن نفسه. ويمكن استشفافها من خلال عملك معه، أو من خلال سيرته الذاتية أو آراء الآخرين في أدائه.
وعلى المدير أن يعرف الفرق بين المهارة والقدرة والمعرفة، فمعرفة الفرق بين هذه الهبات الثلاث توحي للمدير بالتخلي عن محاولة تغيير ما لا يمكن تغييره في الموظف. وهكذا يقوم بالتوفيق بين العمل والعامل.
دور المدقق:
أما سؤال: "هل أعرف المتوقع مني في العمل؟" وسؤال: "هل أملك المواد والأدوات التي تمكنني من أداء عملي بشكل جيد؟" فيشيران إلى الدور الثاني للمدير الواعي، وهو تحديد ما هو مطلوب من الموظف بدقة متناهية، لا سيما ما يتعلق بالأداء والنتائج. وهذا لا يعني مجرد وضع الأهداف، بل يتعداه إلى إبقاء الموظف مركزًا على أهدافه الدقيقة ومسئولياته العميقة. ويتضمن هذا الدور أيضًا إيجاد التوازن الدقيق بين المطلوب إنجازه وبين حرية الموظف في الابتكار والتفرد وحرية اتخاذ القرار.
دور المصفق:
ويمكن للمدير أن يستقي دوره الثالث من خلال إجابات السؤالين الرابع والخامس، وهذا الدور يخص دور الحافز المشجع.
يحدد المدير هنا مع من ينبغي أن يقضي وقته، مع أفضل العاملين أم مع العاملين الذين يعوزهم التدريب ويعانون من ضعف الروح المعنوية. وهل سيقضيه في تنمية مواهب ومهارات واعدة، أم في إصلاح عيوب قائمة؟ وعلى المدير أن يعرف متى يوزع الثناء بالجملة فيصفق للعاملين إعجابًا، ومتى يدق أجراس الإنذار فيصفق بيديه غضبًا ومهددًا لكي ينتبه الجميع.
دور المعلم:
الأسئلة الخاصة بتنمية وتطوير مهارات العامل المتمثلة في سؤالي: "هل يبدو رئيسي أو أي شخص آخر في العمل مهتمًا بي بشكل شخصي؟" و "هل هناك من يشجع تطوري ونموي في العمل؟" يمثلان دورًا رابعًا للمدير، وهو العمل على تطوير وتنمية العاملين معه وصقل مهاراتهم وتوثيق إنجازاتهم. ومن المهم هنا تحديد متى ينتهي دورك ليبدأ دور الموظف في التعلم والعمل والإنجاز.
|
أسئلة الاستقصاء الكبرى: |
|
تمخض الاستقصاءان عن نتيجة مذهلة لمؤسسة "جالوب"؛ إذ تبين أنه يمكن بناء منظمة ذات بيئة عمل جذابة ورائعة من خلال الإجابة عن اثني عشر سؤالاً، تعكس وجهتي نظر المدير والموظف. وهي: 1. هل أعرف المتوقع مني في العمل؟ 2. هل أملك المواد والأدوات التي تمكنني من أداء عملي بشكل جيد؟ 3. هل تتاح لي الفرصة لأداء أفضل الأعمال التي أجيدها يوميًا؟ 4. هل أحظى بالتقدير والثناء على أي عمل جيد أقوم به؟ 5. هل يهتم رئيسي بي بشكل شخصي؟ 6. هل هناك من يرعى ويهتم بتطوير أدائي ونموي؟ 7. هل يعتد بآرائي في العمل؟ 8. هل أشعر من خلال رسالة الشركة أن عملي ذو قيمة؟ 9. هل يلتزم زملائي بأداء العمل والخدمة بمستوى من الإتقان والجودة؟ 10. هل لدي صديق حميم في العمل؟ 11. هل تحدثت خلال الأشهر الستة الأخيرة إلى أي شخص عن عمل وحياتي؟ 12. هل تتوافر لدي فرص التعلم والتطور في العمل؟ |
مفاتيح الأدوار الأربعة:
المفتاح الأول: الاختيار حسب الموهبة:
ينظر المدير العادي للموهبة على أنها سمة التفرد التي تميز إنسان عن غيره بغض النظر عن التدريب والعزيمة والإصرار. فكيف ينظر المدير الجدير لهذه الصفة؟
يعتبر المدير العظيم الموهبة نمطًا متكررًا ومنتظمًا لأسلوب تفكير أو مشاعر أو سلوكيات قابلة للتطبيق والتحول إلى نتائج. ونضع خطين هنا تحت كلمتي "متكرر ومنتظم"؛ لأن المواهب ـ من وجهة نظر المدير الجدير ـ هي الأمور التي تجد في نفسك الرغبة للقيام بها. وعلى ذلك فإن الأداء الجيد والمهارة هما التوفيق والمواءمة بين المواهب والمهام، أو بين الإمكانات والإنجازات.
ليس من واجب المدير الواعي أن يحث موظفًا ما على تكرار أداء عمل ما، لكن عليه أن يبحث عمن يحب أداء الأعمال المتكررة، بحيث يصل إلى درجة الإتقان والإجادة، فتتفتق لديه مواهب جديدة.
ثلاثة أنواع من المواهب:
رغم خضوع الموهبة لتعريف واحد، إلا أنها أنواع. فقد توصل القائمون على دراسة "جالوب" إلى ثلاثة أنواع مختلفة من الموهبة، يمكن تقسيمها كالتالي:
المواهب السببية: أي التي تشرح الأسباب التي تحفز الشخص على اتباع سلوك معين.
المواهب الكيفية: أي التي تشرح كيفية تفكيره، أو قيامه بالأشياء.
المواهب الشخصية: أي التي تشرح علاقته بمن حوله: من الذي يثق به، ومن الذي يواجهه، ومن الذي يتجاهله.
موهبة البحث عن المواهب:
إذا كان البعض لا يعرفون المواهب الكامنة بداخلهم، فما بالك بالآخرين؟ كيف يتوصلون إلى صفات شخص لا يعرف صفاته الشخصية؟ لذلك يجب على المدير الواعي:
أن يعرف ما يبحث عنه: أي أن تكون لديه صورة واضحة عن الصفة والقدرة والميزة المطلوبة لوظيفة ما. أي أن يعرف كل ما يمكن معرفته عن هذه الوظيفة ومتطلباتها. ولأن المسألة مسألة توافق بين الشخص والوظيفة، فيجب أن يضع في اعتباره الانسجام بين الشخص وبيئة العمل في الشركة عامة، وفي فريق العمل الذي سينضم إليه الشخص خاصة.
أن يجيد فن المقابلات: يتضمن هذا فن توجيه الأسئلة ذات النهايات المفتوحة التي تجبر الشخص على الحديث، وفتح المجال أمامه للحديث عن نفسه دون تحديد اتجاهات الحوار. فضلاً عن قراءة ما بين السطور واستشراف المعاني الكامنة والأفكار الخفية. وتذكر أن البحث عن الموهبة يتطلب البحث عن السلوك المتكرر المنتظم. اسأله عن أدائه في الماضي وقيمه بناء على متطلبات الوظيفة الجديدة.
المفتاح الثاني: تعريف النتائج وتحديد التوقعات الصحيحة:
المدير هو المسئول النهائي عن النتائج التي يتم تحقيقها، رغم أنه لا يقوم بكل العمل بنفسه، وهنا يأتي دور إدارة الأفراد. أي دور التأثير والدعم والتشجيع والإدارة عن بُعد.
تنبع صعوبة إدارة الأفراد من إيمان المدير الواعي باختلاف شخصياتهم، وعدم وجود أسلوب واحد للتعامل معهم جميعًا. فما يحفزني قد لا يحفزك، وأسلوبي في العمل قد يختلف اختلافًا بيّنًا عن أسلوبك، وطريقة تعاملي قد تختلف عن طريقة تعاملك، ورد فعلي قد يختلف كلية عن رد فعلك.
كما يؤمن المدير الواعي بصعوبة، بل استحالة تغيير أسلوب أي فرد. فمهما تم توضيح الأهداف وأساليب العمل فستختلف النتائج من شخص لآخر. فقد يحقق كل فرد نتائجه بشكل رائع من منظوره، أما نتائج الفريق ككل فتكون بلا قيمة. ومن هنا تنبع أهمية توحيد الأهداف والنتائج والحرص الكامل على توضيحها بشكل لا لبس فيه. فهذه إحدى المجالات التي لا يسمح فيها بالحرية الفردية ووجهات النظر. ويترك ذلك لأساليب التنفيذ، على أن يصل الجميع إلى النتائج المطروحة، كل حسب طريقته، ويكمن دور المدير هنا في متابعته لالتزام فريق العمل بالأهداف الموضوعة وتذكيرهم بها باستمرار، واليقظة لأي انحراف عنها. وذلك على عكس المدير العادي الذي تنحصر المتابعة لديه بالالتزام بالتعليمات واتخاذ الإجراءات المطلوبة وإن لم تكن غير محسوبة.
كيف يتعرف المدير الجدير على النتائج الصحيحة؟
للتعرف على النتائج الصحيحة، على المدير أن يسأل نفسه:
ما هي النتيجة التي يطلبها العميل؟ فجميع قطاعات الصناعة تعمل الآن من أجل إرضاء العميل. فإذا تضاربت النتائج التي ترغب في تحقيقها مع النتائج التي يطلبها العميل، فأنت بالقطع على الطريق الخطأ.
ما هي النتائج التي تطلبها الشركة؟ فأنت لا تمثل مع فريق العمل التابع لك شركة داخل الشركة، بل إن أهداف فريقك جزء لا يتجزأ من أهداف الشركة ككل.
ما هي النتائج التي يطلبها الموظف؟ فالعامل أو الموظف يسعى لتحقيق نتائج معينة، إذا كانت تحقق له رضاءً داخليًا. والمهم أن تعرف ما يرضيه وتحفزه عليه. بعض الأشخاص تحفزهم المكافآت المالية، كأن تَعِد الموظف بنسبة من الأرباح عند تحقيقها، وبعضهم الآخر يحفزه التقدير المعنوي. فيكون سعيه وراء شهادات التقدير وحفلات التكريم.
المفتاح الثالث: التركيز على نقاط القوة لا على نقاط الضعف:
ينصحك المدير الجدير بأن تحفز الناس بتعزيز مواهبهم ونقاط قوتهم الأكثر وضوحًا وفائدة في مجال العمل دون محاولة إضافة صفات جديدة أو مواهب عديدة. وينطبق نفس المدخل على نقاط الضعف التي يجب تجاهلها لأنه يستحيل تغييرها. فما الذي تملكه إذن؟
إنك كمدير جدير تملك التأكيد على نقاط القوة، وبذل محاولات للالتفاف حول نقاط الضعف لتجنبها. كأن تضع الشخص في وظيفة لا تتطلب موهبة لا يتمتع بها. أو أن تضعه في وظيفة فصلت حسب مواهبه ونقاط قوته. فهذا أكبر حافز له لإخراج كل ما لديه، لأنه سيشعر أنه في المكان المناسب الذي يمكنه التميز فيه. كما سيشعر بتقديرك لتلك الموهبة بأن اخترته لتلك الوظيفة. ناهيك عن ثقته المتزايدة بنفسه كلما أحرز نجاحًا جديدًا.
هناك أيضًا التدريب المستمر لنقطة القوة وصقل الموهبة القائمة بانتظام. فمن قواعد التدريب الأساسية لدى المدير الواعي أن يحصر التدريب في المجالات التي أظهر العامل فيها تفوقًا، وليس في المجال الذي أظهر فيه ضعفًا في محاولة لإصلاح هذا الضعف.
يقوم المدير الواعي بكل ذلك انطلاقًا من إيمانه بأن كل شخص مختلف، وأن هذا الاختلاف في صالح العمل، وأنه يمكن توظيف نقاط القوة في كل شخص. ولأنه من خلال هذا التنوع في المواهب ونقاط القوة سيتمكن من الحصول على فريق عمل قادر على إنجاز أية مهمة. يشبه الأمر كثيرًا علاقة الوالدين بأبنائهما. فإذا سألت أي والد عن طفله المفضل فلن يتمكن من الاختيار، بل سيعدد الصفات التي تعجبه في كل واحد من أبنائه، ويبين السبب المختلف الذي يجعله يحب كلاً منهم.
كسر القاعدة الذهبية: الإدارة بالاستثناء:
هل تذكرون القاعدة الذهبية القائلة: "عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك به"؟ المدير الواعي يكسر هذه القاعدة كل يوم، بل ويغيرها لتصبح: "لا تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك، بل كما يحبون أن يعامَلوا". لأن المدير العظيم يؤمن بالاختلاف والفروق الشخصية والفردية، وهو يحترم هذه الفروق ويحبذها، ويتصرف على أساسها.
وإذا كان من الصعب التعرف على حوافز ومتطلبات وسمات الشخصيات المختلفة، فالحل سهل: اسأل الشخص نفسه عما يحفزه، أو عن تصوره للنجاح في العمل. ومن خلال إجاباته عن تلك الأسئلة يمكنك التوصل إلى سمات شخصيته ومفاتيحها، وأسلوب التعامل معها.
|
الموهبة أهم من الخبرة: |
|
الموهبة ـ كما عرفنا ـ أهم من الخبرة والقدرة، وهذا لا يعني أن المدير الواعي يلغي أهمية الإدارة والخبرة، ولكنه يضعها في مرتبة تالية بعد الموهبة. فالمدير الجدير يؤمن بأنه لا يمكن تحويل شخص خجول جدًا إلى مندوب مبيعات ناجح مهما تلقى من تدريب؛ لأنه من الأفضل عدم إهدار الوقت في تدريب لن يجدي. فالشخص المفكر المنطوي يمكن أن يعمل ويبدع في التنظيم والتخطيط والأبحاث والتطوير. وعلى المدير أن يختار مندوبي مبيعات ممن اختاروا بأنفسهم هذه المهنة مع سبق الإصرار والترصد. قد يقوم المدير بصقل موهبة هذا الشخص، لكنه لن يزرعها فيه وهي غير موجودة. ويمكنه اكتشاف الموهبة الخفية، حتى لو كان صاحبها نفسه لا يعلم بوجودها. كما يمكنه تفعيلها بتعليم صاحبها مهارات جديدة أو زيادة معرفته واطلاعه على معلومات أكثر في نفس المجال. فالفرق بين الموهبة من ناحية والمهارات والمعرفة من ناحية أخرى أن الأولى لا يمكن زرعها في شخص لا يملكها، في حين أن الصفتين الأخيرتين قابلتان للصقل والتنمية والتطوير. |
وعليك أيضًا كمدير واع أن تقضي جل وقتك مع أفضل العاملين معك، صاقلاً مواهبهم، متحدثًا إليهم عما يحفزهم، مبينًا لهم خططك المستقبلية.
وقد يميل المدير العادي إلى قضاء معظم وقته في تقوية الضعفاء، بينما يبحث المدير الجدير عن أقوى اللاعبين ليزيدهم قوة، وعن الأداء الجيد ليزيده جودة. لأن تعريفه لدوره وتحديده لواجباته يشده تلقائيًا نحو أفضل العاملين معه. والنتائج المبهرة التي يحققها تمنحه دليلاً إضافيًا على أنه محق في سلوكه؛ لأن الاستثمار في أفضل ما تملك يعتبر من الناحية الاقتصادية البحتة قرارًا صائبًا مائة بالمائة؛ فالحصول على رعاية وعون الآخرين مطلب إنساني ينشده الجميع، ومن العدل أن يحصل عليها من يمنح عمله جهدًا أكبر، ويخرج نتائج أفضل؛ إذ إن قضاء الوقت مع أفضل العاملين يزيد معلوماتهم إذا دربتهم، ويقربك منهم إذا حفزتهم، ووجهتهم بحب وإعجاب. فقضاء الوقت مع أفضل العاملين هو من أفضل الأساليب التعليمية، سواء للعامل أو للمدير.
إدارة نقاط الضعف:
تناولنا فيما سبق أفضل العاملين وكيفية حفزهم ومعرفتهم عن قرب وإخراج أفضل ما بداخلهم. ولكن ماذا عن الفئة الثانية، فئة العاملين غير المتميزين؟
كمدير، أنت مسئول عن إدارة نقاط الضعف في كل العاملين لديك، لا سيما في أولئك الذين تبرز نقاط ضعفهم في العمل، وفي مجالات العمل المتخصصة التي يباشرونها. واجبك تجاه كل موظف من هؤلاء:
أولاً: امنح العامل حقه كاملاً قبل أن تطالبه بالنتائج أو تحاسبه عليها، قدم له أدوات عمل كاملة، ووفر له متطلبات العمل الأساسية.
ثانيًا: ابحث عن نقاط قوته، فإلى جانب كل نقطة ضعف، هناك نقطة قوة توازيها. ما عليك سوى محاولة سبر أغوار الموظف وكشف النقاب عن نقاط قوته.
ثالثًا: ضع الموظف في المكان المناسب لمواهبه ونقاط قوته، وباعد بينه وبين الأعمال التي لا تناسب شخصيته وطموحاته.
ويجب أن تفرق بين نقطة الضعف وانعدام الموهبة:
فنقطة الضعف هي انخفاض في الأداء له أسبابه التي يمكن معالجتها. ومن بين طرق معالجة نقاط الضعف مثلاً أن تمد الموظف بالأدوات التي تساعده على تخطي تلك النقطة. فإذا كانت ذاكرته ضعيفة قدم له المفكرات الإلكترونية والورقية، وكل ما يساعده على تخطي ذلك القصور. ويمكنك حل المشكلة بتشكيل فرق عمل من شخصين تتكامل مواهبهما، فيغطي كل منهما نقاط الضعف لدى الآخر.
أما انعدام الموهبة فيعني ببساطة أنك أخطأت الاختيار، أو أن هذا الموظف يجب أن يعمل في مكان آخر يستطيع أن يتفوق فيه.
المفتاح الرابع: أوجد الوظيفة المناسبة:
بعد أن تعرفت على نقاط قوة وضعف العاملين معك وعلى مواهبهم الظاهرة والدفينة، يأتي دورك لوضعهم في الوظائف المناسبة. ويتطلب ذلك معرفة طبيعة الوظيفة ومواهب الموظف لتتمكن من القيام بعملية مواءمة سليمة.
ومن منطلق اختلاف مواهب الناس، يجب ألا تكون مكافآتنا لهم متشابهة، فالمدير العادي يرى أن المكافأة التي يسعى إليها الجميع هي الترقية، في حين ينظر المدير الواعي للأمر بشكل مختلف. فالمكافأة لا يجب أن تسير في اتجاه واحد، فقد تقوم بترقية شخص ما إلى وظيفة أعلى لا تناسب مواهبه، فتظهر نقاط ضعفه، فحينئذ لا تكون قد أسديت له معروفًا، بل وضعته في مأزق. أنواع المكافآت كثيرة، ومعرفتك بالموظف هي التي تحدد مكافآته. فالترقية لا يجب أن تكون دائمًا لأعلى، بل يمكن أن تكون أفقية، بأن تسند له مهام ذات مسئوليات أكبر. كما يمكنك التعبير عن تقديرك بالشكر أو المكافآت المالية. المهم أن تناسب المكافأة الشخص، وألا تخرجه من مجال يجيده إلى آخر لا يريده. وعليك أن تتذكر دائمًا أن اختلاف الأشخاص يؤدي إلى اختلاف توقعاتهم ومتطلباتهم.
وبما أن معظم الترقيات تكون من العمل التنفيذي إلى العمل الإداري، فعليك أن تتأكد من وجود الموهبة الإدارية قبل أن ترقي صاحبها رأسيًا. فالمهندس المعماري صاحب التصميمات الرائعة ليس بالضرورة مديرًا جيدًا للأفراد والتعامل مع العملاء. ومهمتك كمدير جدير أن تحطم القواعد التقليدية في العمل، وأن توجد وظائف أفقية تسمح بالترقي وتعبر عن الشكر والمكافأة دون أن تنقل الشخص من مجال يبدع فيه إلى مجال يمكن أن يخفق فيه. المهم أن تبقي الشخص داخل دائرة مواهبه.
إدارة المفاتيح الأربعة:
المفتاح الأول يخص البحث عن المواهب والتعرف عليها. أما المفاتيح الثلاثة الأخرى فتخص مرحلة التعامل الفعلي بين الرئيس والمرءوس. ولأننا تحدثنا باستفاضة عن المفتاح الأول، فلنتحدث الآن عن المفاتيح الثلاثة الأخرى:
لكي يدير المدير الواعي المفاتيح الثلاثة بنجاح، عليه أن يقوم بذلك بطريقة إجرائية وتنظيمية مصممة بعناية، وميزة هذا النظام الإجرائي أنه:
1 ـ بسيط وتلقائي وبعيد عن التعقيدات البيروقراطية والأعمال الورقية.
2 ـ يحقق التعامل المستمر والمنتظم ولا يترك عملية التقويم للنماذج السنوية المكررة.
3 ـ يركز على المستقبل؛ فتقويم الأداء هنا يتم لكشف أخطاء الماضي وتداركها ومن ثم وضع تصور مستقبلي متكامل. أما المدير العادي فيقوم الموظف بناء على أدائه السابق فقط.
4 ـ يتيح للموظف نفسه أن يقيم أداءه ودرجة تعلمه؛ فالمناقشات المستمرة تتيح له معرفة وجهة نظر مديره في أدائه، بحيث لا تحدث مفاجآت في نهاية العام، أو أن يكون المدير في واد والموظف في واد آخر من حيث تقويم أدائه.
فما هي أبعاد نظام تقويم الأداء هذا؟
هناك ثلاثة أنواع من الأسئلة يمكن للمدير أن يوجهها لموظفه في أي وقت يشاء.
يهدف القسم الأول منها إلى معرفة نقاط قوته، وأهدافه واحتياجاته، من وجهة نظر الموظف وليس المدير. وهي:
ما الذي استفدته من عملك السابق؟ وما الذي شجعك على الانضمام للشركة؟ وما الذي يحفزك على البقاء فيها؟
ما هي نقاط قوتك، من وجهة نظرك؟
ما هي نقاط ضعفك، من وجهة نظرك؟
ما هي أهدافك بالنسبة لدورك الحالي؟
ما هو المعدل الذي تحب أن نتقابل به (أسبوعيًا، شهريًا)؟
هل لديك أية أهداف أو التزامات شخصية تحب الحديث عنها؟
ما هو أفضل ثناء أو تقدير حصلت عليه؟
هل لك علاقات زمالة أومشاركة ناجحة في العمل؟ ولماذا نجحت في رأيك؟
ما هي أهدافك العملية والمستقبلية؟ وهل هناك أية مهارات جديدة تفضل تعلمها؟ أو تحديات تحب مواجهتها؟
هل هناك ما تريد إضافته أو مناقشته معي؟
ويهدف القسم الثاني منها إلى ربط ماضي الموظف بمستقبله والاستعداد له. ولذا تنقسم أسئلته إلى أسئلة حول أدائه السابق، مثل:
ما هي الخطوات التنفيذية التي اتخذتها؟
ما الذي اكتشفته من خلال عملك في الفترة السابقة؟
ما هي المشاركات وأوجه التعاون في العمل التي كونتها؟
ما هي اهتماماتك الأساسية في العمل؟
ما هي أهدافك خلال الأشهر الثلاثة القادمة؟
ما الذي تهدف لاكتشافه خلاف الفترة القادمة؟
ما هي أوجه التعاون التي تود القيام بها مستقبلاً؟
أما القسم الثالث من الأسئلة فيتعلق بالمستقبل العملي للموظف بشكل عام؛ إذ إن من واجبك أيضًا أن تساعده على تبين الوجهة الصحيحة التي سيسلكها. من هذه الأسئلة:
كيف تصف نجاحك أو مدى نجاحك في دورك الحالي؟
ماذا تعرف عن مهاراتك وقدراتك ومواهبك؟
أي الأدوار التي تلعبها حاليًا تستمتع به لأقصى درجة ويمنحك أكبر درجة من الرضا؟
أيها تستمتع به بدرجة أقل؟ وما هو الحل بالنسبة لها؟
ما هو أنسب الأدوار والوظائف بالنسبة لك؟
هذه الأسئلة التي توجهها للموظف بين الفينة والأخرى تساعدك على معرفته عن قرب. كما تساعدك وتساعده على اتخاذ أية قرارات تتعلق بمستقبله أو وظيفته الحالية.
مفاتيح الموظف:
ولكن، هل يمكن للموظف ذاته أن يدير بعض المفاتيح التي تعينه على معرفته بذاته وبمواهبه وما يناسبه وما لا يناسبه من الوظائف والأدوار؟
يعرف المدير الواعي أن الإجابة عن ذلك السؤال هي: "نعم"، وعليه أن يساعده في العثور على تلك المفاتيح وإدارتها بنفسه، ويعلمه بتوقعاته الآتية؟
أن يحسن استخدام جميع ردود الفعل الإيجابية والسلبية التي يتلقاها في عمله.
أن يقوم أداءه السابق بنفسه بين الحين والآخر بناء على ما تم إحرازه من تقدم.
أن يتعرف على علاقاته المفيدة والأعمال الجماعية التي تمكنه من تحقيق نتائج أفضل من أدائه منفردًا.
أن يخطط لمستقبله بناء على معرفته بقدراته وذاته، مما يحدد توجهاته وتطلعاته.
المفاتيح الرئيسة:
بجانب المفاتيح الأربعة التي يملكها ويديرها كل من المدير الواعي والموظف الطموح،
هناك مفاتيح رئيسة يمكن أن تديرها الإدارة العليا التي تضع السياسات العامة التي
تمكن هؤلاء من القيام بأدوارهم وتشجعهم على هذا الاتجاه. خاصة أن أسلوب الإدارة
التقليدي يقف وراء كل باب، والإدارة العليا هي الوحيدة القادرة على تذليل
العقبات أمم المدر الواعي عن طريق:
التركيز على النتائج؛ فالدور الأساسي لها يجب أن يكون تحديد الأهداف المتوقعة، أما أساليب تحقيق تلك النتائج فيمكن تركها لتنفيذيين من مديرين أو موظفين.
تقدير الأداء الجيد في جميع المستويات: فالتقدير لا يكون للمديرين فقط، بل لجميع العاملين ولجميع المستويات لإظهار الاهتمام و التقدير للأفراد وليس للإدارات فقط.
تحديد سياسيات وأساليب العمل من خلال أفضل العاملين: دع عنك التقويم النظري، وعد إلى الواقع، حلل أداء أفضل العاملين على جميع المستويات، واستق منهم مستوى الأداء المطلوب من باقي العاملين.
إتاحة الفرصة للمدير الواعي ليدير فريقه بأسلوبه الخاص: فإذا ثبت نجاحه عمم التجربة في الشركة بأكملها، ويسر سبل تنفيذها وأزل العقبات أمامها.
هذه المفاتيح الأربعة تمثل مساهمة الإدارة العليا في تعديل ثقافة الشركة إلى الأفضل، والحفاظ عليها، وإن لم تتم إدارتها، فستترك الفرصة للأساليب التقليدية لتولي زمام الأمور، وعندها لا يجب أن نتساءل: أين الموظف الجيد؟ ولماذا لا يمكننا الاحتفاظ به؟
اسم الكتاب :لكي تكون مديرًا جديرًا أولاً: اكسر القواعد السائدة.
تأليف: ماركوس باكنجهام وكيرت كوفمان.
جمع : سليمان الكرد
* * *