القانون الدولي والقانون الاسلامي

المقدمة

 

في السنين الأخيرة ، عاد الاهتمام بالإسلام يتزايد باعتباره ظاهرة سياسية واسعة . فمنذ نهاية عقد السبعينات ، أحرز الإسلام السياسي انتصاراً كبيراً في تأسيس أول حكومة إسلامية ، في إيران . ومنذ عام 1979 ، وبقية الدول الإسلامية في مواجهة متزايدة مع الحركات الإسلامية الراغبة بتأسيس دول جديدة تعتمد كلياً على أحكام الشريعة الإسلامية ، وإلغاء الأنظمة العلمانية التي تحكم المجتمعات الإسلامية منذ نشوء الدول القومية ، بعد عصر الاستعمار .

والدولة الإسلامية ، كغيرها من الكيانات السياسية ، تقيم علاقات خارجية ، تنضم إلى المنظمات الدولية ، وتلتزم بالقانون الدولي والمبادئ العامة كمعايير تنظم علاقاتها مع الآخرين . فقد عاد من المستحيل ، في العالم المعاصر ، الانعزال عن الاتصالات الخارجية ، سياسياً واقتصادياً .وحتى أولئك الذين يبدون عداءً للغرب أو غير المسلمين ، إذا ما وصلوا للسلطة ، سيجدون أنفسهم مجبرين على إقامة علاقات خارجية ، وعقد معاهدات وإتفاقيات مع الدول غير الإسلامية . إن إدارة الدولة لا يمكنها أن تعتمد على الشعارات الثورية أو الأفكار المجردة ، ولا حتى على الحماس الديني ، بل بالتعامل بواقعية مع مفردات العصر ومتطلبات المجتمع الذي تدير شؤونه .

منذ عقد الثلاثينات في هذا القرن ، بدأت الدول الإسلامية في الانضمام إلى المنظمات الدولية; في البداية عصبة الأمم ، ثم منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها . إن مشاركة الدول الإسلامية في النظام العالمي يمكن اعتباره ظاهرة رائعة في التاريخ الحديث للدول الإسلامية . هذه الظاهرة لها جذور تاريخية عندما كان العالم الإسلامي يقيم علاقات وثيقة مع الغرب منذ القرون الوسطى . وامتدت تلك العلاقات على مدى قرون طويلة ، وتضمنت أشكالاً وأبعاداً مختلفة . لقد أثر كل طرف بالآخر في كل المجالات والنشاطات بين الدول ، في السياسة والاقتصاد والثقافة والقانون والعلم . فكان هناك تأثير متبادل بين الطرفين .

وقد جهد فقهاء القانون أنفسهم في محاولة تقريب وجهات النظر الفقهية والقانونية بين العقل الغربي والواقع الاسلامي المتمثل بالنظم والحكومات الاسلامية وعطاء المفكرين والفلاسفة المسلمين فهل وفقوا في ذلك؟ هذا هو جوهر موضوع هذه الرسالة.

يعرض الفصل الأول لمحة تاريخية عن العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب ، باعتبارها مدخلاً للدراسة ، من أجل متابعة تطور مختلف العلاقات بين الجانبين . سأحاول أن أسلط الضوء على أهم الأحداث والاتفاقيات الهامة التي يمكن اعتبارها منعطفات رئيسة في العلاقات الثنائية . إذ يبدو من المهم مناقشة تطور العلاقات في إطار محيطها التاريخي ، للتعرف على بدايات تأثير الغرب على القانون الدولي الإسلامي.

أما الفصل الثاني فيتطرق إلى المواجهة العسكرية ـ الاستعمار ـ بين الحضارتين : الإسلامية والغربية . وسأناقش كيف واجهت المؤسسات الدينية القوات العسكرية الغربية التي احتلت الأراضي الإسلامية . فمن المعروف أن القيادات الدينية لعبت دوراً هاماً في الكفاح أو الجهاد ضد الحكومات الاستعمارية . وعلى سبيل المثال ، قمت بإختيار أربعة بلدان إسلامية ، بلدين سنية المذهب وهي مصر والهند ، وبلدين شيعية هي العراق وإيران . وسيتركز الحديث والنقاش حول الثورات المحلية التي حدثت في تلك البلدان ، والتي كانت رد فعل مباشراً للاستعمار أو الحضور الأجنبي المهيمن على البلدان الإسلامية . أما الأحداث والثورات الأخرى فهي خارج نطاق هذه الدراسة . ويتضمن هذا الفصل مناقشات واسعة للقضايا الشرعية التي نشأت نتيجة الاحتلال الاستعماري للبلدان الإسلامية ، مثل الولاء للحاكم غير المسلم ، والوضع الشرعي للأجانب المقيمين في الأراضي الإسلامية ، وقضية الهجرة من دار الحرب .

ويبحث الفصل الثالث نظرية الحرب والسلم في الإسلام . إذ سأناقش التصورات والنظريات الإسلامية المختلفة بصدد طبيعة العلاقة مع غير المسلمين على الصعيد الدولي . إذ أنه من الضروري دراسة آراء الفقهاء ، وبضمنهم المعاصرين ، فيما يتعلق بالجهاد ، طالما أن أغلب الكتابات والمؤلفات حول القانون الدولي الإسلامي ، أو التي تتطرق لنظرة الإسلام للعلاقات الدولية ، تعتبر الجهاد محوراً أساسياً للنظرية الإسلامية في العلاقات الدولية . وعليه فإن هذه الدراسة لن تتطرق لتفاصيل وأحكام الجهاد . فأحكام الجهاد لا علاقة لها بهذه الدراسة . ومع ذلك فقد ناقشت دوافع الجهاد باعتباره أحد قواعد القانون الدولي الإسلامي ، ومعرفة ما إذا كان السلم أم الحرب هو الأصل في العلاقة مع غير المسلمين أم لا .

أعتقد أن الجهاد يحتل موقعاً منفصلاً في الشريعة الإسلامية ، وأن أحكام الجهاد يجري تطبيقها عندما تنشب الحرب الفعلية . وأن الجهاد يحتل فصلاً خاصاً في القانون الإسلامي وليس أصلاً في السياسة الخارجية أو العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية . فكما أن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يتضمنان فصولاً ومقررات خاصة بالحرب وشؤون الحرب والجرحى والأسرى ، فلا يجري التطرق إليها إلا في حالة وقوع الحرب ، ولا يجري اتهام القانون الدولي بأنه عدواني لمجرد أنه يتضمن قوانين تنظم قضايا وشؤون الحروب ، كذلك موقع الجهاد في الشريعة الإسلامية . فالإسلام نظام وتشريع متكامل ، للسلم والحرب . وكما توجد هناك أحكام للجهاد والحرب ، هناك أحكام وقواعد تنظم السلم ، والتي قلما يُتطرق إليها .

أما الفصل الرابع فيناقش المعاهدات السلمية مع الدول غير الإسلامية . إذ أن النظرة السائدة عن النظرية التقليدية في الإسلام فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية بأنها تميل للعدوانية والتوسع ، وطالما أن الاعتقاد السائد بين الباحثين والأكاديميين بأن الإسلام لا يعرف المعاهدات السلمية مع غير المسلمين ، أو أنها إن وجدت ، فهي محدّدة بفترة مؤقتة، غالباً لا تتجاوز عشر سنوات ، لذلك سأناقش المعاهدات السلمية المبكرة في صدر الإسلام وما بعده . وكذلك موضوع الفترة المحدّدة بعشر سنوات ، وهل هي تشريع أم عرف أم رأي ؟.

وسأتابع ، في هذا الفصل أيضاً ، تطور المعاهدات السلمية بين أوربا والعالم الإسلامي . ويمكن إحراز ذلك من خلال مناقشة تأثير الامتيازات الأجنبية على القانون الإسلامي ، بصورة عامة ، والقانون الدولي الإسلامي بشكل خاص . منذ القرون الوسطى وحتى القرن العشرين ، كان نظام الامتيازات يمثل حضور الأنظمة القانونية الغربية في البلدان الإسلامية . فقد كان للامتيازات تأثير هام في قبول المفاهيم والقواعد القانونية الغربية في المجتمعات الإسلامية . وسيتركز النقاش حول القضايا التي نشأت من الامتيازات والتي لها علاقة بالقانون الدولي الإسلامي ، مثل الإعفاء الضريبي للأجانب غير المسلمين ، الامتيازات والحصانة القضائية للرعايا الأجانب مما جعل سلطة القاضي غير المسلم أعلى من سلطة الدولة الإسلامية التي يقيم فيها ، حماية الأقليات غير الإسلامية ، وترسيخ السلم مع الغرب .

ونتيجة لتطور القانون الدولي الإسلامي ، يساهم الفقهاء المعاصرون بطرح نظريات جديدة فيما يخص الوضعية الشرعية للدول غير الإسلامية . يناقش الفصل الخامس الآراء المتفاوتة بين الفقهاء تجاه التقسيم الثنائي للعالم ، أي دار الإسلام ودار الحرب ، والإجابة على السؤال : إلى أي قسم تنتمي الدول الغربية  ؟

إستناداً إلى بعض الفقهاء ، تعتبر الدول غير الإسلامية دار عهد . وهذا ما يزيل عقبات كثيرة في بناء علاقات قوية مع هذه الدول ، ويسمح بتوسيع مساهمة العالم الإسلامي في النظام العالمي . وتؤدي هذه النظرة إلى موقف أكثر تسامحاً فيما يتعلق بإقامة الأقليات المسلمة المهاجرة في الغرب .

ويناقش الفصل السادس وجهة النظر الإسلامية تجاه الإتفاقيات الدولية ، وسياسة الدول الإسلامية بهذا الصدد . إن الدول الإسلامية أنشأت علاقات خارجية مع الدول غير الإسلامية في وقت مبكر ، وعقدت معها اتفاقيات عديدة . وتلزم هذه الاتفاقيات الدول الإسلامية باحترامها وتنفيذها ، ليس على أساس سياسي أو قانوني فحسب ، بل على أساس ديني أيضاً . وسنناقش القواعد القانونية في عقد المعاهدات الدولية ، حيث سيتم التطرق إلى مبان شرعية هامة ذات تأثير في القانون الدولي الإسلامي ، مثل المصلحة والعرف ، التي يعتمدها الفقه الإسلامي في قبول الاتفاقيات والالتزامات الدولية . وسيكون هذا الفصل مقدمة للفصل التالي الذي يعالج العلاقة بين الإسلام والأمم المتحدة .

ويسلط الفصل السابع الأضواء على النقاشات الفقهية الإسلامية التي تتعلق بانضمام الدول الإسلامية إلى الأمم المتحدة ، وقبول مبادئ ميثاقها . وتمثل هذه المرحلة الذروة التي بلغتها الدول الإسلامية في قبولها النظام الدولي ومنظماته ووكالاته . وسأناقش مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتأثيرها على الدول الإسلامية الحديثة وعلاقاتها الدولية; وهذه المبادئ هي : مبدأ التعايش السلمي ، مبدأ الحل السلمي للنزاعات الدولية ، مبدأ الامتناع عن استخدام القوة ، مبدأ السيادة ، مبدأ حق تقرير المصير ، مبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية ، ومبدأ الاعتراف بالدول غير الإسلامية . وأحدثت هذه المبادئ جدلاً بين الفقهاء ، كما أدت إلى حضور حيّ للفقه الإسلامي في القضايا والمبادئ الدولية . إن مثل ذلك النمط من التفكير يبدو ضرورياً لتطوير القانون الدولي الإسلامي ، وإبداع قواعد فقهية عصرية تتعامل مع المشاكل والعلاقات والمبادئ الدولية .

ويناقش الفصل الثامن نظرة الإسلام للقضاء الدولي . إذ أن اللجوء إلى محكمة غير إسلامية هو ظاهرة جديدة في العالم الإسلامي ، وقد رفعت العديد من الدول الإسلامية قضاياها ونزاعاتها إلى محكمة العدل الدولية . وسأسلط الضوء على القواعد الشرعية التي جعلت الدول الإسلامية ترضى بقضاء محكمة غربية تطبق قانوناً غير إسلامي . وسأناقش ايضاً مبادئ وأسس تأسيس محكمة العدل الإسلامية الدولية ، وقضايا التحكيم وصفات القاضي والمحكم .

إن هدف هذه الدراسة هو تقييم ومتابعة تطور القانون الدولي الإسلامي من خلال علاقة العالم الإسلامي بالغرب . إذ سيقتصر البحث حول تأثير هذه العلاقة على القانون الدولي الإسلامي ، دون بقية العوامل الأخرى . منهجياً ، سأقوم أولاً بتحديد مبدأ أو مفهوم معين في القانون الدولي (الغربي) ، ثم معرفة كيف تم قبولها من قبل المسلمين ، وكيف اُدرجت ضمن القانون الدولي الإسلامي . إن تقييم قبول هذه المفاهيم سيتخذ منحيين : الأول : تاريخي ، لإلقاء الضوء على الظروف وطبيعة المحيط السياسي الذي خلق الأجواء لقبول هذه القواعد . الثاني : شرعي ، لمعرفة ما إذا كانت هذه المبادئ الجديدة مبنية على أحكام وقواعد الشريعة الإسلامية ومصادرها . وستتركز المناقشات ، فيما يتعلق بالمنحى الثاني ، على فتاوى الفقهاء وآراء العلماء والباحثين . ولغرض إحراز هذا الهدف ، سأستخدم المصادر التالية :

ـ الفتاوى

الفتوى هي رأي فقهي بصدد موضوع معين في القانون الإسلامي . وهي الحكم الشرعي الكلي للأشياء . وقد تتعلق بمواضيع عديدة ، شرعية ، اجتماعية وسياسية ، مما يواجهه المسلمون في حياتهم اليومية . وتمثل الفتوى الرأي القانونيـ الديني للفقيه أو المفتي بصدد مسألة معينة .

وعلى مر القرون ، واجهت الفقهاء قضايا مستجدة في كل عصر ، كان من اللازم عليهم إعطاء حلول تنطبق مع قواعد الشريعة . وقد نجح بعض الفقهاء أحياناً في تطوير نظرات وحلول جديدة لمشاكل المجتمعات الإسلامية . وإذا كان الفقه الإسلامي يسير ببطء حتى القرن التاسع عشر ، إلا أن القرن العشرين حمل تحديات كثيرة وكبيرة للمسلمين ، جعلت الفقهاء يبذلون جهوداً لملاحقتها. وما زالت هناك قضايا وجوانب في شتى الميادين بحاجة إلى رأي الإسلام فيها . إذ ما زال العلم والتكنولوجيا والتقدم الصناعي والطبي يطرح أسئلة بحاجة إلى إجابة إسلامية رصينة ، تستطيع تكييف المجتمعات الإسلامية مع التغيرات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم .

ومن هذه القضايا موضوع العلاقة مع غير المسلمين ، فقد قدم بعض الفقهاء صياغات لقواعد إسلامية جديدة ، أزاحت النظريات التقليدية باتجاه وضعية ديناميكية للأطروحة الإسلامية . وكان لبعض الفتاوى تأثير عظيم في المجتمعات الإسلامية ، ولعبت أدواراً رئيسة في الأحداث التاريخية والسياسية . كما أحرز الفقهاء وبنجاح تقدماً ملحوظاً في قبول المبادئ الجديدة ، والمأخوذة أصلاً من المفاهيم الغربية ، فوضعوا بذلك الدول الإسلامية ، إلى حد ما ، في توافق وانسجام مع المتغيرات الدولية ، وإقامة علاقات دولية مع بقية دول العالم ، وبضمنها الدول غير الإسلامية .

وفي هذا الصدد حرصت على استقصاء آراء الفقهاء المعاصرين فيما يتعلق بقضايا القانون الدولي الإسلامي والعلاقات الدولية مع الدول غير الإسلامية والانضمام للمنظمات الدولية وغيرها من المواضيع التي تضمنتها هذه الدراسة . وقد أجاب بعضهم [1][1] مشكورين من خلال اجابات مختلفة على شكل فتاوى معاصرة ، قد تكون لأول مرة يتطرق فيها الفقه الإسلامي إلى هذه القضايا . لذلك فهي تتضمن جوانب إبداع وأصالة ومعاصرة ، بشكل يفتح الآفاق أمام الفقه الإسلامي للنمو والتطور فيما يتعلق بالقانون الدولي الإسلامي . ولا يسعني في هذه المناسبة إلا توجيه الشكر والامتنان لكل الفقهاء والعلماء والأجلاء ومنهم سماحة السيد محمد حسين فضل الله (مرجع ديني كبير) ، سماحة السيد كاظم الحائري (مجتهد في الحوزة العلمية في قم) ، سماحة الشيخ لطف الله الصافي (مرجع ديني كبير) ، وسماحة الشيخ محمد علي التسخيري (مستشار قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية للشؤون الدولية) [2][2] .

ومن الأمور المستجدة في هذه الفتاوى أنها ذكرت أن فكرة الجهاد الابتدائي لم تعد قائمة بعد الآن ، طالما أن الدول الإسلامية وقعت معاهدات سلمية أو معاهدات عدم اعتداء مع الدول غير الإسلامية . كما أن الانضمام إلى ميثاق الأمم المتحدة بمثابة توقيع معاهدة سلمية مع الدول المنضمة إليها . وتضمنت هذه الفتاوى مفاهيم ونظرات متطورة تجاه الاتقافيات الدولية ، ومحكمة العدل الدولية ، بشكل تساهم فيه هذه الفتاوى بتطوير القانون الدولي الإسلامي 

ـ المعاهدات

المعاهدة هي اتفاق بين طرفين أو أكثر ، تتضمن التزامات متبادلة بينهم ، وتنظيم العلاقة بين أطرافها . وتمثل المعاهدات ، بصورة عامة ، الأهداف والمصالح التي يجب بلوغها وحمايتها بواسطة الاتفاق أو العهد أو الامتياز . وتعكس المعاهدات بوضوح طبيعة الأفكار السائدة والأنظمة السياسية للدول في فترة تاريخية معينة . فالمعاهدات تمثل وثائق هامة تجسد المبادئ والقواعد التي كانت تحكم العلاقات الدولية بين الأمم والحكومات . وما تزال الاتفاقيات تمثل مصدراً رئيساً في القواعد القانونية الدولية ، وتلعب دوراً هاماً في العلاقات الدولية .

وعبر عصور طويلة ، مارست الدول الإسلامية توقيع الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول غير الإسلامية . وتضمنت تلك الاتفاقيات التزامات وقواعد وشروطاً ومبادئ عديدة ، بشكل تمثل تطوراً في القانون الدولي الإسلامي . ومن خلال التركيز على معاهدات معينة ، يمكن اعتبارها خطوات متقدمة في تطوير القانون الدولي الإسلامي ، وقبول مفاهيم جديدة ، بشكل يجعل الباحث يتصور طبيعة الظروف التاريخية التي جعلت تلك الدول توقّع هذه المعاهدة أو تلك .

من الصحيح القول أنه ليس كل الحكام المسلمين ، عبر التاريخ ، قاموا بتوقيع اتفاقيات ومعاهدات مع الدول غير الإسلامية دون الرجوع للمؤسسة الدينية او استشارة الفقهاء المعاصرين لهم ، ولكن يمكن القول ، إلى حد ما ، أن الدول الإسلامية وقعت تلك الاتفاقيات وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية ، وخاصة عند وجود مؤسسة دينية متطورة ، أو فقيه أو مفتي يعمل في البلاط الملكي; مثلما هو الحال في الدولتين العثمانية والصفوية .

ـ كتابات الباحثين المعاصرين

تقدم الكتابات والدراسات الحديثة للعلماء والباحثين المسلمين مساهمة كبيرة في تطوير آراء ونظرات جديدة فيما يتعلق بالقانون الدولي الإسلامي ، والعلاقات الدولية للدول الإسلامية . فقد بذلوا جهوداً حثيثة لبناء أسس جديدة في إعادة تفسير مصادر الشريعة ، أي القرآن والسنّة بصورة رئيسة . وقاموا بمقارنات واسعة وعميقة بين المبادئ العامة للقانون الدولي والمفاهيم الإسلامية . وقد ساروا شوطاً كبيراً في تقليص الفجوة بين مبادئ القانونين ، وقاموا بصياغة أفكار قانونية جديدة ، بشكل جعل الدول الإسلامية تقيم علاقاتها الخارجية بثقة وشرعية .

إن قسماً كبيراً من الكتابات الإسلامية ، في هذا الصدد ، هي ردود أفعال للإتهامات التي تطلق على الإسلام من قبل الباحثين الغربيين والكتّاب العلمانيين المحليين ، مما يدفع العالم والفقيه المسلم للإجابة والرد على تلك الاتهامات ، ويسعون من خلال مؤلفاتهم وكتاباتهم وردودهم دحض الافتراءات ، والتأكيد على أن الإسلام يمتلك منظومة من القيم والأخلاق الإنسانية الرفيعة تجاه البشرية جمعاء ، وأن الأحكام الإسلامية تتضمن معاملة إنسانية ذات مستوى عال يمكنها أن تحقق مبادئ العدل للبشرية .

ومن الضروري القول بأن كتابات المستشرقين والباحثين غير المسلمين قد احتلت قسماً هاماً من مصادر هذه الدراسة . فقد أغنت الدراسة بمعلومات وأفكار ونقاشات وتحليلات رائعة ، تتعلق بقضايا تاريخية وقانونية ذات صلة مباشرة بالقانون الدولي الإسلامي .

واستخدمت في هذه الدراسة وثائق إسلامية معاصرة ذات أهمية خاصة ، كونها صدرت من مجامع علمية لها قيمتها وثقلها في العالم الإسلامي من الفقهاء والعلماء والقانونيين المسلمين ، مثل :

1 ـ ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي الصادر عام 1972 .

2 ـ النظام الداخلي لمحكمة العدل الإسلامية الصادر عام 1986 .

3 ـ دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية الصادر عام 1979 .

4 ـ بيانات المؤتمرات الإسلامية ، مثل مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر، ووثيقة مكة الصادرة عام 1990.

إن هذا الكتاب في الأصل رسالة ماجستير قدمتها إلى قسم الدراسات الإسلامية في جامعة ليدن بهولندا ، وحازت على درجة الامتياز . وأصل الرسالة باللغة الانجليزية ، فأعدت كتابتها باللغة العربية ، وأضفت إليها ما يهم القارئ العربي المسلم .

القانون الدولي والقانون الدولي الإسلامي

يعرّف القانون الدولي بأنه مجموعة القواعد التي تعين حقوق الدول وواجباتها المختلفة في علاقاتها المتبادلة [3][1]، أو مجموعة القواعد القانونية الملزمة للدول والشخصيات القانونية الدولية الأخرى في علاقاتها المتبادلة [4][2] . فالموضوع الذي يتعامل به القانون الدولي يقع خارج الدولة وليس في أنظمتها الداخلية . فهو ينصبّ على حقوق الدول وعلاقاتها مع بعضها . وقد أضيف إليه بعض الأفراد الذين يمثلون شخصيات دولية كالأمين العام للأمم المتحدة .

وتعود جذور القواعد الدولية إلى عصور سحيقة في التاريخ . فرغم عدم وجود علاقات وثيقة بين الوحدات الدولية والشعوب المتجاورة لكن الحاجة كانت تقتضي تنظيم بعض القضايا أو العلاقات المتبادلة في ظروف محدودة . فغالباً ما تنشأ حروب بينها ، وتنتهي بانتصار إحداها ، فيجتمع الفريقان لتنظيم قضايا تبادل الأسرى أو دفع الجزية أو الإتفاق على إنهاء حالة العداء بينهما ، أو المرور في أراضي الدولة الأخرى . وقد حفلت المصادر التاريخية باتفاقيات دولية في عهود الفراعنة والسومريين والآشوريين والبابليين واليونان والرومان والهند والصين وغيرهم . وشهدت روما والمدن والأقاليم المجاورة لها معاهدات صداقة تنص على احترام السفراء والمبعوثين ، وعلى التحكيم عند نشوء نزاع . ومنها نشأت بعض قواعد العرف الدولي ، وبتكرارها صارت قواعد قانونية دولية .

وبسبب النظرة الاستعلائية للرومان واليونان ، حيث أنها تعتبر نفسها شعوباً ممتازة ، وتعتبر الشعوب الأخرى همجية يجوز استعبادها بالقوة ، نشأت فكرة التمييز العنصري بين الدول; حيث امتازت تشريعات القانون الروماني بالكثير من المساواة بين أفراد الشعب الروماني ، في حين اختلفت تلك التشريعات عن التي وضعت لحكم شعوب الدول التابعة لروما أو ما كان يطلق عليهم البرابرة . وعندما يقع خلاف بين هذه الدويلات التابعة كانت روما هي التي تفصل فيه ، فنشأت بذلك فكرة وجود دولة كبرى لها صفة الرئاسة العليا بين الدول . وظلت هذه الرئاسة لأباطرة الرومان في عهد الدولة الرومانية الغربية (اللاتينية) . وبعد سقوطها عام 476 م انتقلت إلى الامبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) . ومن بعدها للامبراطورية الجرمانية التي نشأت عندما قام البابا ليو الثالث بتتويج شارلمان في روما عام 800 م . فلما ضعفت هذه انتقلت سلطة الرئاسة للبابا ، فجمع في يديه سلطة الرئاسة الدينية ، التي كانت له على جميع أنحاء العالم المسيحي ، وسلطة الرئاسة الدنيوية على أمراء وملوك الدول المسيحية [5][3] .

تأثير المسيحية على القانون الدولي

في العصور الوسطى بات من الضروري قيام البابا بتتويج الملك ومنحه بركته ، وأخذت المجالس الكنسية تضع القواعد الدولية وتعمل على إيجاد أسرة دولية تجمع بين دول أوربا الغربية تحت السلطة العليا للبابا . ومن القواعد التي وضعتها (صلح الإله) و (هدنة الرب) التي تنظم الصلح والهدنة بين الدول المسيحية المتحاربة . ووضعت قاعدة (هدنة الرب) في القرن الحادي عشر، ومفادها : أنه لا يحل لمسيحي أن يحارب مسيحياً آخر من غروب شمس الأربعاء حتى مطلع يوم الإثنين ، وشمل التحريم أيام الأعياد . وهي تشابة الأشهر الحرم في الشريعة الإسلامية ، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم لتأمين انتقال الحجاج من وإلى مكة المكرمة ، ورابع (رجب) يتوسط باقي أشهر العام .

وكثرت المؤتمرات الدينية والدولية التي يدعو إليها البابا ويحضرها الأمراء والملوك من دول أوربا المسيحية . وكان للحروب الصليبية دور رئيس في تشكيل الهوية الأوربية للشعوب المسيحية في أوربا . فقد كانت عاملاً هاماً في تكتل وتماسك الدول الأوربية بهدف تعبئة الناس للمشاركة في الأهداف المعلنة للحروب وهي (تخليص الأراضي المقدسة من أيدي الوثنيين وتحرير الصليب) . فلأول مرة تجتمع القارة الأوربية متخلصة من حواجز التباين والصراعات بين القبائل والشعوب والأجناس المتنوعة (فرنج وسكسون وجرمان ونورمانديين ولومبارديين وصقليين وبورغنديين) ، فعزز ذلك الجهد المشترك في الحروب ، عزز المفهوم السياسي والديني للعالم المسيحي ، والذي خلق بدوره المفهوم الثقافي لأوربا . وعندما حض البابا أوريان الثاني في خطابه الشهير الذي ألقاه في كليرمون (فرنسا) في تشرين الثاني 1095 المسيحيين على شنّ حرب على (الجنس الشرير) الذي كان يمتلك الأرض المقدسة ، إنما كان يعلن ميثاق المدنية الغربية [6][1] ، وقد أثر تماس المسيحيين مع المسلمين طوال قرنين من الحروب الصليبية على نمط المبادئ والأعراف التي اعتمدها الأوربيون فيما بعد . فقد كان للقواعد الشرعية الإسلامية كقواعد الحرب والسلم والهدنة والصلح وغيرها تأثير في القانون الدولي الأوربي ، فعندما عاد الملوك وأمراء الإقطاع إلى أوربا نقلوا معهم بعض النظم السياسية والإدارية ، فمثلاً كانت الدول الأوربية على شكل إقطاعيات كثيرة ، لكل جيشه وضرائبه وعلاقاته الداخلية والخارجية ، ورأوا أن الإسلام أرسى قواعد الدولة المركزية حيث يرأسها شخص واحد ، يقوم بتعيين وعزل الولاة على الأقاليم . فبدأ ملوك فرنسا بالقضاء على نظام الإقطاع ووحدوا دولهم ، وتبعهم ملوك إيطاليا وألمانيا . فأدى ذلك إلى ظهور دول في أوربا متحدة يستطيع رؤساؤها التحدث باسمها ، والارتباط مع الدول الأخرى بعلاقات دولية عامة ثابتة [7][2].

 

القانون الدولي الإسلامي

بدأ الاهتمام بالعلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم خارج الجزيرة العربية في المرحلة المكية ، عندما نصح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعض أصحابه من المسلمين الأوائل بالهجرة إلى الحبشة للتخلص من ظلم قريش لهم . وجاءت سورة الروم تتحدث عن حرب بين دولتين عظميين في المنطقة (الروم والفرس) ، وحدد القرآن الموقف الإسلامي من تلك الحرب التي انتصر فيها الفرس ، وبشر المسلمين بانتصار الروم بعد بضع سنين . وحالما استقرت دولة المدينة باشر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بإرسال رسائل إلى الدول الكبرى في المنطقة (بيزنطة وفارس ومصر واليمن والحبشة) يدعو زعماءها وشعوبها إلى الإسلام . وبعد ثمانين عاماً كانت الدولة الإسلامية أكبر امبراطورية في المنطقة تمتد من الهند شرقاً إلى إسبانيا غرباً . فأصبحت لها حدود مشتركة وطويلة مع العديد من الدول والشعوب غير المسلمة . وكانت علاقات الدولة الإسلامية (الأموية والعباسية) متوترة مع جميع جيرانها عدا الحبشة . وبسبب الحروب والمعارك كانت هناك حاجة ماسة لتنظيم فترات الهدنة والصلح والجزية وتبادل الأسرى وإقرار السلم .

بدأ الفقهاء المسلمون يتناولون قضايا القانون الدولي في كتب الفقه فيما يعرف بالسِّيَر (جمع سيرة) والتي يقصد بها طريقة معاملة المسلمين لغير المسلمين خارج (دار الإسلام) . وتتضمن لفظة السيرة معنيين ، الأول : والذي كان المؤرخون وأصحاب السير يستعملونه ، يعني قصة أو سيرة حياة الرجل . والثاني : وكان الفقهاء يستعملونه ويعني تصرف الدولة في علاقاتها مع الشعوب الأخرى [8][1] . يقول السرخسي في شرحه الوافي لكتاب (السير الكبير للشيباني) : إعلم أن السير جمع سيرة ، وبه سمي هذا الكتاب لأنه يبين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة ومع المرتدين الذين هم أخبث من الكفار بالانكار بعد الإقرار ، ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين وإن كانوا جاهلين وفي التأويل مبطلين [9][2] .

ومن أوائل الفقهاء المسلمين الذين تناولوا قضايا السير هو محمد بن الحسن الشيباني الذي كتب مؤلفه (السّيَر الكبير) ، وعبد الرحمن الأوزاعي (توفي 157 هـ، 774 م) من الذين عالجوا السير كموضوع مستقل من مواضيع الفقه . وكان سفيان الثوري (توفي عام 161 هـ، 778 م) والشعبي (توفي عام 104 هـ، 723 م) شديدي الاهتمام بموضوع الحرب . ويبدو أن آراءهما كان لها تأثير في أبي حنيفة (توفي عام 150 هـ، 768 م) وفي نفوس تلاميذه من بعده وخاصة أبو يوسف والشيباني اللذين عالجا الموضوع بإسهاب . ولم يعر فقهاء الحجاز كمالك بن أنس (توفي عام 179 هـ، 796 م) أقل اهتمام لأنهم كانوا بعيدين عن المناطقالتي حصل فيها الاتصال المباشر بين الإسلام وبين شعوب أخرى ، فلم يبالوا كثيراً بالمشكلات التي كانت تنشأ نتيجة لهذا الاحتكاك بين المسلمين وبين الشعوب الأخرى [10][3] . في حين كان فقهاء العراق من الحنفيين وفقهاء المغرب المالكيين على تماس مباشر مع الشعوب والدول غير الإسلامية .

وجرى تصنيف العالم إلى (دار الإسلام) و(دار الحرب) ، وهي تسميات لم ترد لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ، بل مجرد مصطلحات ابتكرها الفقهاء للتمييز بين الأرض الإسلامية التي يسودها القانون الإسلامي والأراضي التي تعود لغير المسلمين وتسودها قوانين غير إسلامية . وكان الفقهاء القدامى يتناولون موضوع السير إما في باب الجهاد أو أبواب أخرى كالمغازي والغنائم والردة وعهد الأمان . ويشبه التقسيم الإسلامي من حيث المبدأ على الأقل ، ما قبله البلشفيك في روسيا ، فهذه البلاد هي الوطن العام لكل شيوعي و(دار السلام) للقائلين بهذه الأيديولوجيا ، وما بقي من العالم حيث يسود أصحاب الأموال فهي (دار حرب) يتعين فيها على كل ثائر شيوعي أن يتخذ جميع الوسائل ، هو وحزبه ، للإستيلاء على مقاليد السلطة فيها [11][4] .

وقد تناول أبو حنيفة وتلامذته بعض المفاهيم ذات الصلة بالقانون الدولي مثل مبدأ المعاملة بالمثل أي معاملة غير المسلمين الداخلين إلى دار الإسلام كما يعامل المسلمون في دار الحرب . كما ينطبق هذا المبدأ أيضاً على التمثيل الدبلوماسي رغم أن حصانة الممثل الدبلوماسي كان عرفاً متبعاً في التمثيل الدبلوماسي . ويطبق أيضاً في تبادل الأسرى وفي دفع الفدية . وكانوا يعتبرون المسلمين وغير المسلمين شخصيتين لكل منهما وضعها القانوني سواء كانوا أفراداً أو جماعات . وكان لانفصال الأقاليم آثار قانونية تمس علاقات المسلمين مع غيرهم من الشعوب . وهكذا نجد أن أبا حنيفة ، في الوقت الذي كانت فيه الشريعة الإسلامية ملزمة لكل مسلم في أي إقليم يقيم فيه ، يدخل فكرة الإقليمية في العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين . وعليه صار استنباط الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع يستند إلى العرف والقياس وإلى الإقليمية أو (الدار) بالاصطلاح الإسلامي . وقد اختلف فقهاء آخرون كالأوزاعي مع أبي حنيفة حول فكرة الإقليمية .

وينشأ عن هذا المبدأ الأساسي قضية أخرى وهي أنه على المسلمين أن يعترفوا بأحكام البلدان غير الإسلامية وقوانينها على أنها ملزمة للمسلمين عندما يكونون مقيمين في دار الحرب . وكان أبو حنيفة يعتبر أعمال الأفراد المسلمين المقيمين في دار الحرب التي تخالف قوانين البلاد أعمال سرقة وقطع سبيل .

وإذا كان الغرب يعتبر العالم والسياسي الهولندي هوجو دي غروت  HugoDE Groot الذي عاش في القرن السابع عشر هو أبو القانون الدولي فإن بعض الباحثين الغربيين يعتبرون الشيباني (دي غروت الإسلام) . وقد اعترف هانس روزه (إن إحلال الشيباني محلاً رفيعاً في تاريخ القانون الدولي محلاً يستحقه بجدارة) ، فأسس عام 1955 (جمعية الشيباني للقانون الدولي) [12][5].

الدولة الإسلامية والقانون الدولي الحديث

بقي العالم منقسماً إلى وحدات دولية على أساس ديني ، أوربا المسيحية ، والشرق الأوسط الإسلامي ، والهند والصين وما جاورها هندوسية وبوذية وكونفشيوسية . ورغم وجود عدة دول ووحدات سياسية داخل الكيان الديني لكن العامل الديني بقي يسيطر على فكرة التقسيم الدولي . وبدأ القانون الدولي يتطور حين أقر مبدأ الفصل بين العقائد الدينية وبين العلاقات الخارجية . وقد أدى هذا المبدأ إلى إعادة القضايا الدينية إلى إطارها الداخلي الوطني ، بالخلاف من العقيدة الإسلامية التي تعتبر المسلمين كياناً واحداً أو ما يعرف بالأمة الإسلامية ، رغم وجودهم في دول متعددة جغرافياً وسياسياً . ففي مطلع القرن السادس عشر كان العالم الإسلامي ينقسم إلى ثلاث وحدات سياسية مستقلة هي الدولة العثمانية في تركيا والدولة الصفوية في إيران والدولة المغولية في الهند . ورغم وجود تنافس واختلاف مذهبي وحروب دامية بين العثمانيين والصفويين لكنهم اضطروا إلى تنظيم علاقاتهما على أسس علمانية واعتراف كل دولة بالأخرى . في حين كانتا ترفضان تنظيم علاقاتهما على أساس المساواة والمعاملة بالمثل . فعندما أعلنت إيران المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة ، غضب الباب العالي ، ولم يعترف بحق هذه الدولة بالإعلان عن مذهبها الرسمي كما تعلن الدولة العثمانية عن مذهبها السني ، فأصدر السلطان أوامره بطرد وقتل المواطنين الشيعة المقيمين داخل الدولة العثمانية . ورداً على ذلك وحسب مبدأ المعاملة بالمثل راحت إيران تطرد أو تقتل المواطنين السنة القاطنين في بلادها .

ولعل أهم التغييرات التي تناولت العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين هو إقرار العلاقات السلمية بين الشعوب المختلفة ديناً وعرقاً . فقد عقد السلطان سليمان القانوني عام 1535 معاهدة مع ملك فرنسا ، فرنسيس الأول ، تضمنت الاعتراف بأن السلم هو القاعدة التي تنظم علاقات المسلمين بغيرهم . واعتبرت المعاهدة ملك فرنسا ومبعوثيه على قدم المساواة مع السلطان العثماني وممثليه . وتنص المادة الأولى على قيام سلام قانوني وأكيد بين السلطان العثماني وملك فرنسا ، ما داما على قيد الحياة ، وعلى منح رعاياهما المقيمين في بلاديهما حقوقاً متبادلة . وقد أعفي الرعايا الفرنسيون من دفع الجزية . كما أنهم منحوا حرية ممارسة عقائدهم الدينية ، وحق المقاضاة في محاكمهم القنصلية بحسب قوانين بلادهم [13][1] . وهو أمر يحدث لأول مرة حيث يطبق قانون غير إسلامي في محاكم على أراض إسلامية . كما أنه جرى إعفاء غير المسلمين المقيمين في الأراضي الإسلامية من دفع الجزية . ولم يجرِ تحديد إقامتهم كما في السابق حيث لا يتجاوز عهد الأمان السنة الواحدة . كما أن المعاهدة غير محددة الأمد في حين كان الفقهاء القدامى يشترطون أن لا تزيد مدة الصلح على عشر سنوات .

ومن التغييرات الهامة في نظرة المسلمين وعلاقاتهم بغيرهم هو قبولهم بمبدأ سيادة الأرض وسيادة قانون ذلك الإقليم ، تلك السيادة التي تفرضها طبيعة انفصال الإقليم عن غيره من الأقاليم . فقد كانت نظرة الدولة الإسلامية أنها دولة عالمية والقانون شخصي لا علاقة له بالأرض . فأصبح المواطن يظهر ولاءه للدولة المستقلة داخل إطارها استقلالاً كاملاً وليس للدولة العالمية الشاملة . وجرى تعزيز المفهوم الأوربي لفصل الإقليم واحترام حدوده وتطبيق قانونه فوق أراضيه . إن مبدأ تبعية المواطن لدين حاكمه الذي تبنته الدول الأوربية أول مرة في معاهدة الصلح المعروفة بمعاهدة أوجزبرج سنة 1555 أصبح أساساً للنظام الأوربي بعد معاهدة وستفاليا عام 1648 ، كما أنه كان عاملاً فعالاً في تنسيق العلاقات بين الدول المسيحية في أوربا ، ثم في تنسيق علاقتها مع العالم الخارجي الذي لا يدين بالمسيحية وفي تمهيد السبيل لخلق مجتمع دولي [14][2] .

لقد تطور القانون الدولي المسيحي منذ معاهدة وستفاليا التي حققت ما يلي :

1 ـ أنها قضت على نفوذ البابا في رئاسته على الدول ، فقضت بذلك على فكرة وجود رئيس أعلى يسيطر على الدول الأوربية .

2 ـ أقرت مبدأ المساواة بين الدول المسيحية جميعها سواء الكاثوليكية أو البروتستانتية ، الملكية أو الإقطاعية ، وذلك باجتماعها في مؤتمر عام لم يدع إليه البابا .

3 ـ أحلت نظام السفارات الدائمة محل السفارات المؤقتة ، مما أدى إلى دوام اتصال الدول بعضها ببعض.

4 ـ أنشأت المعاهدة فكرة التوازن الدولي في أوربا ، كوسيلة أساسية من وسائل حفظ السلام ، ومفادها أن تتكاتف الدول على الحيلولة دون توسع أي دولة على حساب دولة أخرى . فقررت استقلال كثير من الدول التي التهمتها الامبراطورية الجرمانية من قبل .

5 ـ فتحت باب تدوين قواعد القانون الدولي العام بتسجيلها في المعاهدات المقبلة تباعاً .

ومن الأحداث السياسية الهامة هو انضمام روسيا إلى جماعة الدول الأوربية واعتبارها دولة كبرى ، وإعلان استقلال أمريكا عام 1776 ثم قيام الثورة الفرنسية عام 1789 التي نادت بحق الأمم في اختيار نظمها الدستورية بحيث لا يفرض على دولة ما نظام ملكي بحجة التوازن الدولي أو الإبقاء على العروش المسيحية الأصيلة . وقد حققت أوربا انجازاً كبيراً حين اتفقت جميعاً ضد نابليون الذي أخذ يتوسع من اجل تكوين امبراطورية عظيمة ، فهزمته أوربا ، ثم اجتمعت في مؤتمر فينا عام 1815 حيث وضعت قواعد دولية جديدة . فقد أعاد الملكية إلى بروسيا (ألمانيا) والنمسا ، وضم السويد إلى النرويج وجعل منهما دولة اتحاد حقيقي . كما ضم بلجيكا إلى هولندا كدولة ملكية قوية ، وجعل سويسرا دولة محايدة لتكون سداً يصد التوسع الفرنسي مستقبلاً [15][3] .

لم تكن الدول الأوربية تعتبر الدولة العثمانية عضواً في المجموعة الأوربية ولا خاضعة للقانون الدولي الأوربي لأن العرف الأوربي لم يكن ملزماً لغير الأوربيين . وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ارتأت الدول الأوربية أن تعامل تركيا بوصفها عضواً في المجموعة الأوربية . كما سمحت لتركيا أن تكون عضواً يشترك في القانون العام ضمن مجموعة الأسرة الأوربية بدعوة من الدول التي وقعت معاهدة باريس (30 آذار 1856). وكانت تركيا قد أخذت قبل عام 1856 سنوات كثيرة تعمل طبقاً للقانون الدولي بإقامتها علاقات دبلوماسية وبعقدها معاهدات مع الشعوب الأوربية .

الإسلام المعاصر والقانون الدولي

بعد انهيار الدولة العثمانية عام 1918 بهزيمتها في الحرب العالمية الأولى ، وقعت بقية الأقاليم الإسلامية تحت الاحتلال الأجنبي . فأصبح نصف العالم الإسلامي تحت الاحتلال البريطاني والنصف الآخر تحت الحكم الفرنسي والهولندي والإيطالي والإسباني . ولم يأت عام 1920 حتى قررت عصبة الأمم فرض الانتداب على العراق وسوريا وفلسطين والأردن ومصـر تنفيذاً للقرار الدولي . وفي السنوات اللاحقة بذل المسلمون تضحيات جسيمة من أجل نيل الاستقلال . وعندما حققـت هذا الهـدف أرادت ممارسـة حقوقها بما تتطلبه منها شخصيتها الدولية ، فأخذت تعقـد الاتفاقيات ، وتنضـم إلى المعاهـدات والمنظمـات الدوليـة .

ولما كان القانون الدولي المطبق في هذه المنظمات والمعاهدات يستند أساساً إلى قواعد وأعراف غير إسلامية ، ولما كانت الحكومات والدول التي أقيمت بعد الاستقلال دولا قومية وعلمانية فلم تكن هناك صعوبات أو مشاكل فيما يتعلق بطبيعة التعامل مع القانون الدولي . ولكن بعد الصحوة الإسلامية وتأسيس أول جمهورية إسلامية عام 1979 ، وسعي العديد من الأنظمة والحكومات إلى الانسجام مع القواعد والتعاليم الإسلامية بدأت إثارة بعض التساؤلات والإشكالات حول تعامل الإسلام مع القانون الدولي ، أي هل يوجد مانع شرعي وفقهي من القبول بالتعامل مع مبادئ القانون الدولي ؟ وهل الأفضل التعامل معه أم تأسيس قانون دولي إسلامي ؟ وهل تختلف مبادئ ومصادر القانون الدولي عن مصادر القانون الدولي الإسلامي ؟

يرى بعض الباحثين أن مصادر القانون الدولي الإسلامي بموجب مفاهيم القانون الدولي المعاصر تتفق عموماً مع القواعد الكلية التي حددها الفقهاء المعاصرون وفقهاء القانون ، والمنصوص عليها في القانون الأساسي لمحكمة العدل الدولية . ويمكن جمع هذه المصادر في أربع فئات: العرف والسلطة والعقد والعقل . فالسنّة والعادات المحلية هي ما نسميه بالعرف . وأما القرآن الكريم والسنة الشريفة فهي المصدر الذي نسميه السلطة . وأما المبادئ والقوانين التي كانت تتضمنها المعاهدات التي كان يبرمها المسلمون مع غيرهم من الشعوب فإنها تمثل مبدأ العقد . وأما المؤلفات الفقهية التي ترتكز على مصادر الشريعة فهي التي تمثل العقل [16][1] .

ونرى أن التشريع الإسلامي يمتلك من الاتساع والمرونة ما يمكنه أن يتعامل مع القانون الدولي بمنحى إسلامي دون فقدان حالة المعاصرة والتطور التشريعي والتغييرات الدولية . وقد اخترت بعض المفردات الدولية كدليل على قابلية الفقه الإسلامي لاستيعاب تطور العقل البشري وتغير النظم والقوانين ومسايرة مصلحة الإنسانية طالما أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان .

العلاقات الإسلامية ـ الأوربية في التاريخ

تمثل العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي دوراً متبادلاً في المشهد التاريخي . أحياناً يأتي المسلمون إلى أوربا (إسبانيا ، صقلية والبلقان) ، وأحياناً يذهب الغرب إلى العالم الإسلامي (الصليبيون ، الاستعمار) . وتتغير العلاقات ، حسب الظروف ، من المصالح الاقتصادية المشتركة والدبلوماسية المتبادلة إلى الحروب والمعارك . وكان سوء الفهم وعدم الثقة هما أبرز معالم العلاقات التاريخية بينهما .

لقد كان أول انطباع لامبراطور بيزنطة هرقل Heraclius (حكم610 ـ 641 م) إيجابياً تجاه الإسلام . فقد وصلته رسالة من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عام 6 هـ/628م يدعوه فيها إلى الإسلام . وقبل أن يتخذ أي موقف من الدين الجديد أخذ يسأل عن الرسول الجديد . يقول الطبري فلما قدم عليه كتاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع دحية بن خليفة ، أخذه هرقل ، فجعله بين فخذيه وخاصرته [17][1]، وطلب معلومات حول النبي(ص) ، فجلب له أبو سفيان إذ تصادف أنه كان في تجارة له بالشام ، فسأله عنه . وتقول بعض المصادر الإسلامية أن هرقل كاد أن يعتنق الإسلام ، وأنه قد جمع البطارقة والقساوسة وقال لهم : يا معشر الروم ، إني جمعتكم لخير ، إنه أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه; وأنه والله للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا ، فهلموا فلنتبعه ونصدقه ، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا [18][2]، لكنهم رفضوا مقالته .

في عام 8هـ/629م أرسل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) جيشاً لقتال الروم يتألف من ثلاثة آلاف محارب ، حيث التقى الجيشان في واقعة مؤتة ، التي خسر فيها الجيش الإسلامي واستشهد قادته الثلاثة [19][3] . ولم يكن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مطمئناً لنوايا الروم ، ففي عام 9هـ/630م وصلته أنباء عن حشود على الحدود مع الجزيرة ، فجهز جيشاً قاده بنفسه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لكنه لم تحدث معركة ، ووصل الجيش الإسلامي حتى منطقة تبوك .

وبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بدأ الخليفة أبو بكر الصديق ستراتيجية جديدة تمثلت بالتوسع في الفتوحات شمال الجزيرة العربية . بدأت الحملات العسكرية بفتح العراق عام 12هـ/633م ودحر الامبراطورية الساسانية ، ثم سوريا عام 13هج/634 م ثم عاصمتها دمشق عام 14هـ/635م التي خسرتها الامبراطورية البيزنطية .

وفي العام التالي حقق خالد بن الوليد انتصاراً ظافراً على جيش هرقل في معركة اليرموك ، حيث واجه الجيش الإسلامي وتعداده 25 ألف رجل الجيش البيزنطي وهو ضعف عدده . وخلال سبع سنوات (633 ـ 640م) أصبحت كل الشام تحت الحكم الإسلامي ، من البحر الأحمر حتى جبال طوروس [20][4] .

واستطاع قائد آخر هو عمرو بن العاص أن يفتح مصر ، المقاطعة البيزنطية الشقيقة ، عام 20هـ/641م. وكانت مصر تمثل مخزن قمح الامبراطورية الرومانية الشرقية ، وأغنى ممتلكاتها . إذ كانت مصر نقطة انطلاق لبقية النفوذ البيزنطي في شمال أفريقيا لينتهي في صقلية وإسبانيا 

العلاقات الاسلامية الاوربية في التاريخ

إسبانيا

تقدمت الفتوحات الاسلامية بسرعة فائقة ، حتى قيل أن العرب فتحوا نصف العالم في نصف قرن ، أو مقولة نابليون أن العرب فتحوا في 90 عاماً ما فتحه الرومان في 900 عام . وبعد مصر وأفريقيا(تونس) اتجهت الجيوش الإسلامية غرباً لتحرر شمال أفريقيا بكامله إلى وصلت على ضفاف الأطلسي . وأصبحت القيروان ، في تونس، مركز قيادة موسى بن نصير وجنوده من البربر الذين اعتنقوا الإسلام وساهموا في نشره في تلك المنطقة . في عام 92هـ/711م أرسل موسى أحد قواده الأشداء ، طارق بن زياد ، على رأس قوة مؤلفة من 700 جندي ليعبروا البحر باتجاه الساحل الإسباني [21][1] . وكانت القوة قد عبرت مضيق جبل طارق بمراكب أرسلها الحاكم البيزنطي جوليان  Julianلمدينة سيوتا Ceuta، وكان الحاكم في صراع مع الملك القوطي رودريك Roderick [22][2]، فاستنجد بالمسلمين لمساعدته ، فأمده موسى بقوة عسكرية من العرب والبربر . لقد استنجد جوليان بقوة أجنبية لمواجهة الملك رودريك . وكان يعتقد أنها قوات نجدة فقط ، ولكن قوات طارق بن زياد استمرت في تقدمها ، لتصبح نواة دولة مسلمة تحكم إسبانيا لمدة ثمانية قرون (711 ـ 1492م) [23][3] . وقد عزز موسى قوات طارق ، فجهز جيشاً من عشرة آلاف يقوده بنفسه . وعاد موسى بن نصير بالغنائم والأسرى ، ومن بينهم 400 أمير قوطي يلبسون التيجان والملابس الفاخرة . وهو اول مشهد يرى فيه المسلمون عائلة ملكية غربية في الأسر .

أسس المسلمون دولة عظيمة في الأندلس ، وكانت لديهم خطط للتوسع في العمق الأوربي . ففي عام 717 م ، أي بعد ست سنوات على دخولهم إسبانيا ، قام القائد عبد الرحمن الغافقي بحملة عسكرية ، إذ عبر جبال البرانس  Pyreneesباتجاه فرنسا . وصل عبد الرحمن مقاطعة بوردو Bordeaux وتوقف بجوار تور Tours على مشهد من كنيسة سانت مارتن . St.Martin، وفي تشرين الأول 732م التقى جيش عبد الرحمن مع قوات تشارلس Charles، الذي لقب فيما بعد بمارتل Martel (أي المطرقة) . وكان شارل مارتل رئيس البلاط الفرنسي ، وجد شارلمان [24][4] . وقد خسر المسلمون في معركة بلاط الشهداء خسارة كبيرة ، واستشهد قائدهم. وفي الليل غادر الجنود المنطقة منسحبين إلى إسبانيا ، ولم يعد يفكر أحد بفتح فرنسا .

صقلية

كان بنو الأغلب يحكمون شمال أفريقيا في العصر العباسي . وكان حاكم القيروان زيادة الله (حكم 817 ـ 838 م) قد تلقى طلباً من مجموعة من الثوار على الحكم البيزنطي لصقلية Sicily وسرقوسة Syracuse، فأرسل حملة بحرية تمكنت من فتح باليرمو Palermo عاصمة الجزيرة . وتقدم الجيش الإسلامي ليحكم سيطرته على بقية أنحاء الجزيرة ، ولتبقى 240 عاماً بأيدي المسلمين . وأصبحت صقلية أكبر قاعدة بحرية للأسطول الإسلامي في البحر المتوسط . وامتد تأثير المسلمين ليس إلى الأطراف الجنوبية لإيطاليا فحسب ، بل وصل التهديد إلى نابولي Naples وبقية المدن الشمالية ، وحتى روما نفسها تعرضت للتهديد عام 846 م .

وفي عام 1071 سقطت باليرمو بأيدي الفاتحين النورمان Norman، وعادت صقلية مرة أخرى للنفوذ المسيحي . وكان النورمان قبائل غير متحضرة ، ولذلك أبقوا على الإدارة والتنظيمات القانونية التي أقامها المسلمون ، وحتى الموظفين المسلمين بقوا يزاولون أعمالهم في الكتابة والترجمة والحسابات والرسائل . وقد أحاط الملوك النورمان أنفسهم بالعلماء المسلمين من فلكيين وأطباء وفلاسفة . وقد كتب الجغرافي المسلم الإدريسي (ت 1166م) كتابه المعروف (كتاب روجر) بناءً على طلب الملك روجر Roger [1][1].

لقد مثلت إسبانيا وصقلية جسراً عبرت عليه الثقافة الإسلامية فكراً وعلماً وفلسفة إلى أوربا . ومن خلالهما وصلت كتب العلماء والفلاسفة المسلمين إلى المراكز العلمية الأوربية بعد ترجمتها إلى اللغات الأوربية . وبقيت بعض الكتب العربية مراجعاً لعدة قرون في أوربا ، مثل كتاب (القانون) لابن سينا الذي طبع 30 طبعة لاتينية في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن الخامس عشر . وكتاب الزهراوي في الطب بقي مرجعاً في مدارس الطب مثل مدرسة Salerno في إيطاليا ومدرسة Montpeller في فرنسا . وكان مزيناً بالصور مما يدل على خبرة الزهراوي بالتشريح وتقنيته وآلاته . وكان كتاب الكيمياء لجابر بن حيان وجداول الخوارزمي الفلكية مراجع معتمدة في هذه العلوم . وكان لابن رشد Averroes ه( 1126 ـ 1198م) دور في الفلسفة الأوربية . فقد اطلع الأوربيون على آراء أرسطو من خلال تعليقاته والنصوص التي يوردها في مقالاته . وكان للمدرسة الرشدية Averroism تأثير كبير في الأوساط الفكرية والعلمية الأوربية ، وهيمنت على جامعات باريس ونابولي . وقد درس توما الإكويني  AquinasThomas (ت 1274) الإيطالي رائد الفلسفة في جامعة نابولي . ودرس روجر بيكون Bacon Roger (ت 1294) الإنجليزي في جامعة باريس . ويعد بيكون رائد المنهج التجريبي في الفكر

العلاقات في العصور الأولى (Middle Ages)

كانت الكراهية والعداء هما الملامح البارزة التي هيمنت على العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي . وخلال قرون نشأت مصالح مشتركة بين العالم الإسلامي وأوربا . وكانت التجارة المحور الرئيس للنشاط الاقتصادي في تلك المرحلة . فكانت حركة الاستيراد والتصدير على أوجها لنقل المنتجات والبضائع في أرجاء العالم ، من الصين شرقاً إلى إسبانيا غرباً ، تعبر القوافل التجارية الصحارى والجبال وتمر بمختلف الدول والأمم والشعوب ، وتمخر السفن عباب البحار من أجل إيصال بضائعها ، متحملة الأهوال والمخاطر .وكان لهذه النشاطات التجارية دور في نشوء علاقات بين الملوك والأمراء والسلاطين والشعوب . فكان التجار ورجالهم يرحلون من بلد إلى بلد ، ويقيمون في هذه المدينة وتلك من أجل تجارتهم . واستمرار التجارة والنقل والسفر يحتاج إلى اتفاقيات سلم ومعاهدات تسمح بالمرور والإقامة وتنظيم الضرائب على القوافل والسفن . فكان الحكام يقومون بهذه المعاهدات لتشجيع التجارة وما تجلبه من خير ودخل للحاكم .

بالإضافة إلى التجارة ، كانت هناك أنواع أخرى من الارتباطات ، فكانت هناك علاقات ثقافية ودبلوماسية وسياحة وحج وسفر طلباً للعلم وغيره . في عام 765م أرسل ملك فرنسا Pippin بعثة دبلوماسية إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور . عادت البعثة بعد ثلاث سنوات ترافقها سفارة عباسية مع هدايا من الخليفة . إستقبل الملك (ببين) المبعوثين المسلمين باحترام وحفاوة ، ثم أذن لهم بالعودة عن طريق مرسيليا Marseilles [25][1]. وفي عهد هارون الرشيد (حكم 786 ـ 809م) وولده المأمون (حكم 813 ـ 833م) شهدت العلاقات مع أوربا ذروتها . فقد غدت بغداد عاصمة دولية للتجارة ومركزاً صناعياً . وكانت ثروات البلاط العباسي تزداد غنىً ، من الجزية السنوية التي يدفعها امبراطور بيزنطة ، إثر انتصار هارون عليه في وقت مبكر . وكان الرشيد والمأمون يتبادلان الهدايا مع شارلمان Charlemagne، الذي غدا حليفاً أوربياً جيداً ضد الدولة الأموية في الأندلس .

يصف أحد المؤرخين الفارق الشاسع بين البلاطين العباسي والفرنسي فيقول: كان شارلمان ومساعدوه يواجهون مصاعب في القراءة والكتابة ، في حين كان البلاط العباسي يعجّ بالشعراء والكتّاب والعلماء والفقهاء والموسيقيين والمغنين . وكان بينهم عدد من المترجمين الذين يجيدون عدة لغات أجنبية [26][2]. وكانت هناك رسائل متبادلة بين الملوك ، وقد ذكرت التواريخ بعض هذه الرسائل . فكانت تتضمن شتى المواضيع والشؤون كالاتفاقيات السلمية ، وتهديدات بشن الحرب ، ودعوة للإسلام ، وجدل ديني حول الألوهية والنبوة ، وطلب كتب أو شراء عبيد ، وتبادل أسرى أو معاهدات تجارية . وكانت العلاقات تعتمد كلياً على طبيعة مواقف الحكام وأمزجتهم ومصالحهم ، والظروف التي تمر بها الدول ، والاستقرار والأمن على الحدود .

وقد أرسل شارلمان ملك فرنسا وابن ببين ، عدة بعثات إلى الشرق ، إثنتين منها إلى هارون الرشيد عامي 797 و802 م. أما العداء مع بيزنطة فقد كان قاسماً مشتركاً بين الدولة العباسية وأوربا الرومانية. وفي العصر العباسي ساءت العلاقات مع بيزنطة في فترات متلاحقة . ففي عام 782م شن الخليفة المهدي (حكم 775 ـ 805م) حملة عسكرية على القسطنطينية ، أدت إلى توقيع معاهدة مهينة للروم البيزنطيين ، إذ تضمنت أن تدفع الإمبراطورة إيرينا Irene جزية سنوية مقدارها 70 ألف درهم . وحاول خليفتها الإمبراطور نقفور الأول Nicephorus (802 ـ 811م) أن يتخلص من هذا الالتزام المالي الباهض ، وطالب الرشيد بإعادة ما دفع من مبالغ . وأرسل رسالة ذات لهجة حادة إلى هارون جاء فيها :

من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب .

أما بعد : فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ ، وأقامت نفسها مقام البيدق ، فحملت إليك من أموالها ما كنتَ حقيقاً بحمل أضعافه لها ، ولكن ذلك ضعف النساء وحمقهن . فإذا قرأت كتابي هذا أردد ما حصل لك من أموالها ، وإلا فالسيف بيننا وبينك [27][3] .

غضب الرشيد كثيراً من تهديد نقفور ، فكتب له جواباً جاء فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ، وقد قرأت كتابك يا ابن الكافرة ، والجواب ما تراه لا ما تسمعه [28][4] . فشن حملة عسكرية هاجم فيها آسيا الصغرى ومدينة هرقلية Heraclea على البحر الأسود ، فاحتلها وسبى أهلها . ثم عقد صلحاً مع نقفور مع دفع جزية سنوية ، وجزية شخصية عن نقفور وعائلته [29][5] . وخلال الهجوم الإسلامي ، اُسرت إحدى الفتيات الروميات ، وكانت خطيبة لابن الامبراطور نقفور ، فأرسل رسالة إلى الرشيد راجياً إياه أن يعيدها ، فلبى الرشيد طلبه وأرسلها له مع هدايا [30][6] .

ولم تكن العلاقات متوترة طوال الوقت ، بل تخللتها فترات من الهدوء والاستقرار والأمن ، وكانت الدولة الإسلامية تمارس وظيفتها في الدعوة إلى الإسلام وتبليغ مبادئه وأحكامه إلى الناس كافة . فكتب التاريخ تنقل بعض هذه الجهود ، سواء بالسفارات أو بالرسائل . فقد أرسل هارون الرشيد رسالة طويلة ، كتبها الفقيه إبن الليث ، إلى الامبراطور قسطنطين Constantine يشرح فيها عقائد الإسلام بأدلة عقلية ، وتاريخ الإسلام ، واحتجاجات ومناقشات دينية حول صحة نبوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتفنيد العقيدة المسيحية ، ويحبذ له دخول الإسلام ونتائجه وعواقبه [31][7] . وأرسل المأمون رسالة إلى الامبراطور ثيوفيل Theofel يعلمه فيها بقبول الهدنة بين الدولتين ، والتي تضمنتها رسالة الامبراطور إليه .

ومن القضايا الإنسانية الشائعة بين الدولتين ، هي تبادل الأسرى . وتحتاج عمليات التبادل إلى مفاوضات واتفاقيات يتم فيها تثبيت أعداد الأسرى من كلا الطرفين ، ومواعيد التسليم ، ومكان التبادل ، الذي يكون غالباً عند الحدود ، ويشرف عليها حكام المقاطعات الحدودية . في عام 283هـ/896م ، مثلا; حدثت عملية تبادل أسرى بين الامبراطوريتين العباسية والبيزنطية ، بإشراف حاكم طرسوس ، أحمد بن طغان ، والذي أرسل رسالة إلى الخليفة المعتضد يخبره فيها بنجاح المهمة التي أوكلت إليه . وقد استغرقت العملية إثني عشر يوماً تم فيها استرجاع 2504 أسيراً مسلماً من رجال ونساء وأطفال . وفي اليوم التالي تم إطلاق سراح المبعوث الرومي سيمون ، وأطلق الروم سراح المبعوث العباسي يحيى بن عبد الباقي [32][8] .

ولا يقتصر تبادل العلاقات مع أوربا على العصر العباسي ، بل كان للدول الإسلامية عبر التاريخ علاقات واسعة معها ، كالدولة الإخشيدية والطولونية والفاطمية والأيوبية والمملوكية .

مرحلة الحروب الصليبية

تمثل المرحلة الصليبية فترة مظلمة في تاريخ العلاقات بين أوربا والعالم الإسلامي ، مرحلة مليئة بالعنف والحروب والنهب والمذابح الوحشية وتدمير المدن ، وتصاعد الحقد والكراهية وعدم الاستقرار . من جانب آخر كانت مناسبة لاكتشاف كل طرف الطرف الآخر عن قرب ، وعبر التعامل المباشر . يعلق الباحث نورمان دانييل Norman Daniel على المزاعم المسيحية فيقول : لقد اعتبر المسيحيون الحروب الصليبية حرباً مقدسة War Holy من أجل انتزاع الأرض التي تعود للمسيحيين . ولا زالوا يعتقدون بأنهم الأمة الوحيدة التي نهب منها ثلث أفضل ممتلكات الكنيسة بعد ظهور الإسلام [33][1].

بدأت الخطوة الأولى من الحروب الصليبية ، عندما وجه الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومونيس Communes Alexius (حكم 1081 ـ 1118م) نداءات متكررة طالباً مساعدة بابوية لمواجهة احتلال الأتراك السلاجقة جزءاً من أراضي الإمبراطورية، ليس بعيداً عن العاصمة القسطنطينية. ورداً على استغاثته ، ألقى البابا أوربان الثاني II Urban (1088 ـ 1099م) خطاباً في عام 1095 ، جنوب فرنسا ، قريباً من الحدود الإسلامية لإسبانيا . وكان خطابه مليئاً بالإشاعات عن وحشية المسلمين وفظاعتهم ، ملمحاً إلى الأطماع الشخصية ومؤكداً على أتباعه في دخول الطريق إلى الضريح المقدس ، وانتزاعه من العنصر الشرير ، ووضعه بأيديهم [34][2]. ورفع شعاراً دينياً يبرر الحملات المرتقبة ويشجع الناس عليه ، فكان شعار (هذه مشيئة الله) هو القادر على تعبئة الجماهير . وسرعان ما انتشرت دعوة البابا مثل النار في الهشيم من فرنسا إلى بقية الأوربيين ، غني وفقير ، شاب وكهل . فقد تبنى التبشير بالحركة الصليبية بطرس الناسك الذي كان يتمتع بالفصاحة والقدرة على التأثير ، فطاف أقاليم فرنسا ليخرج منها بخمسة عشر ألف متطوع معهم نساؤهم وأطفالهم .

وبحلول عام 1097 كان هناك 000ر150 محارب صليبي قد وصلوا القسطنطينية ، معظمهم قدم من فرنسا والنورمان .

وهناك عدة أسباب داخلية وخارجية مهدت الأجواء لتنامي الحملات الصليبية وهي :

1 ـ يدعي الباحث أرنست باركر Barker Ernest أن السلاجقة قد احتلوا القدس عام 1071 ، وهم قوم قساة ، لا يعرفون التسامح مثل الحكام المسلمين السابقين ، أي الفاطميين . فكان المسيحيون يواجهون صعوبات كثيرة أثناء رحلتهم إلى حج القدس [35][3] . فأدرك المسيحيون في الغرب ما يعترض طريقهم ، ويمنع حركتهم الطبيعية نحو منبع ديانتهم ، فكان من الطبيعي أنه لا بد لهم آخر الأمر أن يبذلوا جهدهم في تمهيد طريقهم.

وهذا السبب الذي يعرضه باركر مبالغ فيه لأن طريق القدس بقي مفتوحاً أمام المسيحيين في كل العصور ، وحتى في المرحلة الصليبية وما بعدها مما يشير إلى التسامح الإسلامي الفريد من نوعه . ومتناسياً أنه عام 1021 م أصبح الإشراف على الأماكن المقدسة ، مثل كنيسة القيامة وبيت لحم والمؤسسات الملحقة بها كالمستشفى والمدرسة ، من قبل الإمبراطورية البيزنطية ، بعد أن كانت حتى ذلك الوقت برعاية الكنيسة اللاتينية الرومانية . ويعترف باركر أن البيزنطيين لم يحرصوا على أن يجعلوا طريق الحجاج هيناً سهلاً . وكان لزاماً على البابا فكتور الثاني أن يجأر بالشكوى إلى الإمبراطورة تيودورا ، بسبب ما لجأ إليه موظفوها من ابتزاز الحجاج وإهانتهم [36][4].

2 ـ إن البحث عن وسائل جديدة مباشرة للاتصال بطرق التجارة الشرقية ، يعتبر من الأغراض التي انطوت عليها الحروب الصليبية ذاتها . وأدت إلى ما يصح تسميته اكتشاف آسيا في القرن الثالث عشر [37][5] .

فالمدن الإيطالية التي اشتهرت بتجارتها كانت تبحث عن طرق مباشرة لشراء المنتجات الشرقية من الهند والصين ، دون وساطة العرب المسلمين . فالطرق البحرية كانت غالية ومحفوفة بالمخاطر .

3 ـ كان الأمراء الأوربيون يبحثون عن ثروات وأراض جديدة . فكانت الأطماع متوجهة نحو الشرق ، حيث الكنوز والثراء والتجارة والذهب والحرير والجواري . فهذه الأحلام لعبت دوراً في تأجيج الحماسة .

4 ـ كان الناس العاديون في أوربا يعيشون في أوضاع مزرية من الفقر وتكرر المجاعات والأوبئة التي فتكت بعشرات الآلاف . ففي عام 1094 إنتشر الطاعون من الفلاندرز Flanders إلى بوهيميا Bohemia. وفي عام 1095 حدثت مجاعة في منطقة اللورين Lauren بفرنسا . وتعرضت الكثير من الأراضي الزراعية للخراب نتيجة غزوات الفايكنغ والبرابرة ، فقلّت الأقوات في الوقت الذي ازدادت أعداد السكان . ثم أن الحروب والمنازعات بين الأمراء والإقطاعيين أسهمت في الإخلال بالأمن وتعريض أرواح الناس للهلاك وممتلكاتهم للنهب ، مما جعل الغالبية العظمى من أهالي غرب أوربا يعيشون في حالة يرثى لها من الفقر والحرمان والخوف ، دون أن يجدوا أي ضمان لحماية أرواحهم وممتلكاتهم وأرزاقهم [38][6] .

فاعتقد هؤلاء البسطاء أن مشاكلهم ستحل بهجرتهم إلى الشرق . ففي عام 1096 نجح الصليبيون بتجنيد خمسة جيوش من هؤلاء المعدمين .

5 ـ كان هناك عدد كبير من المغامرين ، المفلسين مثل الزعيم الصليبي والتر المفلس ، وقطاع الطرق ، والعبيد الهاربين والرهبان المستائين. لقد كانت هناك دوافع كثيرة للبحث عن مناجم الذهب الموعودة في الشرق .

وعلى الرغم من أن الجنود الأوربيين كان يحملون علامات الصليب ، دليلاً على الدافع الديني للحملات الصليبية ، لكن الدين كان آخر سبب وراءها . فخلال عبورهم هنغاريا ثم أراضي الدولة البيزنطية ، نسيت الجموع أنهم يخترقون بلاداً مسيحية ، فأخذوا ينهبون ويسلبون ويعتدون على الأهالي الآمنين [39][7] . وأثناء انتظارهم العبور إلى الجانب الآسيوي من الإمبراطورية البيزنطية ، كان تجمع الصليبيين أمام أسوار القسطنطينية يثير مخاوف الدولة ومتاعبها ، إذ أخذ الصليبيون يواصلون نهب القرى والضياع المجاورة ، ويعتدون على الأهالي ويسلبونهم أقواتهم وأمتعتهم ، بل أن الكنائس لم تسلم من إعتداءات أولئك الرعاع [40][8]. فأسرع الإمبراطور الكسيوس إلى نقلهم إلى الشاطئ الآخر . واستمر ذلك السلوك الوحشي بمهاجمة القرى المسيحية والمزارع والمواشي والكنائس [41][9] .

وعندما احتل الصليبيون مدينة القدس ، لم يرحموا أحداً وحتى إخوانهم في الدين لم يوفروهم ، وكان من أول ما اتخذوه من تدابير أنهم طردوا من كنيسة القيامة جميع الكهنة من الكنيسة الشرقية ، روماً وجيورجيين وأرمنيين وأقباطاً وسرياناً ، والذي كانوا يقيمون القداسات معاً تبعاً لمذهب كان جميع الفاتحين قد احترموه حتى ذلك الحين .وإذ ذهل وجهاء الطوائف المسيحية أمام هذا القدر من التعصب ، فقد عزموا على المقاومة ، ورفضوا أن يكشفوا للمحتل عن المكان الذي خبأوا فيه الصليب الحقيقي الذي مات عليه المسيح .وإذ قبض الأوربيون على الكهنة المكلفين بحراسة الصليب ، وأخضعوهم للتعذيب فقد تمكنوا من انتزاع سرهم والحصول منهم بالقوة على أغلى ما يملكون من ذخائر [42][10].

وقد ذبح الصليبيون آلاف المدنيين الأبرياء من سكان القدس دون سبب ، فقط لمجرد الإنتقام من المسلمين. ففي يوم 15 تموز 1099 دخل الصليبيون المدينة المقدسة وارتكبوا مذابح فظيعة . يصف أحد المؤرخين اللاتينيين المشاهد المريعة فيقول كانت أكداس الرؤوس والأيدي ترى من بعيد في الساحات والشوارع [43][11].

ويصف مؤرخ آخر ذلك اليوم العصيب فيقول ولا يزال النازحون يرتجفون كلما تحدثوا بذلك وتجمد أبصارهم وكأنهم لا يزالون يرون بأعينهم أولئك المقاتلين الشُّقر المدرعين المعتمرين الخُوَذ وقد انتشروا في الشوارع شاهرين سيوفهم ، ذابحين الرجال والنساء والأطفال ، ناهبين البيوت ، مخربين المساجد . وعندما توقفت المذبحة بعد يومين لم يكن قد بقي مسلم واحد داخل الأسوار . فقد انتهز بعضهم فرصة الهرج فانسلوا إلى الخارج من الأبواب التي كان المحاصِرون قد خلعوها . وأما الآخرون فكانوا مطروحين بالآلاف في مناقع الدم عند أعتاب مساكنهم أو بجوار المساجد ، وكان بينهم عدد كبير من الأئمة والعلماء والزهاد المتصوفين الذين كانوا قد غادروا بلادهم وجاؤوا يقضون بقية أيامهم في عزلة في هذه الأماكن المقدسة . ولقد أُكرِه من بقوا على قيد الحياة على القيام بأشق الأعمال : أن يحملوا جثث ذويهم فوق ظهورهم ويكدسوها بلا قبور في الأراضي البور ثم يحرقوها قبل أن يُذبحوا بدورهم أو يباعوا في أسواق النخاسة [44][12].

أما المؤرخ والدبلوماسي المسلم أسامة بن منقذ (488 ـ 584 هـ /1091 ـ 1188م) الذي عاصر الحروب الصليبية ، فقد كتب في مذكراته عن تلك الأحداث ووصف تفاصيلها . فكان قد شاهد الأحداث عن قرب لأنه كان كاتباً (سكرتيراً) لدى صلاح الدين الأيوبي [45][13] . وأورد إبن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) بعض جرائم الصليبيين ، إذ ينقل الحادثة التالية التي تعبر عن الوحشية والقسوة . فقد هاجم الصليبيون مدينة المعرة في سوريا ، وعند الفجر وصل الفرنج ، إنها المذبحة ، فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام فقتلوا ما يزيد على مائة ألف وسَبَوا السبي الكثير [46][14]. ويصف أحد المؤرخين الصليبيين ، راول دي كين ، المرافق للجيش الذي دخل المعرة فيقول كان جماعتنا في المعرة يغلون وثنيين بالغين في القدور ، ويشكون الأولاد في سفافيد ويلتهمونهم مشويين [47][15].

ويرى أرنست باركر أن الحروب الصليبية ، أصلاً ، مشروع فرنسي . فقد زرعت بذورها في أرض فرنسية ، بلدة كليرمون Clermonte، وكان أول مبشر بها هـو بابا فرنسي الأصل ، أوربان الثاني . وأنها والمملكة التي أقامها الصليبيون في الشرق كانت في جـوهـرها مملكـة فرنسية ، في لغتها وعاداتها ، وفي فضائلها ورذائلها [48][16] . ولعل ما يؤيد ذلك أن العرب كانوا يسمونهم بالفرنجـة ، وهـو لقب يخص الفرنسيين ، ولكـن استخدامـه يعم كل الغربيين . من جانب آخـر لا تتحدث المراجع العربية عن (حروب صليبية) بل عن حروب وغزوات ضد الفرنجـة . إن مصطلـح (صليبي) هـو ما أطلقه الأوربيـون على أنفسهم في تلـك الفتـرة ، لإسباغ البعد الديني على حروبهم ، ويمثل الصليب المسيحية ، إذ صار شعاراً لها .

رغم المقاومة التي أبداها المسلمون في الدفاع عن أنفسهم ، إلا أن الحركة الحقيقية بدأت بعد قرن ونصف من وصول الصليبيين . فقد تمكن زنكي ، وهو تركي يحكم الموصل ، عام 1144 م أن يستعيد مدينة الرها Edessa. وأكمل إبنه نور الدين حركة التحرير ، إنطلاقاً من عاصمته دمشق . إذ بدأ بعمليات عسكرية ومناوشات ضد القوات الصليبية . وبلغت المقاومة الإسلامية ذروتها حين وصل صلاح الدين إلى عرش مصر بعد الفاطميين . إذ استطاع صلاح الدين أن يوحد مصر وسوريا تحت هيمنته ، فوضع الصليبيين بين حجري الرحى ، سوريا شمالاً وغرباً ، ومصر جنوباً وغرباً . وحقق صلاح الدين إنتصاراً كبيراً في معركة حطين في 4 تموز 1187 م ، حين هزم الملك الصليبي غي دو لوزينيان Guy de Lusignan، ملك القدس ، وتمزق جيشه البالغ 000ر20 محارب ، ووقع الملك أسيراً . ودخل صلاح الدين القدس دون مقاومة ، فأكرم الأسرى وأطلق سراحهم ، وعامل المسيحيين بالإحسان والتسامح.

بعد فشل الحروب الصليبية ، بقي الأوربيون يبحثون عن أرض جديدة قادرة على استيعاب طموحاتهم وأطماعهم . فبدأت حركة استكشافات جغرافية واسعة . لقد كانوا يبحثون عن خيار آخر غير أوربا التي ضاقت بهم ، وضاقت إمكاناتها فأصبحت الحروب هي لغة التعامل في التنازع على الثروات والموارد الطبيعية والأراضي . أصبح البحث عن أرض جديدة بمثابة الحل الأمثل للمشاكل التي تعانيها القارة الأوربية ، الصراعات السياسية ، الأزمات الإقتصادية ، الخلافات المذهبية والإضطهاد الديني . في عام 1492 م تم اكتشاف أميركا ، واكتشفت أستراليا عام 1606 م فكانتا الحل الذي انتظره الأوربيون قروناً . فأخذت موجات المهاجرين تتدفق على الأرض الجديدة ، لكنهم لم يجدوا حضارة مزدهرة كما في الشرق ، بل قبائل بدائية وشعوباً متأخرة ، سرعان ما أبادوها ، وليقيموا فيها إلى الأبد 

العلاقات في الفترة الصليبية

بقي الصليبيون قرنين في الشرق الأوسط ، أسسوا فيها بضع دول ، يحيط بها المسلمون من أهل البلاد . وكان الصليبيون يحملون السمات الأوربية آنذاك من التأخر العلمي والجمود الفكري ، إضافة إلى فظاظة وقسوة واضحة ، فلم يكن لديهم ما يعطونه بقدر ما تعلموه من المسلمين . وعلى الرغم من أن الحضارة الإسلامية في القرن الثاني عشر قد فقدت بريقها وأبهتها ، ولكنها كانت ما تزال على مستوىً عال مقارنة بالوضع الأوربي . ولا يسع المجال للتطرق إلى تفاصيل التأثير الإسلامي على الغازين الصليبيين ، ولكن سنذكر بعضها . فعلى الصعيد العسكري تعلم الأوربيون استخدام الحمام لنقل البريد ، واستعمال النار لإعطاء إشارات ضوئية ليلاً والتخاطب عن بعد . وأصبحت زهرة الزنبق ، شعار الطبقة الأرستقراطية المسلمة ، من مظاهر النبلاء والأمراء الأوربيين . وتعلم الأوربيون استخدام السكر ، الذي كان ينتج بكميات كبيرة . وكانوا حتى ذلك الوقت يستخدمون العسل في الطعام والأدوية .

وأصبحت الألفاظ والكلمات العربية متداولة ، إذ وجدت طريقها إلى اللغات الأوربية إلى يومنا هذا . وهيأ الإتصال المباشر مع العرب المسلمين فرصة للأوربيين في التعرف إلى الأدب العربي والعادات والتقاليد . يقول المؤرخ توماس آرنولد : في القرن الثاني عشر ، جذب الإسلام الكثير من الصليبيين ، الذين إعتنقوه . ولم يقتصر ذلك على الناس العاديين ، بل الأمراء والقادة . ففي الليلة السابقة لمعركة حطين ، إعتنق الإسلام ستة أمراء من مملكة القدس ، والتحقوا بقوات العدو (المسلمين) ، دون إكراه [49][1] .

كانت الوضعية السياسية للمنطقة عبارة عن مجموعة من الإمارات الصغيرة ، المتداخلة الحدود ، بعضها يحكمها مسلمون والأخرى يحكمها مسيحيون . وكانت العلاقات بينها تتراوح بين التعاون والمصالح وبين التوتر والحروب . وكل حاكم أو أمير يرتبط بعلاقات مع جيرانه المسلمين والمسيحيين وفق ما تمليه مصالحه . فكانوا يعقدون معاهدات واتفاقيات تنظم شؤون العلاقات والتجارة والضرائب ومرور القوافل والحجاج والمسافرين . مثلاً ، سمح ريموند Raymond حاكم طرابلس الصليبي لقوات الملك الأفضل بالمرور في أراضيه لخوض حرب ضد عدوه . وكان رتشارد الأول I Richard على علاقة ودية مع الملك العادل .

لقد كان من الطبيعي أن تقوى العلاقات بين الأمراء والحكام المسلمين والمسيحيين معاً . وقد تصل العلاقات إلى مستوى التحالف العسكري بين المسلمين والصليبيين ، فتجد حلفاً يضم حكاماً مسلمين ومسيحيين يناوئ حلفاً آخر يضم أيضاً مسلمين وصليبيين . ففي عام 1115م أرسل السلطان السلجوقي محمد حملة لتأديب حكام حلب ودمشق الذين اتهمهم بقتل حاكم الموصل عشية الاستعداد للهجوم على الفرنج . وعندما وصلت الحملة كانت تنتظرها مفاجأة ، فقد كان بغدوين Bagdwin ملك القدس الصليبي يقف إلى جانب طغتكين حاكم دمشق محاطين بعساكرهما وعساكر إنطاكية وحلب وطرابلس . فإذ كان أمراء الشام ، مسلمين وفرنجاً على السواء ، قد أحسوا بأنهم مهددون من قبل السلطان فقد قرروا أن يتحالفوا ، واضطر الجيش السلجوقي إلى الانسحاب بشكل مخجل بعد عدة اشهر . وعندها أقسم السلطان محمد بألا يهتم بالمشكلة الفرنجية . ولسوف يبر بقسمه [50][2].

لقد بات من الأمور العادية أن يستعين الحاكم بقوة حاكم مجاور دون النظر إلى دينه ، مسيحي أم مسلم ، فالمهم هو أن ينجد الحاكم بقوة عسكرية لمواجهة وضع متأزم ، عصيان داخلي أو غزو من خارج الإمارة. ففي عام 1130م قتل بيمند الثانيBohemond II  حاكم إنطاكية Antioch على يد غازي إبن الأمير دانشمند وأرسل رأسه الأشقر محنطاً بعناية وموضوعاً في علبة من الفضة هدية إلى الخليفة العباسي في بغداد . وعندما وصل نبأ موته إلى إنطاكية نظمت أرملته (أليكس) إبنة بغدوين الثاني ، ملك القدس ، إنقلاباً حقيقياً . فتعاونت مع المسيحيين الشرقيين المقيمين في المدينة ، وأرسلت رسالة إلى زنكي الأتابكي تعرض فيه حلفاً ضد أبيها بالذات ، وتعده بالاعتراف بسلطانه المطلق . قبض أبوها على الرسول وعلى الحصان المهدى إلى زنكي ، ودخل إنطاكية بجيشه لإعادة الأمور إلى ما كانت ، بيد الصليبيين [51][3].

يعلق أحد المؤرخين على هذا الموقف فيقول: إنه لموقف غريب يعلن عن ولادة جيل جديد من الفرنج ، الجيل الثاني ، ليس بينه وبين رواد الغزو أي شيء مشترك . فإذ كانت الأميرة الشابة من أم أرمنية ، ولم تكن قد عرفت أوربا أبداً ، فإنها تشعر بأنها شرقية وتتصرف على هذا الأساس [52][4].

وكانت الكنيسة الرومانية ترى أن هذه الوضعية مخالفة للتعاليم المسيحية وأن الذين يتاجرون بالأمتعة الحربية مع المسلمين ، على الرغم من تحريم ذلك من قبل المجالس الكنسية ، يعتبرون أبناء شريرين للكنيسة ، وهم مسيحيون مزيفون ، يؤمنون بعقيدة الكنيسة الرومانية بالكلام فقط ، وينكرونها بأفعالهم [53][5]. وتطرق وليم  William of Adamإلى أنواع التعامل مع (الظالمين) الذين يدمرون ميراث الرب . ووضعت مقررات كنسية وصدرت أوامر بابوية تقيد التجارة بالمواد الحربية فأصبح ممنوعاً، التجارة بالسلاح ، الحديد ، الخشب وبناء السفن ، أو الإبحار نحو موانئ العدو في كل الأحوال . وأما المتاجرة بالأغذية وغيرها فتصبح ممنوعة في حالة الحرب فقط [54][6] . ومع ذلك بقيت التجارة مزدهرة مع المسلمين ، وبقيت الإتصالات غير التجارية جارية بين الجماعات المسيحية والعالم الإسلامي .

ولقد دهش الرحالة الأندلسي إبن جبير الذي كان يزور دمشق في تلك السنة ، 1183م حين كان صلاح الدين يستعد لمعركة حطين ، لرؤية القوافل تذهب وتجيء بيسر بين مصر ودمشق عبر بلاد الفرنج . وقد لاحظ أن للنصارى على المسلمين ضريبة يؤدون في بلادهم ، وهي من الأمَنَة على غاية . وتجار النصارى أيضاً يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم . والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال . وأهل الحرب مشتغلون بحربهم ، والناس في عافية [55][7].

أما أهل الحرب فكان يملأهم الملل والتعب من حصار المدن والقلاع ، والمناوشات الحربية الدائمة . وشيئاً فشيئاً قامت صيغة تعايش ، فكان فرسان الفرنج وأمراء المسلمين يتداعَون بين مناوشتين إلى مآدب ، ويتحادثون بدعة ، ويمارسون الألعاب معاً في بعض الأحيان كما يروي بهاء الدين : ذات يوم قرر الرجال من الفريقين ، وقد أتعبهم القتال أن ينظموا معركة بين الأولاد ، فخرج فَتَيان من المدينة لمقارعة فتيين من الكفار . وفي حمأة المصارعة وثب أحد الصبيين المسلمين على نظيره وطرحه أرضاً وأخذ بخناقه . وعندما رأى الفرنج أنه يوشك أن يقتله اقتربوا منه وقالوا له : دعه ! لقد صار حقاً أسيرك وسوف نفتديه منك . وأخذ دينارين وتركه [56][8].

وكانت تجارة العبيد من التجارات المزدهرة في تلك العصور . وقد مارس المسلمون والمسيحيون هذه التجارة ، وكان العبيد من كل الأديان أيضاً ، مسلمين ومسيحيين ويهوداً . فأصحاب المزارع والملاك والأمراء كانوا يشترون العبيد للعمل في الأرض والزراعة وتربية المواشي . وكانت المصالح الذاتية هي الأساس في تعاملهم مع الواقع . وقد نشأت أعراف وتقاليد بعضها متعصب وبعيد عن التسامح ، مثلاً لا يستطيع أمير مسيحي طرد مسلم من أرضه دون سبب ، لا يؤذيه . من جانب آخر كان الحكام المسيحيون يمنعون المسيحي من العمل في منزل مسلم أو يهودي . وأن لا يعمل المسلمون واليهود في الوظائف العامة ، وعليهم أن يرتدوا ملابس معينة . وكانت لائحة كليمنتينا  Clementinaeتمنع نداءات الصلاة أو الحج في الأراضي الخاضعة للسيطرة المسيحية .

الدبلوماسية الدولية في العصور الوسطى

كان للدولة الإخشيدية في مصر وسوريا علاقات وثيقة مع بيزنطة . وكان الاتصال الجغرافي المباشر بين مصر والدولة البيزنطية من ناحية الحدود الشمالية ، وتنافسهما البحري المستمر في شرقي البحر الأبيض المتوسط ، وعلاقاتهما التجارية الهامة ، مما يستوجب تنظيم العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين بصورة مرضية . ولم تكن الخلافة ببغداد بعيدة عن تحسين علاقاتها مع بيزنطة . في عام 326 هـ/936م أرسل القيصر رومانوس وشريكاه القيصران اسطفانوس وقسطنطين سفارة إلى الخليفة العباسي الراضي بالله . وكانت الرسالة مكتوبة بلغتين ، باللغة اليونانية بالذهب ، ومعها ترجمة عربية مكتوبة بالفضة ، جاء فيها: (بإسم الأب والإبن وروح القدس الإله الواحد ، الحمد لله ذي الفضل العظيم ، الرؤوف بعباده ، الجامع للمفترقات ، والمؤلف للأمم المختلفة في العداوة حتى يصيروا واحداً).

ثم يعرب القياصرة بعد ذلك عن رغبتهم في طلب الهدنة وعقد أواصر الصداقة مع المسلمين . فرد الخليفة عليهم بكتاب جاء فيه :

(من عبدالله أبي العباس الإمام الراضي بالله أمير المؤمنين إلى رومانس وقسطنطين واسطفانس رؤساء الروم . سلام على من اتبع الهدى ، وتمسك بالعروة الوثقى ، وسلك سبيل النجاة والزلفى ..) وفيه يجيبهم إلى ما طلبوا من عقد الهدنة والصداقة [57][1] .

وفي العام التالي أرسل القيصر رومانوس سفارة أخرى إلى الإخشيد أمير مصر . وتضمنت مؤاخذة دبلوماسية على الإخشيد ، إذ تضمن كتاب القيصر أنه تنازل لمكاتبة الإخشيد مباشرة ، لأن مقامه كقيصر الدولة الرومانية الشرقية يحتم عليه ألا يكاتب من هو دون الخليفة ، ولكنه مع ذلك قد خص الإخشيد بالمكاتبة لما نمى إليه من رفيع مكانته ، وحميد سيرته ، وموفور عدالته ورحمته .

وقد رد الإخشيد على كتاب القيصر بكتاب شهير من إنشاء كاتبه إبراهيم بن عبدالله البجيرمي ، وكان من أبرع كتاب عصره . ويعتبر هذا الرد وثيقة دبلوماسية من الطراز الأول تفيض إباءً وحزماً ، ويطبعها في نفس الوقت طابع بارع من اللباقة والمجاملة; ذلك أن الإخشيد لم يغضب لما وجهه إليه القيصر من عبارات المن والاستعلاء ، ولكنه بالعكس أكرم وفادة رسوليه ، وغمرهما بالتحف المختارة هدية إلى سيدهما ، وبذل لهما كل تسهيل ممكن لتحقيق مهمتهما التجارية . على أنه لم ينس في نفس الوقت أن يجيب القيصر على منه واستعلائه ، وأن يفند أقواله فيما زعمه من تفضله بمكاتبته . وجاء في الجواب :

(وأما ما وصفته من ارتفاع محلك عن مرتبة من هو دون الخليفة في المكاتبة لما يقتضيه عظم ملككم ، وأنه الملك القديم الموهوب من الله ، الباقي على الدهر ، وأنك إنما خصصتنا بالمكاتبة لما تحققته من حالنا عندك ، فإن ذلك لو كان حقاً ، وكانت منزلتنا كما ذكرته تقصر عن منزلة من تكاتبه ، وكان لك في ترك مكاتبتنا غنم ورشد ، لكان من الأمر البين أن أحظى وأرشد وأولى بمن حل محلك أن يعمل بما فيه صلاح رعيته ، ولا يراه وصمة ولا نقيصة ولا عيباً ، ولا يقع في معاناة صغيرة تعقبها كبيرة ، فإن السائس الفاضل قد يركب الأخطار ويخوض الغمار ، ويعرض مهجته فيما ينفع رعيته ، والذي تجشمته من مكاتبتنا إن كان كما وصفته ، فهو أمر سهل يسير ، لأمر عظيم خطير ..) . وأما عن مطالب القيصر فإن الإخشيد يجيبه عما طلب من تنظيم الفداء وتبادل الأسرى ، ويشكر القيصر على عنايته بالأسرى المسلمين ، وما يلقونه من المعاملة الحسنة . ويبدي الإخشيد إستعداده لعقد الصداقة مع القيصر ، مشيراً إلى ذلك بقوله :

(وأما ما ابتدأتنا به من المواصلة ، واستشعرته لنا من المودة والمحبة ، فإن عندنا من مقابلة ذلك ما توجبه السياسة التي تجمعنا على اختلاف المذاهب ، وتقتضيه نسبة الشرف الذي يؤلفنا على تباين النحل) [58][2].

وتأثرت العلاقات بين البيزنطيين والفاطميين ببعض الحوادث والظروف السياسية التي أحاطت بها . فمن جانب كانت بيزنطة تشعر بالقلق من تزايد حركة السلاجقة في بغداد ، ومن جانب آخر حاولت القسطنطينية استغلال الصراع والتنافس بين الدولتين الإسلاميتين ، السلجوقية والفاطمية . ففي عام 446هـ/1053م عانت مصر من الوباء الذي امتد أعواماً ، ورافقته كالعادة مجاعة وغلاء وقحط ، فأرسل المستنصر بالله الفاطمي رسالة إلى إمبراطور القسطنطينية وهو قسطنطين التاسع IX Constantine، يطلب منه معونة اقتصادية وإرسال أغذية وغلال . وكانت الدولة البيزنطية تعاني إضطرابات داخلية، وتواجه تهديدات السلاجقة الذين كانوا من قبل قد اقتحموا بعض مدنها وأقاليمها ، حتى وصلوا حدود أرمينيا . فلبى قسطنطين الدعوة ، ووجدها فرصة لتقوية العلاقة مع مصر ، وتفادي نشاطها العسكري من الجنوب ومن البحر . وتم الاتفاق واُعدت شحنات المؤن لإرسالها إلى مصر ، لكن قسطنطين توفي قبل تنفيذ الإتفاق عام 1054 . فخلفته على عرش قسطنطينية الإمبراطورة تيودورا ، واشترطت لإرسال المؤن إلى مصر شروطاً رفضها المستنصر بالله ، ومنها أن يمدها بقوة عسكرية لعونها على مواجهة السلاجقة ومحاربة الخارجين عليها . فانقطعت المفاوضات بين الفريقين ، وغضب المستنصر ، وقرر إرسال حملة عسكرية إلى الحدود البيزنطية ، فانتصرت على الحدود البرية ، لكن الاُسطول البيزنطي غزا السواحل السورية ، وهزم المصريين ، وتم أسر القائد المسلم وجماعة كبيرة من الضباط والقادة ، فتوقف المستنصر عن مواصلة الحرب ، ولجأ إلى المهادنة والمفاوضة ، وأرسل سفيراً إلى البلاط البيزنطي سعياً لعقد الصلح وتنظيم العلاقات . وكان السفير هو القاضي أبو عبدالله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي الشافعي المصري . فوصل القسطنطينية عام 1055م ، وصلى في جامعها ، وخطب للخليفة  [59][3].

تشير بعض المصادر التاريخية إلى وجود مسجد في القسطنطينية ، وهي ظاهرة تبدو غريبة في ذلك العصر المبكر . ولعل المسجد قد بني في القرن العاشر كي يقيم الرسل والتجار المسلمون الصلوات فيه . وكانت تقام فيه صلاة الجمعة ، ويخطب به للخليفة المسلم ، الصديق لبيزنطة ، فتارة يكون الخليفة العباسي وتارة الخليفة الفاطمي ، حسب الأوضاع السياسية . وفي عام 1027م قام الإمبراطور البيزنطي بتجديد بناء المسجد ، وقام بإصلاحه قسطنطين التاسع عام 1048م [60][4]. وقد يكون دار للضيافة للوفود الإسلامية ألحق به المسجد . وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن الخطبة في المسجد باسم الخليفة كانت ضمن عقد هدنة مع مصر; كما أن الملك الظاهر يرفع الحجر عن كنيسة القيامة ببيت المقدس ، يقوم القيصر بإصلاح المسجد  [61][5].

في عام 1248 وصل ملك فرنسا لويس التاسع IX Louis (حكم 1226 ـ 1270 م) إلى الشرق للإشراف على حملة عسكرية جديدة على مصر ، والتي فشلت فيما بعد ووقع لويس أسيراً فيها في معركة المنصورة . وانتظاراً لفصل الربيع ، إستقر لويس في جزيرة قبرص للراحة قبل المباشرة بتحقيق الحلم الفرنسي . فبدأ سلسلة من النشاطات الدبلوماسية بما يخدم خطته : إبرام حلف مع المغول لوضع العالم الإسلامي بين فكي كماشة . ففي عام 1248م إستقبل وفداً مغولياً جاء للحصول على دعم غربي ، فلوح الوفد بإمكانية إعتناق المغول الديانة المسيحية ، فبادر إلى تزويد البعثة عند عودتها بالهدايا الدنيوية والدينية النفيسة إلى خان المغول  [62][6]. فقد كان كلاهما ، المغول والصليبيون ، يبحثون عن حليف مناسب لمواجهة العدو المشترك ، الإسلام . وبقي التعاون بين المغول والصليبيين بسيطاً ، رغم اعتناق بعضهم المسيحية . ففي عام 1251 عاد المغول بموجة جديدة من الهجمات الوحشية يقودها ثلاثة إخوة من أحفاد جنكيزخان وهم مُنكا وكوبلاي وهولاكو . فأما الأول فعين عاهلاً غير مدافع للإمبراطورية وعاصمته كراكورم في منغوليا; وأما الثاني فحكم سعيداً في بكين; وأما الثالث فقد استقر في إيران ، وكان طامحاً في غزو الشرق الإسلامي بأسره حتى شواطئ المتوسط ، وربما حتى النيل . وكان هولاكو شخصية مركبة ، فمن الولع بالعلوم والفلسفة ومخالطة الأدباء ، إلى وحش دموي متعطش للدماء والدمار . ولا يقل سلوكه في موضوع الدين تناقضاً . فعلى الرغم من تأثره بالمسيحية ـ كانت أمه وزوجته الأثيرة وعدد من معاونيه ينتمون إلى الكنيسة النسطورية ـ فإنه لم يتخل قط عن الشمانية ديانة شعبه التقليدية .

في عام 1258م دخل هولاكو بغداد فاتحاً فأباد أهلها ، ودمر أسواقها ومدارسها ومكتباتها ، بعد أن اتفق مع أهلها على التسليم والإبقاء على حياتهم . فقتل في بغداد زهاء 000ر80 نسمة . ولم يسلم من الذبح سوى الطائفة المسيحية بناء على تدخل زوجة الخان  [63][7].

واصل هولاكو مسيرته باتجاه الشام ليكمل فتوحاته ومذابحه . وكانت الأقلية المسيحية تتواجد في المدن السورية . ولما دخلت جيوش هولاكو ، كانت مواقف المسيحيين من فرنج وشرقيين مختلفة تجاه هولاكو : فالأرمن وقفوا بشخص ملكهم (هتهوم) في صف المغول ، كما وقف في صفهم صهره بيمند حاكم إنطاكية وهو فرنجي . والتزم فرنج عكا في المقابل وقفة حياد هو أميل إلى المسلمين . ولكن الشعور السائد في الشرق كما في الغرب هو أن الحملة المغولية نوع من حرب مقدسة تُشن على الإسلام وتمثل تتمة للحملات الفرنجية . وقد دعم هذا الشعور أن نائب هولاكو الرئيس في بلاد الشام ، القائد كيتبوكا ، وهو مسيحي نسطوري . وعندما أُخذت دمشق في أول آذار 1260 م ، كان الذين دخلوها ظافرين ، وسط استنكار العرب الشديد ، ثلاثة أمراء مسيحيين هم بيمند وهتهوم وكيتبوكا  [64][8].

إعتمدت السياسة الخارجية الأوربية منهجاً براغماتياً ، إذ كانت تنتهز أية فرصة لتحقيق مصالحها ، وتتعامل مع الواقع السياسي من أجل تعبئة كل الجهود والإمكانيات من أجل مصالحها . في القرن السادس عشر عندما كانت الدولة العثمانية تمارس ضغطاً قوياً على أوربا ، بعد توسعها داخل القارة الأوربية ، والسيطرة على أقاليم أوربية واسعة ، فبادرت الدول الأوربية الأخرى إلى محاولة لتخفيف الضغط العثماني عنها ، وفتح جبهات أخرى على الدولة العثمانية ، كي تسحب جزءاً من قواتها في أوربا ، نحو تلك الجبهات . فكانت سياسة تحسين وتوثيق علاقات أوربا بمنافسي وأعداء العثمانيين ، أي مصر وإيران الصفوية .

فقد شهدت القاهرة وأصفهان حركة دبلوماسية غربية ، واستقبلت وفوداً وسفارات أوربية عديدة . كما شهدت البلاطات الأوربية سفراء مسلمين . ففي عام 1518 م أرسل الشاه عباس الصفوي مبعوثين إلى بولندا وهنغاريا . واستقبل البلاط الصفوي سفارة اسبانية عام 1529 من قبل تشارلس كونت إسبانيا ، إلى الشاه إسماعيل . وكانت رسالة الوفد الإسباني تتركز بالطلب من الشاه الصفوي إرسال قوة عسكرية إلى الحدود مع العثمانيين لممارسة ضغط عليهم ، من أجل سحب قسم من قواتهم المتواجدة في أوربا [65][9].

في تلك الفترة كانت لإيران علاقات جيدة مع أوربا ، فقد كانت هناك العديد من السفارات السياسية والمعاهدات الإقتصادية . ففي عام 1598م وصلت أول بعثة دبلوماسية إلى إيران ، تألفت من 27 عضواً برئاسة إثنين من النبلاء الإنجليز هما السير أنتوني شيرلي Shirly Anthony Sir وأخوه روبرت شيرلي  RobertShirly. لقد كانت مهمتهما عسكرية هي تأسيس جيش فارسي حديث . وتمكنا من تجنيد وتدريب 000ر12 رجل مجهزين بالبنادق والمدافع الإنجليزية  [66][10]. وفي عام 1600 كلف الشاه الصفوي ، السير أنتوني شيرلي بمهمة دبلوماسية ، إذ طلب منه ترؤس وفد إيراني يزور أوربا ، وإجراء إتصالات مع الحكومات والدول الأوربية . وضم الوفد حسين علي بيك وأربعين آخرين ، زار النمسا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا . واستغرقت البعثة سنتين نجحت خلالهما في ترسيخ أسس العلاقات السياسية مع أوربا . كما قابلت البابا في روما ، وشرحت له سياسة التحالف ضد العثمانيين ، فوعد البابا بالتعاون مقابل أن يمنح القساوسة والمبشرين الكاثوليك الإيرانيين حرية أكثر في نشاطاتهم  [67][11]. وفي عام 1602 أرسل البابا كولمان الثامن VIII Colman بعثة أكليركية برئاسة بير جان تادي Pere   Juan Tadiإلى البلاط الصفوي ، حيث استقبله الشاه الذي استلم الرسالة والهدايا . ثم سمح الشاه عباس ببناء كنيسة في أصفهان . وبقي الأسقف تادي عدة سنوات في فارس متمتعاً بضيافة الشاه .

وكان الأوربيون يتنافسون من أجل السيادة على منطقة الخليج ، فالتجار الهولنديون والألمان كانوا في منافسة حادة من أجل الهيمنة على السوق الإيراني ، والسيطرة على صناعة الحرير في إيران . وفي تلك الفترة حصل الألمان على امتياز لتصدير الحرير الإيراني إلى أوربا عبر الأراضي الروسية  [68][12]. أغضب الإمتياز الهولنديين ، مما دعا ممثل شركة الهند الشرقية في المنطقة نيكولاس ياكوب أوفرشخل Nicholas Jacob Overschle إلى لقاء السفير الألماني في فارس ، أوتو برخمان Otto Brugmann، وأبلغه بأن التجارة الألمانية تهدد المصالح الهولندية ، لكن الألمان لم يعيروا أهمية للتحذير الهولندي . عندذاك بادر الهولنديون إلى رفع أسعار الحرير ، الأمر الذي سبب اضطراباً في الأسواق . وجد التجار الألمان الأسعار باهضة جداً ، بحيث أن شراءها يكلفهم غالياً ، إضافة إلى أنهم يجب أن يدفعوا ضرائب وجمارك . فلم يعد باستطاعتهم شراء الحرير ، فاضطروا إلى مغادرة إيران . بعد رحيل الألمان قام الهولنديون بتخفيض الأسعار مرة أخرى ، وليحتفظوا بهيمنتهم على الأسواق .

وجد الشاه في ممارسة الهولنديين خلقاً غير لائق ، فأصدر أمراً بأن يدفع الهولنديون الجمارك أيضاً . رفض الهولنديون دفع الضريبة . تطورت القضية واستمرت إلى عهد الشاه عباس الثاني . وفي عام 1645 هاجم الأسطول الهولندي جزيرة قشم وجزيرة هرمز وميناء بندر عباس ، من أجل إعاقة التجارة البريطانية في المنطقة . أثار الهجوم البحري قلق الشاه فطلب من الإدميرال نيكولاس بلوك Block Nicholas التفاوض وتسوية القضية . إتفق الطرفان ووقعا اتفاقية منحت الهولنديين إمتيازات أكبر  [69][13].

في العصور الوسطى ، كانت العلاقات الخارجية تتركز على الصلات التقليدية والدينية ، إذ كان من الطبيعي ، وليس دائماً ، أن تكون الدول تسعى إلى التحالف مع نظيراتها في الدين والعقيدة ، فالمسلم يرغب بالمسلم ، والمسيحي يفضل المسيحي . ولكن ذلك لا يعني أنه لا توجد صراعات وحروب بين أتباع الدين الواحد ، وأن مصالحهم لا تتقاطع ، بل نريد الإشارة إلى أن العامل الديني يبقى دافعاً هاماً في السياسة الخارجية . في عام 1489 وخلال تقدم القوات المسيحية في العمق الإسباني جنوباً لإستعادة الأندلس من المسلمين ، أرسل الأمراء الأندلسيون عدة رسائل إلى الحكام المسلمين ، طالبين المساعدة للوقوف بوجه الهجوم المسيحي بقيادة الملك فرناندو Fernando. وكانت القاهرة قد استقبلت بعثة أندلسية طلبت مساعدة عسكرية لمواجهة القوات المسيحية المحيطة بغرناطة . يصف إبن إياس وصول السفارة إلى مصر بقوله : وفي ذي العقدة سنة 892هـ/ 1487م جاء قاصد من عند ملك المغرب صاحب الأندلس ، وعلى يد مكاتبة من مرسله تتضمن أن السلطان يرسل له تجريدة تعينه على قتال الفرنج ، فإنهم أشرفوا على أخذ غرناطة وهو في المحاصرة معهم  [70][14]. في ذلك الوقت كانت علاقات مصر المملوكية جيدة مع الدول الأوربية . قرر الملك الأشرف قايتباي المحمودي الظاهري تكليف رعاياه المسيحيين في القدس للتوسط بالأمر . فبعث برسالة إلى القساوسة في كنيسة القيامة طالباً منهم أن يرسلوا كتاباً على يد قسيس من أعيانهم إلى ملك الفرنج صاحب نابل (نابولي الإيطالية) ، بأن يكاتب صاحب أشبيلية (الإسباني المسيحي) بأن يحل عن أهل مدينة غرناطة ويرحل عنهم [71][15]، وإلا يقوم السلطان بإلقاء القبض على المسيحيين المقيمين في القدس وأشرافهم ، ويمنع الأوربيين من دخول القدس ، بل ويهدمها . فلبى القساوسة الأمر ، وراسلوا حاكم نابولي ، لكن لم تثمر شيئاً ، إذ دخل فرناندو غرناطة وسقطت آخر مدينة أندلسية مسلمة .

ولم يكن موقف العثمانيين أفضل من موقف مصر التي اكتفت بالتهديد والوعيد . فقد راسل الأندلسيون السلطان العثماني بايزيد الثاني طلباً للعون ، فاتصل بمصر وعقدا هدنة مؤقتة ، تنهي الحروب والعداوات بين الدولتين المسلمتين ، ووضعا خطة مشتركة بإرسال أسطول قوي لغزو صقلية التي كانت يومئذ من أملاك إسبانيا ليشغل بذلك اهتمام إيزابيلا وفرناندو ، وأن تبعث قوات برية من مصر وأفريقية ، تعبر مضيق جبل طارق إلى الأندلس لمساعدة جيوشها [72][16]. وبقيت الخطة مجرد حبر على ورق ، وتهاون العثمانيون في إنقاذ الأندلس في الوقت الذي كانت لديهم قوات كبيرة في أوربا ، ويجوب أسطولهم البحر المتوسط . فضاعت الأندلس بسبب تقاعس المسلمين وتهاونهم واستفحال العداوة والتجزئة بينهم .

يقع شمال أفريقيا على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط فيما تحتل أوربا الشاطئ الشمالي منه . هذا الوضع الجغرافي أتاح الفرصة لإقامة علاقات مباشرة ومستمرة مع أوربا . وكان للبلاط المغربي خبرة طويلة في العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأوربية . في عام 1610 وصل الشيخ أحمد بن قاسم الحجري إلى باريس ، في مهمة خاصة . فقد تعرضت الطائفة المورسكية ، التي كانت تقيم في إسبانيا بعد سقوطها بأيدي المسيحيين ، للنهب من قبل أصحاب السفن الفرنسية التي استأجروها لنقلهم من إسبانيا إلى المغرب ، بعد أن طردهم فيليب الثالث من إسبانيا لرفضهم التخلي عن الإسلام وإعتناق المسيحية . على إثر هذا النهب ، إتصلت بعض العائلات بسلطان المغرب المولى زيدان ، وطلبوا منه مساعدتهم ، وإرسال من يطالب بحقهم . يقول الحجري :

(وبعد ما أخذ فيليب الثالث كل ما كان لهم ، أخرجوهم في بعض الجزر من بلاد المسلمين ، وأربعة من تلك السفن المنهوبة خرجت بالمغرب ... وطلبوا من السلطان المولى زيدان ... أن يأذن لهم في إرسال بعض من أصحابهم مع رجل من الأندلس من الذين كانوا قبلهم بتلك المدينة ، وأسفر نظره أن نمشي بأصحابهم وأعطانا السلطان كتابه) [73][17]. واستطاع الحجري أن يتم المهمة بنجاح ، وأعاد الأموال المنهوبة إلى أصحابها ، فقال (والحمد لله أن كل من وكلني من جميع الأندلس وصل إليه شيء من الدراهم) [74][18].

وزار الحجري هولندا وتجول في مدنها ، أمستردام وليدن ولاهاي ، والتقى بالمستشرق الهولندي الكبير إربينيوس Erpenius، وكانت لديه حوارات ونقاشات معه . وقد ورد ذكر أحمد الحجري في رسالة بعثها إربينيوس بتاريخ 28 أيلول 1611 إلى صديقه المستشرق كازابون Casaubon قال له فيها :

(ووراء كل ما كنت أتوقع ، فقد وصل إلى زيارتي تاجر مغربي مسلم إسمه أحمد ، وهو رجل متحضر وذكي . وكان قد درس الأدب في شبابه ، ويتكلم العربية الفصحى بصورة جيدة ولكن متواضعة ... لقد كنا نتكلم بالعربية ، لأنه كان يتكلم الإسبانية إضافة إلى العربية ، لكنني لا أتكلم بها . وقد كنا نتناقش دائماً في أمور الدين) [75][19]. أما أحمد الحجري فقد وصف إربينيوس بأنه لم يكن يجيد العربية ، بل كان (يعرب الأسماء ويصرف الأفعال) ، وذكر بأنه أخذ يعلم المستشرق إربينيوس اللغة العربية عندما التقاه في باريس عند الطبيب هبرت ، الذي كان قد تعرف عليه في مراكش . يصف الحجري ذلك اللقاء بقوله : (والتقيت في تلك المدينة (باريز) برجل من علمائهم كان يقرأ بالعربية ، وبعض النصارى يقرأون عليه ، كان يسمى بأبرت وقال لي : أنا أخدمك فيما تحتاجني ... وما نحب منك إلا أن نقرأ عليك في الكتب التي عندي بالعربية).

وتطرق الحجري في وصفه لرحلته ولقاءاته ، إلى الحديث عن المجتمع الأوربي في ذلك الوقت ، الإقتصاد ، السياسة ، طراز المدن ، العادات والتقاليد ، الطعام والملابس .

تطور القانون الدولي الإسلامي في القرون الوسطى

على الرغم من دعوة القرآن إلى التعارف وإقامة علاقات مع غير المسلمين من شعوب وقبائل ، وأن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)قد بدأ بسلسلة من الإتصالات الدبلوماسية وأرسل سفراءه إلى الدول المجاورة مثل بيزنطة وفارس ومصر والحبشة ، إلا أن خلفاءه لم يواصلوا مبادرته وسياسته . لقد حققوا فتوحات كبيرة وسعت رقعة الدولة الإسلامية بشكل متسارع خلال فترة زمنية قصيرة . لقد أدت هذه الفتوحات المفاجئة إلى زوال إحدى القوى العظمى آنذاك ، الإمبراطورية الساسانية ، وانسحاب القوة العظمى الأخرى ، الامبراطورية البيزنطية ، من تواجدها التأريخي في الشام (سوريا وفلسطين والأردن) . لقد غيرت هذه الفتوحات مكانة ووضعية العرب ، من محاربين بدو إلى حكام متحضرين . كما غرست الشعور لديهم بالقوة والسيادة على غيرهم من الأمم ، وخاصة غير المسلمين . فقد نما الشعور القومي في العصر الأموي مما أدى إلى الإزدراء بغير العرب ، وحرمانهم من حقوق المواطنة والمساواة التي يكفلها الإسلام لهم .

لقد وضعت الظروف والتغيرات الجديدة الدولة الإسلامية في تحديات جديدة ، حيث أصبحت تتعامل بشكل مباشر مع الدول غير المسلمة ، وخاصة الواقعة على حدود دار الإسلام . وجد المسلمون أن هناك حاجة لصيغة جديدة في التعامل مع الدول غير المسلمة ، بالإضافة إلى سياستها المتسامحة تجاه الأقليات غير الإسلامية داخل الدولة الإسلامية . قام الفقهاء بتطوير فرع من الفقه الإسلامي ، له علاقة بالعلاقات الخارجية ، هو السّيَر ، لتلبية متطلبات الظروف المستجدة والقضايا الطارئة . فهذا يعتبر أساس القانون الدولي الإسلامي  [76][1].

لعبت العلاقات بين الدولة الإسلامية والدول غير الإسلامية دوراً هاماً في تطوير مفاهيم وآراء جديدة في الفقه الإسلامي . فالواقع وقضاياه ومشاكله تطرح أسئلة وتطلب حلولاً ، لا بد للفقه أن يبدي رأيه فيها ، سواء كانت القضايا نابعة من داخل المجتمع الإسلامي أو بسبب علاقته واتصاله بالأمم الأخرى . قد يكون من الصحيح القول بأن القانون الدولي الإسلامي أو السير ، نشأ أولاً لتنظيم قضايا الحرب والقتال وشؤون الأسرى وعقد الهدنة أو غيرها ، لكن هناك دوافع وأسباباً أخرى جعلت القانون الدولي الإسلامي يتوسع ليشمل أمراً غير الحرب مع الكفار . فقد كانت التجارة وانتقال الأفراد والتجار إلى دار الحرب ، والتعاون السياسي مع دار الكفر وغيرها أموراً تدفع الفقهاء إلى المزيد من البحث والإجتهاد لمواجهة الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية المتغيرة . ففي العصر العباسي عقد الخليفة هارون الرشيد حلفاً مع فرنسا المسيحية ، وكلاهما كان ضد بيزنطة . وصلت العلاقات العباسية ـ الفرنسية ذروتها عندما قبل هارون بمبادرة أسقف القدس الذي أرسل بعثة إلى شارلمان ملك فرنسا تحمل معها هدية عبارة عن مفاتيح الضريح المقدس والمدينة مع الراية  [77][2]. يعتبر البروفسور بوكلر  Bucklerهذه الخطوة بمثابة منصب رمزي لشارلمان باعتباره والياً للقدس تحت سلطة الخليفة العباسي . ويحتج بأن مثل هذا المنصب ، وحسب الماوردي ، يكون بتوكيل من الخليفة ، الذي يمكن أن يمنحه لغير مسلم . ويرفض مجيد خدوري ذلك التفسير قائلاً أن العلاقات الدبلوماسية بين شارلمان والرشيد كانت سياسية . ولم يتم التعامل أبداً مع القدس باعتبارها جزءاً من صفقة سياسية ، حتى يقال أنه يمكن تعيين وال غير مسلم عليها . وينفي وجود أي شيء في كتابات الماوردي تسمح بمثل ذلك ، كما يدعي بوكلر ، وإعطاء مثل ذلك المنصب إلى غير مسلم [78][3].

لقد فرضت متطلبات الدولة الإسلامية وحقائق الحياة وواقعها على المسلمين أن يتولى الفقهاء التعامل مع المستجدات ، ومنها كيفية التعامل مع الدول غير الإسلامية ، وإعطاء وجهة نظر الشريعة بالمسائل المطروحة عليهم . ويلاحظ أن ليس كل فقهاء الإسلام تعرضوا لذلك الواقع ، فقد كان فقهاء الحجاز بعيدين عن الإحتكاك بالأمم الأخرى ، ولذلك لم يتعرضوا لمسائل التعامل مع الدول غير الإسلامية . فالفقيه مالك بن أنس فقيه الحجاز (93 ـ 179هـ/712 ـ 796م) لم يخصص إلا فصلاً صغيراً عن الجهاد . كما أن شيوخه من قبل كابن شهاب الزهري (ت 124هـ/742م) وربيعة الرأي (ت 136هـ/ 754م) إهتموا بالموضوع أقل منه . ذلك أن فقهاء الحجاز كانوا بعيدين عن المناطق التي حصل فيها الإتصال المباشر بين الاسلام وبين شعوب أخرى، فلم يبالوا كثيراً بالمشكلات التي كانت تنشأ نتيجة لهذا الإحتكاك بين المسلمين وبين الشعوب الأخرى [79][4].

ومن تلاميذه الذين اهتموا بالجهاد سحنون الذي كتب (المدونة) خارج الحجاز ، في القيروان . من جانب آخر نجد أن فقهاء العراق أولوا إهتماماً كبيراً بقضايا الحرب والجهاد ، بل أن القانون الدولي الإسلامي يمكن إعتباره من إجتهاد فقهاء العراق . فالفقيه أبو حنيفة (80 ـ150هـ/699 ـ 802م) الذي نشأ ودرس في الكوفة وتوفي في بغداد ، وتلامذته أمثال محمد بن الحسن الشيباني (132 ـ 189 هـ/750 ـ 805م) وأبي يوسف القاضي (113 ـ 182هـ/ 731 ـ 798م) وأبي اسحاق الفزاري (ت 186هـ/802م) قد كتبوا وفصلوا في باب السير وقضايا جهاد الكفار والتعامل مع الدول غير المسلمة أكثر من معاصريهم من الفقهاء . ويعد عبد الرحمن الأوزاعي (ت 157 هـ/774 م) أحد الفقهاء القدامى الذين عالجوا السير كموضوع مستقل من مواضيع الشريعة . وكانت آراء الأوزاعي في هذا الموضوع ـ وهي آراء توصل إليها في سوريا في العهد الأموي ، إذ أنه عاش معظم حياته في ذلك العهد ـ تمثل التفكير الشرعي لتلك الحقبة  [80][5].

بصورة عامة ، كان فقهاء المغرب وشمال أفريقيا قد تعاملوا بشكل مباشر مع قضية العلاقات مع غير المسلمين أكثـر من فقهاء المشرق (العراق ، سوريا ، الحجاز وفارس) . فالفقيه المالكي سحنون ، أبو سعيد عبدالسلام التنوخي (ت 240 هـ / 855 م) كتب مفصلاً في مسائل الحرب ، لأن الإسلام في شمال أفريقيا وإسبانيا كان على اتصال يومي ومباشر مع الدول الأوربية وغير الإسلامية ، ولكن معالجته تعكس تأثره بالفقهاء الحنفية ليس بأقل من تأثره بالمالكية فيما يتعلق بهذا الموضوع . وتعتبر (المدونة) لسحنون من عمدة المؤلفات في المذهب المالكي ، إضافة إلى (الواضحة) لعبد الملك بن حبيب ، و(العتيبية) لمحمد ابن أحمد العتبي القرطبي (ت 255هـ /869م) ، و(الموازية) لمحمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندري المعروف بالمواز (ت 269هـ/882م) [81][6]. وأصل المدونة كتبها أسد بن الفرات (ت 213هـ/828م) الذي توفي أثناء حصار سرقوسة في جزيرة صقلية . وتعرف بالمدونة الأسدية ، وقام سحنون بشرحها فنسبت إليه .

وأصدر الفقيه الأندلسي إبن ربيع (ت 719هـ/1320م) فتوى تتعلق بوضعية الأقلية الإسلامية تحت الحكم المسيحي . كما عالج الفقيه الأندلسي إبن رشد مسائل ذات علاقة بالتعامل مع غير المسلمين .

وفي القرن الخامس عشر ، كتب الفقيه المغربي ، الأندلسي الأصل ، عبد العباس الونشريسي مقالة بعنوان (أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر) . ناقش الونشريسي مسائل تتعلق بشرعية البقاء تحت الحكم المسيحي . فقد سئل من قبل جماعة من المهاجرين المسلمين الذين غادروا الأندلس بعد سقوط غرناطة وعودة الحكم المسيحي بقيادة الملك فرناندو والملكة إيزابيلا إلى إسبانيا . وكان هؤلاء المهاجرون قد رغبوا بالعودة إلى الأندلس حيث عاشوا ، عندما واجهوا ضيق العيش وقلة الرزق في المهجر . وسنناقش هذه القضية لاحقاً .

وفي القـرن الحادي عشـر تعرض الفقيـه المازري ، في شمال أفريقيا ، لسؤال مـن قبل جماعة من المسلمين في صقلية حول شرعية الأحكام التي تصدرها المحاكم المسيحية وقضاتها ، وصحة شهادة الشهود غير المسلمين ، هل يجوز قبولها أم لا [82][7].

 

الإسلام والإستعمار

بدأ التوسع الأوربي مصاحباً لحركة الإستكشافات الجغرافية والتجارة الدولية . فقد أسس الإسبان والبرتغاليون والهولنديون إمبراطوريات تجارية في آسيا ، ثم خلفهم البريطانيون والفرنسيون فشيدوا إمبراطوريات إستيطانية ، إستعمارية . وكانت الإكتشافات العلمية وبناء البواخر الضخمة والحاجة إلى المواد الخام وإنشاء الأسواق التجارية من العوامل الهامة في توسع نطاق الإستعمار وسيطرته وعمله في القضاء على مقومات الأمم المستعبدة لإدامة الإستعمار [83][1]. ورافق صعود الرأسمالية الصناعية في أوربا ، وتسارع إيقاع التوسع الأوربي الذي اتخذ نمطاً مختلفاً . فحتى ذلك الحين كان الحافز الرئيس وراء التوسع الأوربي هو التجارة في سلع الترف والرفاهية ، وكانت السيطرة على البحار أهم من السيطرة على الأرض لأن امتلاك مواقع تجارية صغيرة كان كافياً لضمان المصالح التجارية التي يحرص عليها ذلك النوع من التوسع الأوربي . إلا أنه نتيجة لصعود الرأسمالية الصناعية في أوربا خلال القرن التاسع عشر ، أخذت الدول الأوربية توسع في نطاق سيطرتها على الأرض إما توسلاً الى إحتكار أسواق تصدير المواد الخام والمنتجات الزراعية وأسواق إستيراد المنتجات المصنعة ، وإما لحماية مصالحها الإستراتيجية . وفي بعض المناطق ، كانت السيطرة الإستعمارية تهدف إلى إنشاء مستعمرات للمستوطنين البيض [84][2]. فقد قامت فرنسا بجهود حثيثة لتوطين الفرنسيين في الجزائر وتونس ، ونجحت بريطانيا وهولندا في إقامة دولة اعتمدت على المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا . وهذا تقويم تاريخي لحركة الإستعمار في العالم الإسلامي :

1 ـ الإستعمار الهولندي :

                                                               1621 جزيرة جاوة

                                                               1874 جزيرة سومطرة (أندونيسيا)

2 ـ الإستعمار البريطاني :

                                                               1757 البنغال (بنغلاديش)

                                                               1849 البنجاب (باكستان)

                                                               1815 نيجيريا

                                                               1882 مصر

                                                               1870 تنزانيا

                                                               1898 السودان

                                                                1917 العراق

                                                               1920 الأردن وفلسطين

3 ـ الإستعمار الفرنسي :

                                                               1830 الجزائر

                                                               1881 تونس

                                                               1882 السنغال

                                                               1882 مدغشقر

                                                               1912 المغرب

                                                               1918 سوريا ولبنان

4 ـ الإستعمار الإيطالي :

                                                               1887 الصومال وأرتيريا

                                                               1911 ليبيا

5 ـ الإستعمار الإسباني :

                                                               1914 الريف (شمال المغرب)

لم تعانِ بقية البلدان الإسلامية من الإحتلال العسكري المباشر ، ولكنها لم تكن بمنأى عن النفوذ الغربي ، السياسي والإقتصادي . فالنفوذ البريطاني كان لديه حضور قوي في إيران والجزيرة العربية . ونتيجة للإستعمار ، شهد العالم الإسلامي تغييرات جذرية في شتى النواحي الإقتصادية والإجتماعية والفكرية 

الجهاد والإستعمار

في المراحل الأولى من التوغل الأوربي في العالم الإسلامي قاوم المسلمون في مواقع كثيرة الوضع الجديد بالقوة . وكانت عقيدة الجهاد هي الطريقة الوحيدة القادرة على تعبئة الجماهير ضد الغزو الإستعماري ، وأرضية دينية للكفاح المسلح ، ومعياراً دقيقاً لتحديد العدو  [85][1].

لقد كانت المجتمعات الإسلامية في ذلك الوقت تفتقد للتنظيم عدا المؤسسات الدينية ، التي كان بوسعها تعبئة الجماهير في حركة منظمة ضد القوى الإستعمارية . ففي أفريقيا تزعمت الحركات الصوفية والطرق الدينية حركة الجهاد ضد الإستعمار ، على الرغم من الصبغة السلمية ومبدأ اللاعنف الذي تتسم به الحركات الصوفية عموماً ، والإنكفاء عن شؤون المجتمع والدولة . فكان أتباع الطريقة السنوسية في ليبيا ، والتيجانية في الجزائر ، والإدريسية في المغرب ، والختمية في السودان ، على رأس المقاتلين والمجاهدين الذين قاتلوا القوات الأوربية .

في هذا الفصل ، لن أتطرق لهذه الحركات ، لأن ذلك خارج موضوع هذه الدراسة . وقد اخترت بعض الحركات والثورات الإسلامية والتي لها صلة مباشرة بالغرب والنفوذ الغربي ، والعلاقات الخارجية للدولة الإسلامية . وسأركز البحث على حركة المرجعية الشيعية في إيران والعراق ، بهدف توضيح مدى تأثير المؤسسة الدينية الشيعية في الأحداث السياسية ، ودور المجتهدين الشيعة في التاريخ المعاصر ، وتعاملهم مع المنظمات الدولية والشؤون الخارجية . كما سألقي الضوء على حركة الجهاد الإسلامي في بلدين إسلاميين سنيين ، هما مصر ، ودور الأزهر أثناء الإستعمار الفرنسي والبريطاني; ودور الحركة الدينية في الهند . وسيتناول البحث حركة مقاومة الإستعمار التي قادتها المؤسسات الدينية دون غيرها من الحركات العلمانية ، لأننا نبحث في عقيدة الجهاد ، وهي عقيدة دينية خالصة .

العراق : من حركة الجهاد إلى ثورة الإستقلال

لعبت المرجعة الدينية الشيعية دورأ أساسياً في حركة الجهاد التي انطلقت لمواجهة الغزو البريطاني للعراق . في 6 تشرين الثاني 1914 نزلت القوات البريطانية ـ الهندية إلى ميناء الفاو . في 9 تشرين الثاني 1914 وصلت إلى علماء الدين في العتبات المقدسة وسائر المدن العراقية برقية جاء فيها :

(ثغر البصرة الكفار محيطون به ، الجميع تحت السلاح ، نخشى على باقي بلاد الإسلام ، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع) [86][1]. وسرعان ما اتخذت المرجعية الدينية الموقف اللازم في مثل هذه الأمور ، فعقد اجتماع حافل في النجف الأشرف ، في مسجد الهندي ، حضره الكثير من العلماء والوجهاء ورؤساء العشائر ، وخطب فيه السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ عبدالكريم الجزائري والشيخ جواد الجواهري ، حيث ذكروا وجوب مشاركة الحكومة المسلمة (تركيا) في دفع الكفار عن بلاد الإسلام [87][2] . وصدرت فتاوى الجهاد لتعبئة الناس وتشجيعهم على المشاركة في الجهاد . فقد أصدرت فتاوى الجهاد ضد القوات البريطانية . وفي مرقد الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)في النجف ، ارتقى المنبر المرجع الديني السيد محمد كاظم اليزدي وخطب في الناس يحثهم على الدفاع عن البلاد الإسلامية ، وأفتى بالجهاد ، وأوجب على الغني العاجز جسدياً أن يجهز من ماله الفقير القوي  [88][3]. وفي الكاظمية كان الشيخ مهدي الخالصي أشد الناس حماساً للجهاد ، وكتب رسالة بعنوان (الحسام البتار في جهاد الكفار) . ولم يكتف الخالصي بهذا بل أصدر حكماً أوجب فيه على المسلمين صرف أموالهم في الجهاد حتى تزول غائلة الكفار ، ومن امتنع عن بذل ماله وجب أخذه منه كرهاً . وردت فتوى السيد اليزدي في برقياته ورسائله [89][4]التي أرسلها إلى أبناء العشائر والمدن ، نذكر منها :

(إلى إخواننا المؤمنين الموحدين من أهالي عفك، لا يخفى عليكم تحقق هجوم الكفرة على ثغور المسلمين ، فانفروا كما قال الله خفافاً وثقالاً . ولألفينكم كما يقول عز من قائل (أشداء على الكفار رحماء بينهم) ، فانهضوا بتوفيق الله إلى جهاد عدوكم وعدو نبيكم . وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . فقد أعلنا بوجوب الدفاع عن حوزة المسلمين وبيضة الدين . وقد فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً .        محمد كاظم الطباطبائي) [90][5]

ولم يكتف المجتهدون الشيعة بالفتاوى وحث الناس على الجهاد ، بل شاركوا هم شخصياً في كتائب المجاهدين التي انطلقت لمواجهة القوات البريطانية ، ففي 15 تشرين الثاني 1914 ، أي بعد أسبوع من الغزو ، خرج السيد محمد سعيد الحبوبي من النجف يصحبه جماعة من أصحابه ، وقد تقلد سيفه ، فتوجه إلى الجبهة عن طريق السماوة والناصرية . وفي 17 تشرين الثاني 1914 تحرك موكب السيد عبد الرزاق الحلو . وفي 19 تشرين الثاني 1914 ، وصادف اليوم الأول من محرم 1333 ، غادر السيد مهدي الحيدري الكاظمية متوجهاً إلى جبهة القتال . وفي 22 كانون الأول 1914 غادر النجف الشيخ جعفر الشيخ عبد الحسين والشيخ عبدالكريم الجزائري والشيخ حسين الحلي والشيخ حسين الواسطي والشيخ منصور المحتصر وكثير من علماء وطلبة الحوزة العلمية . وفي 28 تشرين الثاني 1914 ، تحرك المجاهدون عن طريق بغداد بقيادة كل من شيخ الشريعة الأصفهاني والسيد علي الداماد والسيد مصطفى الكاشاني ، وموفدي السيد كاظم اليزدي وهم ابنه السيد محمد والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء  [91][6].

وكانت أول مواجهة عسكرية مع القوات البريطانية في معركة الروطة في 20 كانون الأول 1915 خسر فيها الإنجليز ، فاضطروا إلى الإنسحاب . وكانت المعركة الثانية في الشعيبة في 12 نيسان 1915 وقد خسر فيها المجاهدون ، فتقدمت القوات البريطانية نحو الشمال . لقد كان لفتاوى الفقهاء دور في تعبئة الجماهير ضد الإستعمار البريطاني . وأدت حركة الجهاد إلى تأخير التقدم البريطاني في العراق ثلاث سنوات ، أي حتى آذار 1917 . وقد اعترفت المصادر البريطانية بالخسائر الجسيمة التي تكبدتها في حرب العراق . فقد خسرت بريطانيا 1297 جندياً ، بينما خسر المجاهدون 3000 مسلم  [92][7].

 

ثورة العشرين 1920

بعد دخول القوات البريطانية بغداد ، بدأ التفكير بتأسيس إدارة حكومية جديدة ، وكان هناك تياران داخل الحكومة البريطانية :

الأول : يدعو إلى وضع العراق تحت الإدارة البريطانية المباشرة ، ويتزعمه الكولونيل أرنولد ولسن نائب الحاكم المدني العام في العراق ، ويؤيده بعض الوجهاء والتجار والعلماء من أهل البلاد .

الثاني : يرى أن أفضل طريقة لحكم العراق هي الإدارة غير المباشرة من قبل بريطانيا .

في 30 تشرين الثاني 1918 أعلنت الإدارة العسكرية البريطانية عن عزمها القيام باستفتاء للتعرف على وجهة نظر السكان المحليين في مختلف المناطق . وأن يتضمن الإستفتاء الأسئلة التالية :

1 ـ هل يرغبون في دولة عربية واحدة ، تحت الوصاية البريطانية ، تمتد من الحدود الشمالية لولاية الموصل حتى الخليج الفارسي ؟

2 ـ هل يرغبون ، في هذه الحالة ، في رئيس عربي بالإسم يرأس هذه الدولة الجديدة ؟

3 ـ من هو الرئيس الذي يريدونه في هذه الحالة ؟ [93][1].

وحاول ولسن أن ينفذ وجهة نظره ، فأقنع بعض العوام بتأييد موقفه . وأصدر تعليماته إلى ضباط الإرتباط في المدن العراقية ، وأبلغهم بعدم قبول غير الأجوبة المرضية والملائمة للإنجليز . وقد وقع بعض أهالي كربلاء مضبطة يقولون فيها:

(وقد إجتمعت أفكارنا عموماً ، وصار نظرنا على ما فيه صلاح العموم ، بأن نكون تحت ظل حكومتنا العطوفة الرؤوفة البريطانية العظمى مدة من الزمان لترقي العراق خصوصاً ممالكنا وتعمير بلادنا ويكون بذلك مصلحة العموم) [94][2].

وفي الموصل إجتمع بعض العلماء والأشراف ، ووقعوا على مضبطة كتبها بخطه القاضي أحمد أفندي الفخري هذا نصها :

(نعرض الشكر لدولة بريطانيا العظمى على إنقاذنا من الأتراك ، وتخليصنا من الهلاك ، وإعطائنا الحرية والعدالة ، والسعي في ترقي ولايتنا بالتجارة والزراعة والمعارف ، ونشر الأمن في جميع الأطراف . ونؤمل من الدولة المشار إليها أن تحسن علينا بحمايتنا ، وإدارة شؤون ولايتنا إلى زمن يمكن فيه أن نفوز بالنجاح ، ويحصل لنا الترقي والصلاح ، ونسترحم إبلاغ معروضاتنا هذه من سعادتكم إلى عرش الملك جورج الأعظم ، والأمر لمن له الأمر .

حرر في 10 كانون الثاني 1919) [95][3].

يقول فيليب إيرلاند : بذل الإنجليز سعيهم من أجل جمع تواقيع شيوخ العشائر لصالح الحكم البريطاني ، وخاصة في المدن الكبرى كالبصرة ، حيث كان ملاك الأرض مستفيدين من الإحتلال البريطاني ، وأغلبهم أعلن عن تأييده الحكم البريطاني المباشر . وفي الموصل صدرت عشرة إعلانات (مضابط) موقعة من ممثلي المؤسسات الدينية ، سبعة منها تعود لغير المسلمين الذين طالبوا بالحكم البريطاني المباشر او الحماية البريطانية . وبيانان للمسلمين وآخر للأكراد الذين أصروا على أنهم لن يعيشوا تحت حكم عربي أبداً ، وطالب اليزيدية بذلك أيضاً . وأعلن بقية المسلمين في الموصل عن رغبتهم في الحماية البريطانية [96][4].

أما أغلبية الشعب العراقي فقد رفضت صيغة الإحتلال والحكم البريطاني المباشر . فقد أصدر المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي فتوى بصدد الإستفتاء جاء فيها :

ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين .

20 ربيع الأول 1337 (23 كانون الثاني 1919) [97][5].

وقد تم استنساخ الفتوى وتوزيعها في المدن والمساجد والمراكز العامة . فكانت هذه الفتوى قد حسمت الموقف ، وأوضحت الموقف الشرعي تجاه الإستفتاء واختيار غير المسلم حاكماً على المسلم بإرادته ورغبته . فكان رفض المقترح البريطاني قد تصاعد في أنحاء المدن العراقية بتأثير من المدن المقدسة ، النجف وكربلاء والكاظمية ، وبتأثير المجتهدين الذين أيدوا فتوى الشيرازي الذي اعتبر من يرغب بحكومة غير مسلمة كافراً  [98][6].

إن موقف الفقهاء والمجتهدين يتضمن بعدين :

الأول : ديني فقهي ، إذ توجب الشريعة الإسلامية طاعة أولي الأمر من المسلمين لا أن يطيعوا السلطة الحاكمة إذا كانت من الكفار . يقول تعالى (اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء : 59).

الثاني : سياسي ، إذ كانت بريطانيا وفرنسا قد وعدتا بإنشاء دولة عربية بعد انسحاب النفوذ العثماني من المنطقة العربية . فقد جاء في البلاغ البريطاني ـ الفرنسي الصادر في 7 تشرين الثاني 1918 أن الغرض الذي ترمي اليه كل من بريطانيا وفرنسا في الشرق ، هو تأسيس حكومات وإدارات وطنية ، تستمد سلطانها من تأييد رغبة السكان الوطنيين أنفسهم ، ومحض اختيارهم ، واعترافهما بهذه الحكومات عندما يتم تأسيسها تأسيساً فعلياً  [99][7].

وجاءت الفتوى ترجمة لموقف سياسي ومطالب وطنية أجمع عليها الفقهاء والعلماء وبقية أبناء الشعب العراقي . ففي الكاظمية إجتمع العلماء والوجهاء والأشراف في اليوم الخامس من شهر ربيع الثاني 1337، الثامن من شهر كانون الثاني 1919 ووقعوا هذه المضبطة : [100][8]

بسم الله الرحمن الرحيم

بناء على الحرية التي منحتنا إياها الدول العظمى ، وفي مقدمتهن الدولتان الفخيمتان انجلترا وفرنسا ، وحيث أننا ممثلو جمهور كبير من الأمة العربية العراقية المسلمة ، فإننا نطلب أن يكون العراق ، الممتدة أراضيه من شمال الموصل إلى خليج فارس ، حكومة عربية إسلامية يرأسها ملك عربي مسلم هو أحد أنجال جلالة الملك حسين ، على أن يكون مقيداً بمجلس تشريعي وطني والله ولي التوفيق .

حرر يوم الأربعاء في 5 ربيع الثاني سنة 1337

وكانت أبرز التواقيع في هذه المضبطة للذوات :

محمد مهدي صدرالدين ، السيد أحمد السيد ، الحاج عبدالحسين الجلبي ، الشيخ عبدالحسين آل الشيخ ياسين ، السيد إبراهيم السلماسي ، السيد حسن الصدر والسيد محسن السيد حيدر .

وفي النجف الأشرف عقدت عدة اجتماعات لبحث الموضوع . وأخيراً تمت الموافقة وبإشارة من السيد كاظم اليزدي على مضبطة طلبوا فيها حكومة مستقلة إستقلالاً تاماً ناجزاً برئاسة ملك عربي مسلم مقيد بدستور ومجلس تشريعي منتخب  [101][9].

وفي بغداد ، إجتمع وجهاؤها وأشرافها بدعوة من قاضي بغداد ، وأصدروا بياناً يتضمن المطالب المذكورة آنفاً . على أن موقف النقيب كان يختلف عن موقف المرشحين الآخرين . فإنه كان يصرح جازماً في أحاديثه الخاصة مع الحكام السياسيين (الإنجليز) بأنه ضد تعيين أمير على رأس الحكومة في العراق على أساس أن البلاد لم تكن على درجة من النضوج تؤهلها لأي نوع من أنواع الحكم العربي . ولذا كان يدعو إلى استمرار الإدارة البريطانية التي يتحتم عليها أن تتعاون مع سكان البلاد ، وتكثر من إستخدامهم بصورة تدريجية . وكان يؤكد على الحاجة إلى وجود الحاميات البريطانية في البلاد من أجل المحافظة على السلم . كما أنه أولاً وآخراً يعرب عن تعجبه وأسفه لإستفتاء الرأي العام عن مستقبل البلاد [102][10] .

لقد كان موقف عبد الرحمن النقيب غريباً ولا يتناسب مع كونه نقيب الأشراف ومتولي الحضرة القادرية وزعيماً دينياً ، إضافة إلى أنه قبل برئاسة الحكومة فيما بعد مع أنها لم تنضج بعد على حد زعمه . ولم يكن ذلك موقف بقية العلماء السنة ، بل حدث تآلف وتعاون بين العلماء السنة والشيعة ، وصل إلى توقيع مضابط مشتركة كالتي وقعها الوفد الشيعي ـ السني المشترك والتي جاء فيها :

لما علم أن الغاية التي ترمي اليها كل من دولتي بريطانيا العظمى وفرنسا في الشرق هي تحرير الشعوب وإنشاء حكومات وإدارات وطنية وتأسيسها تأسيساً فعلياً بكل من سوريا والعراق حسبما يختاره السكان الوطنيون ، فإننا ممثلو الإسلام من الشيعة والسنة من سكان مدينة بغداد وضواحيها ، بما أننا أمة عربية وإسلامية قد اخترنا أن تكون لبلاد العراق الممتدة من شمالي الموصل إلى خليج العجم دولة عربية يرأسها ملك عربي مسلم هو أحد أنجال سيدنا الشريف حسين مقيداً بمجلس تشريعي وطني مقره عاصمة العراق بغداد .

        حرر يوم الأربعاء 19 ربيع الآخر سنة 1337 الموافق 22 كانون الثاني 1919م [103][11].

فشلت الإدارة البريطانية في إقناع العراقيين بالحكم المباشر ، رغم أن الخيار الآخر ليس بعيداً عن نفوذها ، فالملك فيصل بن الشريف حسين كان من رجالها وعلى علاقة وثيقة بها قبل سنوات عبر الجاسوس البريطاني لورنس الذي رتب الثورة العربية على تركيا .

في 2 آب 1919 إعتقلت السلطات البريطانية ستة من العاملين النشطين في مدينة كربلاء ، مما أغضب المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي ، فهدد بالهجرة إلى إيران وإعلان الجهاد هناك ضد الإنجليز ، فتفاعلت الأمة مع هذا الموقف ،وشعر الإنجليز بخطورة الموقف فقرروا إطلاق سراحهم . فبريطانيا كانت قبل خمسة أعوام قد جربت وعرفت ماذا يعني إعلان الجهاد ، لذلك آثرت عدم تصعيد الموقف ، وذلك لأن موقف الشيرازي سيكون إلهاماً في تحرك الجمعيات والأحزاب السياسية في تصعيد المعارضة السياسية ضد الإحتلال البريطاني . وفي الأول من آذار 1920 أصدر الشيرازي فتوى حرم فيها العمل في الوظائف الحكومية تحت الإدارة البريطانية ، فأدت إلى موجة إستقالات بين الموظفين الشيعة . لقد أراد الشيرازي عزل سلطات الإحتلال عن أبناء البلاد .

ولما رأت المرجعية الدينية أن بريطانيا تماطل في منح العراق الإستقلال ، كما ترفض تأسيس حكومة وطنية في العراق ، بادرت إلى مخاطبة المجتمع الدولي ، والإتصال بالقوى الأخرى ومنها أميركا . فقد بعث الشيخ محمد تقي الشيرازي وشيخ الشريعة الأصفهاني معاً برسالتين إلى كل من السفير الأميركي في طهران والرئيس الأميركي وودرو ولسن Wilson  Woodrowمن أجل مساعدة الشعب العراقي . فكان نص الرسالة الموجهة إلى السفير الأميركي في طهران كالتالي : [104][12]

تحظى بخدمة جناب الأجلّ سفير دولة أميركا المتحدة في طهران المحترم

بعد الإحترام اللائق :

لزمنا أن نحرر لكم في هذه الآونة على سبيل الإيجاز ، وذلك نظراً إلى ما أملته حكومة الولايات المتحدة من الشروط المعروفة التي قدمها رئيس جمهوريتها لإحقاق الحقوق ، وتقرير المصائر ، قد رأينا أن نراجع حكومة الولايات المتحدة بتوسطكم ونستعين بها في تأييد حقوقنا بتشكيل دولة عربية .

ولا يخفاكم أن كل أمة مطوقة بالقوات العسكرية المحتلة من كل الجوانب لا تجد أمامها مجالاً حراً للتعبير عن آرائها في الحرية والإستقلال .

أما حرية الرأي المزعومة في هذا العهد فلا يطمئن إليها الناس ، لهذا خشي أكثر الأهالي أن يعلنوا رغائبهم ، ويكشفوا عما في ضمائرهم ، وإذا بان خلاف ذلك فإنه لا شك منبعث عن الظروف القاسية المحيطة بهذه البلاد ، لذلك رأى الشعب العراقي أن يستعين بحكومة الولايات المتحدة على المطالبة بحقوقه وإنجازها .

        (التوقيع)                             شيخ الشريعة                         محمد تقي الحائري

5 جمادى الأولى 1337هـ (6 شباط 1919).

أما الرسالة الموجهة إلى الرئيس الأمريكي ولسن فكانت كالتالي : [105][13]

لحضرة رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأميركية المحترم

إبتهجت الشعوب جميعها بالغاية المقصودة من الإشتراك في هذه الحروب الأوربية من منح الأمم المظلومة حقوقها ، وإفساح المجال لإستمتاعها بالإستقلال حسب الشروط المذاعة عنكم ، وبما أنكم كنتم المبدأ في هذا المشروع ، مشروع السعادة والسلام العام ، فلابد وأن تكونوا الملجأ في رفع الموانع عنه . وحيث قد يوجد مانع قوي يمنع من إظهار رغائب كثير من العراقيين على حقيقتها بالرغم مما أظهرته الدولة البريطانية من رغبتها في إبداء آرائهم . فرغبة العراقيين جميعهم والرأي السائد ـ بما أنهم أمة مسلمة ـ أن تكون حرية قانونية وإختيار دولة جديدة عربية مستقلة إسلامية ، وملك مسلم مقيد بمجلس وطني . وأما الكلام في أمر الحماية فإن رفضها أو الموافقة عليها يعود إلى رأي المجلس الوطني بعد الإنتهاء من مؤتمر الصلح .

فالأمل منا حيث إنا مسؤولون عن العراقيين في بث آمالهم وإزالة الموانع عن إظهار رغائبهم بما يكون كافياً ليطلع الرأي العام على حقيقة الغاية التي طلبتموها في الحرية التامة ، ويكون لكم الذكر الخالد في التاريخ بحرية العراق ومدنيته الحديثة .

(التوقيع)

شيخ الشريعة الأصفهاني           محمد تقي الحائري الشيرازي

في 12 جمادى الأولى 1337هـ (13 شباط 1919).

ولنا بضع ملاحظات ومناقشات حول هاتين الرسالتين الهامتين :

1 ـ انهما لمحتا إلى مبادئ الرئيس ولسن الأربعة عشر فيما يتعلق بحق تقرير المصير والإستقلال وتأسيس كل شعب حكومة ودولة خاصة به .

2 ـ قبول الوساطة الأميركية في تأييد حقوق المسلمين والدفاع عنها ، أي جواز الإستعانة بالكافرين لخدمة أهداف إسلامية أو الدفاع عن دولة إسلامية .

3 ـ أعلنتا عن إرتياح المرجعية ورضاها عن مشروع السعادة والسلام العام أي تأييد السلام الدولي والمحافظة عليه ، وهو أحد مبادئ القانون الدولي .

4 ـ التأكيد على أسس الدولة الديمقراطية وهي الحاكم المسلم ، الدستور والمجلس التشريعي أو الوطني .

ويشير ذلك إلى وعي مبكر لطبيعة الدولة الإسلامية التي كان يطالب بها الفقهاء والعلماء .

5 ـ أن المرجعية الدينية تمثل الشعب وتدافع عن آماله وطموحاته وتدافع عن مصالحه ، ومسؤولة عن المطالبة بما يريده . فالشعب أولاها ثقته ومنحها قياده .

6 ـ إنتقاد موجه لبريطانيا التي قبلت الإستفتاء لكنها ترفض نتائجه .

7 ـ تنم عن دبلوماسية رصينة في عدم البت بقضية الإنتداب أو الحماية بل ترك ذلك إلى رأي الشعب عبر المجلس الوطني . كذلك عدم إستباق الأحداث وانتظار نتائج مؤتمر الصلح في باريس 1920 .

في 25 نيسان 1920 أعلنت مقررات مؤتمر سان ريمو ، والتي تضمنت إعلان الإنتداب البريطاني على العراق وفلسطين ، والفرنسي على سوريا ولبنان . لقد كان القرار صدمة قوية للأوساط الشعبية والدينية . وكانت قد سبقته تحركات سياسية فجرها الإستياء من سوء معاملة الإدارة البريطانية للعراقيين عموماً . وكانت المرجعية تشرف على الإتصالات مع الأطراف الخارجية ، فقد كتبت رسالة شخصية في أوائل آب 1919 إلى الملك حسين في الحجاز ، فأجابها الأخير برسالة يعلن فيها تأييده لمطالب العراقيين [106][14] . في 16 نيسان 1920 عقد إجتماع في دار السيد علوان الياسري حضره عدد من العلماء ورؤساء العشائر ، وضم الميرزا محمد رضا الشيرازي ، نجل المرجع الشيرازي . طرحت في الإجتماع فكرة الثورة لأول مرة ، وتم الإتفاق فيه على تصعيد المواجهة [107][15] .

لم يكن الشيخ الشيرازي يميل للعنف والثورة المسلحة ، بل كان يريد أن تبقى الحركة الوطنية سلمية تكتفي بالمطالبة بحقوق البلاد المشروعة دون اللجوء إلى السلاح ، ولكن الذين خططوا للثورة ، ثم أصبحوا قادتها منهم عبدالكريم الجزائري وجعفر أبو التمن ونور الياسري وعلوان الياسري وعبدالواحد الحاج سكر ، إستطاعوا إقناعه ، وتبديد مخاوفه وتحفظاته . إذ كان يخشى الفوضى ، ويعتبر حفظ الأمن أهم من الثورة بل أوجب منها ، فأجابوه بأنهم قادرون على حفظ الأمن والنظام ، وأن الثورة لابد منها وسوف يبذلون ما في وسعهم لحفظ النظام وتوفير راحة العموم . فقال لهم : إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم [108][16].

وبدأت التحركات السياسية بدعوة الناس للتظاهر سلمياً للمطالبة بالحقوق المشروعة ، فأصدر الشيخ الشيرازي بياناً يدعوهم فيه للتظاهر السلمي مع المحافظة على الأمن ، ثم يطلب منهم إرسال وفد يمثل كل منطقة إلى بغداد ، جاء فيه :

إلى إخواننا العراقيين [109][17]

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد فإن إخوانكم في بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء وغيرها من أنحاء العراق ، قد اتفقوا فيما بينهم على الإجتماع والقيام بمظاهرات سلمية . وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات ، مع المحافظة على الأمن ، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لإستقلال العراق إن شاء الله بحكومة إسلامية ، وذلك أن يرسل كل قطر وناحية إلى عاصمة العراق (بغداد) وفداً للمطالبة بحقه ، متفقاً مع الذين سيتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد .

فالواجب عليكم ، بل على جميع المسلمين ، الإتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف . وإياكم والإخلال بالأمن ، والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض ، فإن ذلك مضر بمقاصدكم ومضيع لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم . وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل التي في بلادكم ، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ، ولا تنالوا أحداً منهم بسوء أبداً .

وفقكم الله لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأحقر محمد تقي الحائري الشيرازي         

9 ـ 10 رمضان 1338 (28 ـ 29 نيسان 1920)

وزع البيان في المساجد والمدن وسارت التظاهرات ، وكتبت البيانات ، وذهبت الوفود لكن كل ذلك لم يغير شيئاً من الموقف البريطاني . يقول فيليب إيرلاند وهو إنجليزي : لقد فشلت المحاولة لجعل الإنتداب مقبولاً وأنه إلتزام فرض على بريطانيا من قبل عصبة الأمم ، حيث واجه رفض العراقيين سواء الإعتراف بسلطة عصبة الأمم التي منحت الإنتداب ، أو ما يتعلق بالإدعاء البريطاني بمسؤوليتها عن العراق وأنه رد فعل ودي تجاه عصبة الأمم . إن نظرة العرب العامة تجاه إعلان الإنتداب تشابه ما ذكره اللورد كورزنCurzon  Lord وزير الخارجية إذ قال : إنه من الخطأ الإفتراض أن عصبة الأمم أو أية هيئة أخرى هي التي تمنح الإنتداب . ليس ذلك بصحيح ، إنه يستند إلى أن القوى المنتصرة ، والتي فشلت في تقسيم الأراضي ، وجرى فرض الإنتداب البريطاني على العراق وفلسطين ، والإنتداب الفرنسي على سوريا [110][18].

لقد فشلت الجهود السلمية في إقناع الإدارة البريطانية بالإستجابة إلى مطالب الشعب العراقي ، وبدأت بتصعيد سياستها وممارساتها ضد المعارضين والناشطين . ففي 21 نيسان 1920 ألقى الميجر بولي القبض على إبن الشيرازي ، محمد رضا الشيرازي ، ثم نفي إلى جزيرة هنجام في الخليج [111][19] . لم يكن أمام الشيخ الشيرازي إلا تأييد الإتجاه الآخر ، أي الثورة ، فأصدر فتواه التي منحت الشرعية لحركة جهاد جديدة ضد الإحتلال البريطاني جاء فيها : [112][20]

بسم الله الرحمن الرحيم

مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين . ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن . ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنجليز عن قبول مطالبهم .

محمد تقي الحائري الشيرازي

أحدثت الفتوى هيجاناً عاماً في العراق ، وبات توقيت إعلان الثورة مجرد أيام ، فعقد علماء الدين والشخصيات ورؤساء العشائر إجتماعات للتداول واتخاذ الخطوات وتوزيع المهام ، حتى أعلنت الثورة يوم 30 حزيران 1920 . إستمرت الثورة لمدة خمسة أشهر ، تضمنت عمليات عسكرية ، ومواجهات مسلحة وقصف مدن بالطائرات وإحراق قرى ومزارع ، قتلى وجرحى وأسرى ، بشكل أربك الإدارة البريطانية . ولكن الثورة أصيبت بنكبة إثر وفاة قائدها الشيخ محمد تقي الشيرازي ، فتولى القيادة الشيخ فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة . وقد فقدت بريطانيا 426 قتيلاً و1228 جريحاً و615 أسيراً ومفقوداً ، إضافة إلى 8450 إصابة بين (المتمردين) [113][21].

لم تحقق الثورة كل أهدافها إلا أنها أسهمت في تغيير موقف الحكومة البريطانية والتخلي عن فكرة الحكم المباشر ، والإعتراف بتأسيس حكومة وطنية ، والإستقلال . وهذا ما سيؤثر على مستقبل الحركة السياسية في العراق عموماً الذي استفاد من الثورة ، إلا أن المرجعية الدينية دفعت الثمن . إذ لم تغفر لها بريطانيا ما سببته لها من مشاكل وصعوبات خلال خمس سنوات ، فبادرت إلى نفي الفقهاء والعلماء الشيعة عن العراق . ولم تسمح لهم بالعودة إلا بعد تقديم تعهد بعدم التدخل بالأمور السياسية 

إيران : ثورات ضد الإمتيازات الأجنبية

لزمن طويل ، كانت إيران ميداناً للتنافس بين القوى الكبرى ، بريطانيا ، فرنسا ، روسيا وألمانيا . ولعب السفراء والقناصل الأجانب في طهران دوراً هاماً في السياسة والحكومات الإيرانية . وحتى القرن العشرين كانت الإمتيازات الأجنبية محور الصراع بين الدول الأوربية . وأصبح النفط فيما بعد العامل الرئيس الذي هيمن على علاقات إيران بالغرب .

لقد استغلت الدول الغربية الإمتيازات للهيمنة على النشاط الإقتصادي والتجاري والمالي في إيران ، فغدت التجارة والزراعة والصناعة والنقل والبريد والإتصالات الإيرانية بيد الشركات الأجنبية .في عام 1899 هيمنت بريطانيا على السكك الحديدية ، وكانت منذ عام 1852 هي المالكة الوحيدة لخطوط ومحطات التلغراف . في عام 1872 كان البارون يوليوس رويتر [114][1]  Baron deReuter هو صاحب الإمتياز الوحيد لسكة الحديد التي تصل بحر قزوين بالخليج ، وشبكة الترام في المدن الإيرانية ، ودوائر البريد ، الطرق ، مناجم الفحم والحديد والنفط وبقية المعادن لمدة 70 عاماً [115][2]. ولم يبق لشاه إيران شيئاً سوى الهواء ، على حد تعليق سياسي فرنسي [116][3] .

 

ثورة التنباك عام 1891

في 20 آذار 1890 منح ناصر الدين شاه إمتيازاً لإحتكار التبغ وبيعه في إيران لمدة خمسين عاماً لشركة إنجليزية تدعى ريجي Regi Tobacco لصاحبها الميجر تالبوت . وكانت الإتفاقية مجحفة بالنسبة للشعب الإيراني ، حيث تضمنت بنوداً وقرارات ضارة بالمزارعين والتجار وعامة الناس منها :

1 ـ يجب على حكام الأقاليم في أنحاء إيران إجبار المزارعين على إعطاء تعهدات للشركة البريطانية بأن كل ما يزرعونه من التبغ لا يجوز لهم بيعه وشراؤه إلا بإذن صاحب الإمتياز . وليس لأحد إصدار الإجازة بذلك ، إلا من صاحب الإمتياز . وليس للبائع والمشتري أن يتعامل بغير دفتر الإجازة ، ومن فعل ذلك فعليه عقوبة.

2 ـ عدم جواز حمل ونقل التبغ مطلقاً إلا بإجازة صاحب الإمتياز .

3 ـ يجب على صاحب الإمتياز شراء جميع التبغ الموجود في إيران ، وليس للبائع الإمتناع عن ذلك .

4 ـ كل من باع أو اشترى خفية ، أو وجد عنده شيء من التبغ دون إجازة ، فيجب على المسؤولين في الحكومة الإيرانية معاقبته بشدة [117][1] .

5 ـ توافق الدولة على عدم فرض رسوم ومكوس إضافية على التبغ [118][2] .

      واضح أن الإمتياز يهيمن على كل عمليات زراعة وصناعة ونقل وتوزيع وبيع وشراء التبغ في إيران . وإذا علمنا أن إيران بلد واسع ذو سوق كبير وإمكانات واسعة ، مما يعني تأثير الإمتياز على أرزاق وأعمال عشرات الآلاف من المزارعين وتجار الجملة والمفرد وصغار البائعين ، وشركات النقل والتوزيع ، لأتضحت صورة الإستغلال البشع لشعب مسلم . ولم يسكت أبناء الشعب أمام الأضرار الفادحة التي يتكبدونها يومياً ، فكثرت الشكاوى والتذمر ضد السلطة ، واعترض علماء الدين في إيران ، لكن الشاه كان مصراً على موقفه في منحه الإمتياز للإنجليز . أخذت الأنظار تتجه إلى المرجع الديني السيد محمد حسن الشيرازي المقيم في سامراء بالعراق . فأرسلوا إليه الوفود والبرقيات تشرح له الحالة . تبنى الشيرازي موقف الشعب الإيراني ، فأرسل رسالة إلى ناصر الدين شاه يطلب منه إلغاء الإمتياز ، فاعتذر الشاه عن إلغاء الإتفاقية محتجاً بعدم قدرته ، وما يترتب على ذلك من مخاطر . وحذره الشيرازي برسالة ثانية ، لكن الشاه ظل على موقفه [119][3].

بعد أن يئس الشيخ الشيرازي من تغيير موقف الشاه تجاه الإمتياز ، وتدهور الأوضاع الإقتصادية للمزارعين والتجار الإيرانيين ، قرر أن يسلك سبيلاً آخر ، السياسة السلبية أو اللاعنف ، فقرر أن يمتنع الناس عن شراء وإستخدام التبغ ، فأصدر فتواه الشهيرة : [120][4]

بسم الله الرحمن الرحيم

اليوم إستعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان . ومن استعمله كان كمن حارب الإمام عجل الله فرجه .

محمد تقي الحائري الشيرازي

أحدثت الفتوى صدىً هائلاً في أوساط الشعب الإيراني ، فاستجابت لها كل الطبقات الإجتماعية ، فأصبح الإمتناع عن التدخين عملاً وطنياً وممارسة ثورية وطاعة دينية واستجابة لأمر قائدها . فأقلع الجميع عن التدخين بشكل كامل ، واُغلقت محلات بيع التبغ ، بل سرى الإلتزام بالفتوى حتى داخل قصر الشاه ، فاضطر في النهاية إلى إلغاء الإتفاقية بعد دفع نصف مليون باوند تعويضاً للشركة 

الإسلام وتأميم النفط

في 21 مايس 1901 منحت الحكومة الإيرانية إمتياز نفط الجنوب إلى ثري إنجليزي يدعى وليم دارسي . William Knox D' Arcy وبموجب ذلك الإمتياز يشرف دارسي على عمليات إستخراج ونقل النفط في جميع أنحاء إيران ، عدا خمس مقاطعات هي آذربايجان وگيلان ومازندران وگرگان وخراسان ، ولمدة 60 عاماً . ومقابل ذلك تعهد دارسي بدفع مبلغ000ر20 ليرة نقداً ، وما يعادل نفس المبلغ على شكل أسهم ، إضافة إلى 16% من خالص أرباح الشركة ، إلى الحكومة الإيرانية .وبتاريخ 26 مايس 1908 تم حفر أول بئر نفطي في منطقة مسجد سليمان ، في الجنوب الإيراني [121][1] .

ومنذ ذلك التاريخ دخلت إيران في عداد الدول الغنية بالنفط ، حيث أصبح النفط يلعب دوراً رئيساً في السياسة والإقتصاد الإيراني .وكانت علاقاتها الخارجية متأثرة بحجم إنتاجها ، واكتشاف المزيد من إحتياطي النفط . وكان التنافس الدولي على أشده في الشرق الأوسط وخاصة في إيران ، باعتبار أنها أول دولة تم اكتشاف النفط فيها في المنطقة . وكان الغرب يقدر أهمية النفط الإيراني ، إذ لعب النفط دوراً أساسياً في تجهيز الأساطيل البحرية البريطانية والآلة العسكرية في الحرب العالمية الأولى . لذلك حرصت على حمايته ، بل أن حماية النفط كان أحد الأسباب القوية التي دعت بريطانيا لدخول العراق منذ بداية الحرب ، في تشرين الثاني 1914 . وكان أحد العوامل الرئيسة في احتلال إيران عند بدء الحرب العالمية الثانية [122][2] . وكان مصفى عبادان أكبر مصفى في العالم آنذاك ، وصاحب الفضل في انتصار الحلفاء .

وكانت بريطانيا وأميركا يعتبران النفط الإيراني إحتياطياً ستراتيجياً للصناعة الغربية واستمرار تقدمها ونموها . لذلك كانتا تحرصان على تجنيب إيران أية عوامل تؤثر على إنتاج النفط ، وضرورة ترسيخ الإستقرار فيها .

في نهاية عام 1947 قررت الحكومة الإيرانية تجديد إتفاقية النفط الموقعة عام 1933 ، فأضيف إليه ملحق وقعه بتاريخ 17 حزيران 1949 وزير المالية الإيراني كلشائيان مع السيد جس Giss ممثل الحكومة البريطانية . وحتى تكون الإتفاقية سارية المفعول يجب أن تحظى بموافقة مجلس الشورى (البرلمان الإيراني) . واجهت الإتفاقية صعوبات في المجلس في الدورة 15 بسبب معارضة بعض النواب أمثال أبو الحسن حائري زادة والدكتور مظفر بقائي كرماني وحسين مكي . وكانت إنتخابات العاصمة طهران قد ألغيت بسبب التزوير . كان الشاه وحكومته يرغبون بموافقة المجلس بأية وسيلة ، فأخذت السلطات تمارس سياسة ضغط وإرهاب للمعارضين لإتفاقية النفط . وكان الشاه قد تعرض لمحاولة إغتيال في 4 شباط 1949 ، فاتخذها ذريعة لاتهام خصومه ، فصدر قرار يعتبر حزب تودة غير قانوني ، وجرى اعتقال أعضائه . من جانب آخر جرى اعتقال السيد أبو القاسم الكاشاني ، ووضع في سجن قلعة الأفلاك في خرم آباد ، ثم تم نفيه إلى لبنان . ولما جرت إنتخابات الدورة 16 للمجلس كان الدكتور محمد مصدق والسيد أبو القاسم الكاشاني والنواب الثلاثة المذكورون آنفاً على رأس الفائزين بمقاعد مدينة طهران ، إذ شكلوا أقلية وطنية مقابل أكثرية أنصار السلطة . كان الكاشاني في المنفى حين تم انتخابه ، فعاد إلى إيران في 11 حزيران 1950 ليقود المعارضة .

كانت إتفاقية النفط أهم القضايا التي على مجلس الشورى البت فيها ، وإعطاء رأي نهائي بها . في أول جلسة ألقى الكاشاني ، بعد أن انتخب رئيساً للبرلمان الإيراني ، كلمة رفض فيها قرارات المجلس السابق لعدم شرعيته ، ومنها الموافقة على اتفاقية النفط مع بريطانيا. وكان رأي محمد مصدق زعيم الجبهة الوطنية مؤيداً لموقف الكاشاني . فشكلا بذلك جبهة سياسية تضم القوميين والإسلاميين . كانت الأحداث تسير بإتجاه تأميم النفط وجعل الصناعة النفطية تحت إشراف وإدارة الحكومة الإيرانية . فقد أصدر السيد الكاشاني بياناً جاء فيه :

(إن تأميم النفط هو السبيل الوحيد أمامنا ، أولاً : لإسترجاع الثروة ، التي أعطاها الله للشعب الإيراني ، من أيدي الأعداء الذين لا يهمهم سوى الإستغلال ومص دماء الشعوب الضعيفة ، وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين والمستحقين . وثانياً : تطبيق السيادة الوطنية عملياً ، بحيث لا تتمكن الشركة (البريطانية) الغاصبة من تسليط عملائها على أرواح وأموال وأعراض الناس . إنها ما زالت تهدف إلى استمرار نهجها ولكن الأوضاع الدولية اليوم لا تسمح بذلك بسهولة . فالشعوب اليقظة وتقاطع السياسات الدولية لا تساعد على تكرار هذه الجرائم .

أما أولئك الذين ما زالوا مترددين وشاكين بهذا الأمر ، فلينظروا للشعوب الأخرى أمثال أيرلندا والهند والباكستان وبورما ومصر ، وكيف أجبروا الحكومة البريطانية الظالمة على الكف عن مظالمها ، وأن سياستها تلك ستعود نتائجها الوخيمة عليها (بريطانيا) ... وبهدف توضيح التكليف الشرعي والوطني للشعب الإيراني المسلم ، أقول أن الأمل المشترك ، ومن أجل سعادة الشعب الإيراني ، وبهدف المحافظة على السلام العالمي ، فإن جميع أفراد الشعب يريدون تأميم الصناعة النفطية في كل إيران دون استثناء; أي أن جميع عمليات اكتشاف واستخراج وتسويق النفط يصبح بيد الحكومة) [123][3]

فتاوى تأميم النفط

ما أن أعلن الكاشاني موقفه بصدد تأميم النفط حتى بادر الفقهاء والمراجع الشيعة إلى تأييده وأصدروا فتاوى بتأميم النفط . فقد أصدر آية الله العظمى محمد تقي الخوانساري فتوى جاء فيها :

(إن تسلط الأجنبي على النفط الذي يمثل روح حياة الأمة ، لا يعني سوى السذاجة ، والإنفصام عن المجتمع ، وعدم رعاية المقررات والواجبات الدينية ، وضعف الإدراك ، وعدم رعاية مصالح المجتمع . وفي حين يقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) : من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمؤمن ولا مسلم . فهل الإهتمام بأمور المسلمين يعني ترك ملايين المسلمين في الفقر المدقع ؟ ولو قال أحد أن هذه ليست من شؤون الإهتمام بأمور المسلمين ، فقوله خلاف الوجدان . وإذا لم يكن حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)  يشمـل هـذه الامور ، فماذا يشمل إذن ؟ فإذا لم يقبلوا ذلك فهم يردون على حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) . إن حضرة آية الله الكاشاني (دامت بركاته) مجتهد عادل ، شهم ، ومضحي من أجل مصالح الناس في دينهم ودنياهم ، ويبذل جهده في توعية الناس ، فلا يبقى عذر لأحد) [124][1].

وأصدر آية الله بهاء الدين محلاتي فتوى أيضاً هذا نصها [125][2] :

بسم الله الرحمن الرحيم

من البديهي أن الدين الإسلامي يفرض واجبات فردية وجماعية على أتباعه، وإذا لم يقم المسلمون بها فإنهم إضافة إلى ضعفهم وعجزهم وتسلط الأجانب عليهم، فإنهم لن يتفوقوا على الأجانب أبداً . ففي صدر الإسلام كان تطبيق أحكام الدين هو الذي جعل السيادة للمسلمين، ورفعوا راية التوحيد على القصور الفخمة للسلاطين والملوك. إن واحداً من المبادئ الإسلامية التي تمنع تسلط الأجانب، والتي يؤكد عليها القرآن مراراً هو ترك محبة الكفار، إذ يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتّم ، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون)

(آل عمران : 118).

من مظاهر مخالفة مضمون الآية الشريفة هو ما نشاهده من إنحطاط وذلة الشعوب المسلمة بسبب وضع النفط ، الذي يعتبر من الثروات الهامة ، وسيادتها بأيدي الأجانب . من الواضح أن وضع نفط الجنوب تحت تصرف الإنجليز ، لا يؤدي إلى إضعاف الدولة الإسلامية فحسب ، بل تدمير قواها السياسية والإقتصادية والدينية . إن فرض الإتفاقية السابقة بين الدولة الإيرانية وشركة النفط (الإنجليزية) ، إضافة إلى أنها وقعت من قبل الحكومة المتجبرة والتي لا ولاية لها شرعاً وواقعاً على المسلمين والشعب المظلوم ذات ضرر بليغ وضد مصلحة المسلمين ، فإنها باطلة ولا أثر لها . إن قطع النفوذ الأجنبي عن التدخل في أمور المسلمين وإعادة العظمة والإستقلال للدولة الإسلامية الإيرانية من أهم الواجبات على المسلمين . وبناءً على ذلك الواجب ، يجب على المسلمين السعي من أجل انتخاب وتشكيل حكومة وطنية تستمد قراراتها من الأحكام الإسلامية ، من أجل تخليص الصناعة النفطية من أيدي الشركة الغاصبة والحكومة الأجنبية ، والإشراف على استخراجه والإستفادة منه بموجب المقررات الدينية ، وتجديد حياة هذه الدولة .

بالطبع ، فإن آية الله الكاشاني (دامت بركاته) ، وحسب ما ذكرنا آنفاً ، يعارض بقاء النفط بأيدي الشركة الأجنبية ، وعلى هذا الأساس يعتبر أن تأميم النفط أمر لابد منه . إن التعاون معه ، ومساعدة حضرته (الكاشاني) من أجل بلوغ هذا الهدف الشريف والحيوي ، واجب على كل مسلم .

بهاء الدين محلاتي

وأصدر السيد محمود الروحاني القمي فتوى يؤيد فيها تأميم النفط ، ويساند موقف أبو القاسم الكاشاني ، هذا نصها: [126][3]

بسم الله تعالى شأنه العزيز

اللهم اهدنا سبيل الرشاد وأعذنا من شرور الكفار

من المعلوم أن قضية تأميم النفط ليست من العناوين الأولية ، لأن النفط والمعادن ملك للمسلمين وثروة الإيرانيين ، ولكن الأجانب هم المستفيدون منه ، بينما ملايين الرجال والنساء والأطفال الإيرانيين يعانون التعاسة والبؤس . ولو أعيدت موارد البلاد بيد الشعب لزالت مظاهر التعاسة والحزن ، وهذا ما لا ينكره أحد .وهذا الحكم ينطلق من الموازين الشرعية ، وهوأحد ضروريات الدين ، ومطابق لنص الآية المباركة (لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)(النساء : 144) . ويلغي ذلك بعض الشبهات بالعنوان الثانوي ، لأن هذا الأمر بديهي فلا يشتبه على أحد .

إن آية الله الكاشاني (دام ظله) يعمل ، منذ أول حياته ، في إصلاح أمور المسلمين ، ومن أجل فائدة وخير الناس ، ومناضل ضد أعداء دين ودنيا المسلمين ، ومن المدافعين عن حقوق الإيرانيين ، ولا يمتنع عن تقديم أية تضحية ونضال ، ولديه اطلاع كامل في السياسة ، ويتربع على قمة هذه النهضة المقدسة ، واليوم يقول ، بكل إصرار من أجل تأميم النفط في انحاء البلاد ، ولم تعد هناك شبهة باقية . وبناءً على ذلك ، يجب على مواطنينا الأعزاء بذل أقصى جهودهم من أجل التخلص من مخالب الأجانب ، وتحقيق الخلاص والسعادة . والسلام على الإخوان المؤمنين ورحمة الله وبركاته .

الأحقر محمود الحسيني الروحاني القمي

كما أصدر آية الله عباس علي الشاهرودي فتوى هذا نصها : [127][4]

بسم الله الرحمن الرحيم

سألني بعضهم عن حكم الشرع والدين بصدد قطع أيدي الأجانب وخائني البلاد ، وتأميم صناعة النفط في أنحاء البلاد . من المعلوم أن لا مكان للشك في أن قطع يد الأجانب عن البلاد والمسلمين وتأميم النفط في أرجاء البلاد من الأمور الواجبة التي يجب أن تحظى بالجدية اللازمة ، خاصة وأن آية الله العظمى الكاشاني (دامت بركاته) يقف على رأس هذه الحركة المقدسة ، ويصرف كل أوقاته الشريفة لرفع الظلم والجور ، وتأمين رفاه المسلمين ، وكل وقته يصرفه في أعمال الخير والشريعة ، ومحاربة قوى الظلام ، ويقف في الصفوف الأولى للمضحين عن الإسلام . ولديه خبرة لسنوات متمادية في الشؤون الحكومية ، وعلى اطلاع واسع بدقائق الأمور الإجتماعية . فعلى المسلمين إتباعه وتقديره ، ولا يترددوا أبداً في تطبيق أحكام الشرع والدين المقدسة من أجل تأميم صناعة النفط في أنحاء البلاد .

الأحقر عباس علي الشاهرودي

 

قرار التأميم

تطورت الأوضاع السياسية داخل إيران ، حيث بات الصراع أكثر حدة وسعة بين المجلس ونوابه الإسلاميين والوطنيين وجماهير الأمة ، وبين الشاه والجيش والوزارة وبريطانيا وأميركا من جهة أخرى . وزاد التوتر والتصعيد إغتيال رئيس الوزراء الإيراني الفريق رزم آرا الذي عينه الشاه بهذا المنصب كمحاولة لضبط الأوضاع والسيطرة على الشارع الإيراني ، وبعد استقالة رئيس الوزراء علي منصور . وجرى تعيين رزم آرا بتاريخ 27 حزيران 1950 ، فلم يبق سوى أقل من ثمانية أشهر حيث اغتيل يوم 7 آذار 1951 من قبل خليل طهماسبي ، أحد أعضاء حركة فدائيان إسلام التي يتزعمها نواب صفوي (1924 ـ 1955) [128][1].

بعد إغتيال رزم آرا قام الشاه بتعيين حسين علاء [129][2] مكانه . ساد شعور بالإرتياح لمصرع رزم آرا . وقد صرح السيد الكاشاني بأنه يجب إطلاق سراح قاتل رزم آرا لأن عمله كان في سبيل الشعب الإيراني وإخوته المسلمين [130][3]. وأصدر الكاشاني بياناً قال فيه : إن الرصاصات التي أردت رزم آرا قتيلاً قد أكسبتنا معركة النفط ، وسيؤمم النفط رغم أنف الخائن المضرج بدمه [131][4]. لقد أصبحت الحكومة ضعيفة ، مما جعل طرح قرار تأميم النفط في مجلس الشورى أمراً لصالح السيد أبو القاسم الكاشاني والوطنيين . فجرى التصويت والموافقة على تأميم صناعة النفط بتاريخ 20 آذار 1951. واعتبر ذلك إنتصاراً للشعب وتحريراً لثرواته من أيدي الغرب .

بعد ذلك الإنتصار أصبحت قضية رئاسة محمد مصدق مسألة وقت ، فقد تم ترشيحه في المجلس وحصل على رأي الأكثرية ، فأصبح رئيساً للوزراء بتاريخ 5 مايس 1951 ، أي بعد شهر ونصف من قرار التأميم . كان رد فعل بريطانيا وأميركا قوياً تجاه تأميم النفط . فقد هددت بريطانيا بالتدخل العسكري ، فصرح السيد الكاشاني بأنه سيعلن الجهاد ، كي يؤدي المسلمون الإيرانيون واجبهم الديني . أحدث الإعلان تأثيراً في الأوساط الإيرانية ، كما زاد القلق في الأوساط الدولية والإقتصادية ، لأن حدوث حرب في المنطقة سيكون له تأثير على إنتاج وأسعار النفط في العالم . من جانب آخر أخذت الدول المنافسة لبريطانيا وأميركا ، مثل روسيا وفرنسا تقف ، إعلامياً ، إلى جانب موقف السيد الكاشاني . فقد وصفت صحيفة اللوموند الكاشاني بأنه بابا الشيعة ، وأن أوامره مطاعة من قبل ملايين الشيعة في الشرق الأوسط [132][5]. وأعلن راديو باكو أنه إذا قام آية الله الكاشاني بإعلان الجهاد ، فلن تستطيع أي قوة منع 30 مليون مسلم في الإتحاد السوفياتي من أداء واجبهم الديني [133][6] .

في 19 آب 1953 قام وزير الداخلية (في حكومة مصدق) الجنرال حسين زاهدي ، وبتنسيق وإشراف وكالة المخابرات المركزية الأميركية ، بتدبير إنقلاب ضد حكومة مصدق ، الذي تم اعتقاله مع وزرائه وبقية أعضاء الجبهة الوطنية . أصبح زاهدي رئيساً للوزراء ، وأعاد العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا 

الكاشاني ومحكمة العدل الدولية

بعد تأميم النفط الإيراني قامت شركة النفط الإنجليزية بالشكوى عبر حكومتها إلى محكمة العدل الدولية ، لأن إيران لم تحترم الإتفاقية الموقعة ، وطالبت بتعويضات بعد مصادرة ممتلكاتها وآلاتها وأجهزتها . وأجرى مراسل صحيفة (ديلي أكسبريس) البريطانية مقابلة مع السيد الكاشاني أوضح فيها موقفه من قضية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية . ويظهر أن الكاشاني كان يشك بنزاهة المحكمة ويرفض عرض الموضوع عليها . فعندما سئل فيما إذا كان يوافق على وصول القضية إلى المحكمة الدولية أجاب :

لقد ألغي نظام الإمتيازات (الكابتولاسيون) في إيران منذ مدة ، وإذا حدث نزاع ، داخل إيران ، بين إيرانيين وأجانب ، فيجب أن ترفع القضية إلى المحاكم الإيرانية ، وهي التي تصدر القرار بها [134][1] .

بالطبع قد يكون رأي الكاشاني صحيحاً إذا لم تتضمن الإتفاقية شرطاً أو بنداً يوضح طريقة حل الخلافات التي قد تنشب بين الطرفين . علماً بأن اتفاقية النفط كانت تنص على اللجوء إلى محكمة العدل الدولية عند نشوب خلافات بين إيران وشركة نفط الجنوب الإنجليزية ، لكن السيد الكاشاني رفض الإلتزام بذلك البند قائلاً :

إن اتفاقية عام 1933 قد جرى فرضها بالقوة ، ولا تعتبر قانونية لأن الذين وقعوا عليها إعترفوا صراحة ورسمياً في مجلس الشورى الوطني الإيراني بأن اتفاقية 1933 قد جرى فرضها على الأمة بالقوة . والشخص الذي اعترف بذلك هو الآن رئيس مجلس الشيوخ . كما أن الإذاعات والصحف ووكالات الأنباء والمسؤولين البريطانيين أعلنوا مراراً أن حكومة الشاه السابق حكومة دكتاتورية ، وأن الشاه السابق هو دكتاتور . فماذا تتوقعون من الشعب الإيراني الذي شكل حكومة وطنية بيده [135][2] ؟

إن حديث السيد الكاشاني لا يتفق مع مبادئ القانون الدولي لأن الحكومة القائمة تمثل البلاد وتحظى بشرعية القانون الدولي ، الذي لا يهمه نوع الحكومة أو كيف وصلت إلى السلطة . وإذ ما جرى التخلي عن إلتزامات حكومة سابقة ، فإن ذلك يعني عدم الثقة بأية حكومة ، لأنها قد تترك السلطة في وقت من الأوقات ، ولسبب من الأسباب . كما أن ذلك قد ينطبق على الحكومة التي كان الكاشاني يؤيدها . وتثير مسألة التحلل من الإلتزامات السابقة مشكلة كبيرة في القانون الدولي ، إذ يتحمل من يتولى السلطة في البلد تنفيذ جميع الإتفاقيات والإلتزامات التي قدمتها حكومات بلده من قبل .

أما بالنسبة لقضية التعويضات عن مصادرة تأسيسات ومصانع شركة النفط الإنجليزية ، فإن السيد الكاشاني قد طرح اقتراحاً جديداً إذ صرح أنه :

حسب إتفاقية دارسي التي مدتها 60 عاماً (إعتباراً من عام 1901) فإنه بعد إنقضاء المدة تنتقل ملكية جميع التأسيسات النفطية إلى الحكومة الإيرانية . ولما بقي عشر سنوات من المدة ، فيجب تعويض الشركة بما قيمته سدس قيمة ممتلكات شركة نفط الجنوب (الإنجليزية) . ويجب أن يقوم بهذه المهمة محاسبون كفوؤون ومحايدون [136][3] .

الكاشاني والأمم المتحدة

من النادر ان يقوم العلماء المسلمون بإتصالات دولية سواء مع الشخصيات او المنظمات والوكالات . ويتأكد ذلك عندما يكون العلماء بعيدين عن السلطة أو لا يتسنمون مناصب حكومية تتطلب منهم ذلك . ويعد السيد الكاشاني من القلائل الذين سعوا لمخاطبة الرأي العام العالمي عبر منبر الأمم المتحدة ، في وقت مبكر من تأسيسها عام 1946 .

لم يدخر السيد الكاشاني وسعاً في سبيل الدفاع عن الشعب الإيراني المسلم وثرواته القومية . وبعد إنقلاب زاهدي ، وخروجه من مجلس الشورى الوطني ، لم يكن بإستطاعته سوى إصدار البيانات من أجل توضيح الحقائق وما يجري في البلاد ، ومتابعة قضية تأميم النفط التي اعتبرها قضية في الصميم الإسلامي ، فحشد لها كل إمكاناته وطاقاته . فسعى من أجل إخراج القضية من الدائرة الإيرانية إلى المستوى الدولي ، فأرسل ، بتاريخ 19 شباط 1954، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة همرشولد ، يطلعه فيها على ممارسات حكومة زاهدي ، وأنها تمثل إنتهاكات لميثاق الأمم المتحدة وإعلان حقوق الإنسان ، ورفض الشعب الإيراني للدكتاتورية وعدم إحترام إرادته . وهذا نص الرسالة التاريخية :

السيد همرشولد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة

أود إطلاع منظمة الأمم المتحدة ، التي نظمت وأصدرت لائحة حقوق الإنسان ، وليعلم العالم الحر بأنه لم يمر وقت بإيران بمثل هذا الحد من الأسى والألم ، وأن الحرية ليست إلا من نصيب الخونة وعملاء الأجانب ، الذين يسعون لحماية مصالحهم الإستعمارية . في هذه الأيام التي تجري فيها إنتخابات المجلسين (مجلس الشورى ومجلس الشيوخ) في إيران ، فإن الحكومة أوقفت صدور جميع الصحف الوطنية ، وتم احتلال المطابع من قبل القوات المسلحة . وبذلك سلبت من الأمة أي إمكانية للنقد ونشر الحقائق . وأصبحت الجرائد الصادرة خاضعة للرقابة الشديدة ، وتمنع نشر أخبار القتلى الذين يسقطون يومياً في الشوارع بأيدي رجال السلطة . ووصل الكبت إلى درجة أن المراسلين الأجانب لا يستطيعون إرسال تقارير عن الحوادث الواقعية ، ويتعرضون إلى مختلف أنواع التضييق والتهديد بالطرد خارج البلاد ، بشكل لا يتمكنون من أداء عملهم الصحفي . لقد اعتقل حوالي مليون شخص من المتدينين والأحرار ، ممن يحبهم الناس ، سواء الذين يقبعون في السجون أو تحت الإقامة الجبرية في منازلهم ، خاضعين لمراقبة الشرطة والمخابرات . وفي هذه الظروف يجري تعيين اللصوص والمجرمين وأصحاب السوابق وخدمة الإستعمار الأجنبي ، بكل وقاحة وبقوة الحراب ، نواباً للشعب ...

وقد تتساءل دول العالم الحرة ، لماذا ترتكب هذه الحكومة الأعمال اللاإنسانية ، وقتل الأحرار والطلاب الأبرياء وعمال النفط في عبادان ، وحبس وإبعاد المعارضين ، وضرب المعترضين على الإنتخابات ؟

إن الهدف الفعلي للحكومة هو الحصول على الأموال بأية وسيلة ، وذلك لإيصال من ترتئيهم إلى المجلسين كي يقوموا بالموافقة على اتفاقيات بيع النفط ، والحصول على عائداته ، وتشريع قوانين تناقض إستقلال وحرية البلاد .

إن الحكومة الحالية تسلك وسائل غير قانونية من أجل إستمرار بقائها . وأن أي اتفاق يوقع أو تشريع يصوت عليه لا يحظى بتأييد الشعب الإيراني وليس له أثر . وأن أية دولة أو مؤسسة أجنبية تعطي أموالاً لهذه الحكومة فعليها فيما بعد ، إذا أرادت تصفية الحساب واستعادة أموالها ، أن تطالب بها أولئك الأشخاص الذين سلمتهم إياها . إن الشعب الإيراني يعطي لنفسه الحق في معاقبة ، في أقرب فرصة ممكنة ، أولئك الذين ارتكبوا أعمالاً ضد الإنسانية ، والذين كانوا السبب في قتل الكثيرين .

إن الهدف من هذه الرسالة أولاً : أنه بواسطة الأمم المتحدة ، يصل صوت معارضة الشعب الإيراني إلى أسماع العالم . ثانياً : لتعلم حكومة زاهدي أنها انتهكت مبادئ الدستور الإيراني ومواد ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، ولا يمكنها أن تدعي أنها تمثل إرادة الشعب . وبناءً على ذلك فإنه لا قيمة لجميع الإلتزامات والقرارات الصادرة من المجلسين ، وليست نافذة قانونياً . وأن الشعب الإيراني لا يرى نفسه ملزماً بها ولن ينفذها . وتعد هذه الرسالة بمثابة بيان يوزع على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها . ولتعلم الدول أنه ليس لها الحق في مراجعة الشعب الإيراني إذا لم يتم تنفيذ ما تقدمه الحكومة الحالية من إلتزامات . إن الشعب الإيراني ينتظر من هذه المنظمة وأعضائها الموقعين على ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان إحترام المبادئ التي ضحى من أجلها ملايين البشر ، وأن يطلعوا على الأوضاع المؤسفة في إيران ، وأن لا يتغافلوا عن حقوق الشعب الإيراني مقابل مصالح مادية جزئية بشراء النفط الإيراني . وأن لا يسمحوا ببقاء الشعب الإيراني تحت ضغط القوى الإستعمارية ، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة للسلام في هذه المنطقة من العالم .

وفي الختام ، أود إطلاعكم بأنه بسبب منع الحكومة الإيرانية لإرسال البرقيات والرسائل ، فإن هذه الرسالة تم إرسالها من قبل رسول خاص إلى لبنان ، ثم من هناك ترسل إلى منظمة الأمم المتحدة . وهذا دليل يوضح طبيعة الأوضاع في إيران .

السيد أبوالقاسم الكاشاني

ثورة الكابيتولاسيون عام 1963

الكابيتولاسين هو اللفظ الفرنسي لكلمة الإمتياز Capitulation، وهو المصطلح المستخدم في اللغة الفارسية ، ويقصد به إمتياز الحصانة القضائية . بدأت فكرة إعادة إمتياز الحصانة القضائية للرعايا الأميركيين المقيمين في إيرا ن ، بإقتراح قدمته السفارة الأميركية في طهران في آذار 1962 ، طلبت فيه إعفاء المستشارين العسكريين والفنيين الأميركيين وعوائلهم وخَدَمهم من الخضوع للقضاء والقانون الإيراني . كما يقضي بمعاملتهم معاملة الدبلوماسيين والعاملين في السفارات المشمولين بمعاهدة فيينا 1961 التي تمنحهم الحصانة القضائية [137][1] .

في 5 تشرين الأول 1963 أصدرت حكومة رئيس الوزراء أسدالله علم قانوناً يقضي بإضافة ملحق إلى معاهدة فيينا خلال تقديمها إلى مجلس النواب . وتضمن الملحق منح موظفي الهيئات الإستشارية الأميركية في ايران جميع الإمتيازات والحصانات المتعلقة بالموظفين الإداريين والفنيين الوارد ذكرهم في معاهدة فيينا . فالملحق يمثل تقنين منح الحصانة القضائية للأميركيين ، الأمر الذي كانت تخشى الحكومة الإعلان عنه بصراحة [138][2] .

وكان مجلس الشيوخ الإيراني قد وافق على معاهدة فيينا بتاريخ 15 حزيران 1964 دون التطرق إلى موضوع الملحق الخاص بها . ولغرض الحصول على موافقة مجلس الشيوخ وتمرير الملحق دون اعتراض ، جرى طرحه للتصويت في منتصف الليل في نهاية الجلسة ، واعتبر من المواضيع المستعجلة ، وأنه (أمر عادي ولا يحتاج إلى مناقشة) ، فصادقت الأكثرية عليه ، وأنيطت تفاصيله بالرجوع إلى معاهدة فيينا .

يوسع ملحق الإتفاقية من الفئة التي تشملها الحصانة الدبلوماسية ، والتي تقتصر عادة على الذين يحملون صفة دبلوماسية والعاملين في السفارات كالقناصل والفنيين والموظفين . أما الملحق فيعتبر جميع أعضاء الهيئات العسكرية الأميركية والموظفين غير العسكريين المستخدمين في وزارة الدفاع الأميركية وعوائلهم الساكنين في إيران من ضمن الدبلوماسيين . وكان عدد المستشارين الأميركيين لا يقل عن 000ر50 أميركي . وهذا ما لم تقدم عليه أية دولة حتى الدول المستعمَرة [139][3]. إضافة إلى أن القانون لا يتضمن مبدأ المعاملة بالمثل ، أي لا يمنح جميع الإيرانيين المقيمين في الولايات المتحدة صفة الدبلوماسيين .

وتضمن الكابيتولاسين أنواعاً من الحصانات الممنوحة لهذا الجيش الكبير من الرعايا الأميركيين مثل :

1 ـ أنهم مصانون من التوقيف والإحتجاز ، فلا يحق لأحد إعتقالهم مهما كانت الأسباب .

2 ـ تجب معاملتهم بلطف ولا تمس حرياتهم وكرامتهم . وقد خصصت الحكومة الإيرانية عدداً كبيراً من قوات الشرطة لحراسة منازلهم وممتلكاتهم كما تحرس السفارات الأجنبية .

3 ـ أنهم مصانون من إجراءات الدعاوى المدنية ، كما يتم إيقاف جميع الدعاوى والأحكام الصادرة بحقهم.

4 ـ الإعفاء من دفع الضرائب ، خاصة في عمليات التصدير والإستيراد ، فلا يدفعون رسوم الجمارك [140][4] .

ساد الإعتراض والرفض الأوساط الشعبية والدينية التي رأت فيه إذلالاً للمسلمين وإهانة لعلمائهم . فقد ألقى الإمام روح الله الخميني خطاباً ، في 26 تشرين الأول 1964 ، ندد فيه بالقانون ، كاشفاً عن الثغرات التي تضمنها فجاء فيه :

( ... لقد باعونا ، باعوا استقلالنا وراحوا يحتفلون وينشرون معالم الزينة والفرح . لقد سحقونا بأقدامهم ... لقد داسوا على كراماتنا وعزتنا ، لقد قضي على عظمة إيران ..

لقد قدموا قانوناً إلى المجلس ، ألحقونا بموجبه ، أولاً ، بمعاهدة فيينا ، ومنحوا الحصانة القضائية ، ثانياً ، لجميع المستشارين العسكريين الأميركيين ومعهم عوائلهم وموظفيهم الفنيين والإداريين وخدمهم وكل من يتعلق بهم ، فهم مصانون من العقاب مهما ارتكبوا من جرائم في إيران . فلو أراد خادم أو طباخ أميركي قتل مرجع تقليدكم أو سحقه في وسط السوق ، فلا يحق للشرطة الإيرانية منعه ، ولا يحق للمحاكم الإيرانية محاكمته عند قيامه بجريمته . فملف القضية يجب أن يُرسل إلى أميركا وهناك يتخذ أسيادهم القرار بهذا الشأن .

لقد صادقت الحكومة السابقة على هذا المشروع دون أن يعلم أحد بالأمر ، والحكومة الحالية قدمته إلى مجلس الشيوخ ، وتمت المصادقة عليه بعملية (قيام وقعود) دون أن يعلم أحد بالأمر أيضاً . وقبل أيام أرسلوا اللائحة إلى مجلس الشورى ، وجرت المناقشات بشأنها وتحدث بعض المعارضين ، إلا أنهم مرروا الموضوع بكل وقاحة ، فالحكومة دافعت عن هذا العار . لقد اعتبروا الشعب الإيراني أقذر من الكلب الأميركي . فلو دهس مواطن إيراني كلباً أميركياً بسيارته ، فسيحال إلى المحكمة ، حتى لو كان هذا الشخص هو الشاه نفسه . أما لو قام طباخ أميركي بدهس الشاه أو أكبر مسؤول في البلاد فلا يحق لأحد التعرض له ، لماذا ؟ لأنهم أرادوا قرضاً من أميركا ، فطلبت منهم منح هذه الحصانة لأتباعها مقابل ذلك .

وبعد أيام من المصادقة على القانون ، طلبت الحكومة (الإيرانية) قرضاً من أميركا مقداره 200 مليون دولار ، تحصل عليه إيران على مدى خمس سنوات ، من أجل تأمين النفقات العسكرية للبلاد ، على أن يتم تسديده لأميركا خلال عشر سنوات بزيادة ربوية على القرض قدرها 100مليون دولار . ومع ذلك فقد باعت حكومة إيران البلادَ من أجل هذا المبلغ ... باعت إستقلالها ، وجعلت إيران مستعمرة لأميركا ، وأظهرت الشعب الإيراني المسلم بأنه أكثر تخلفاً من الوحوش !

لقد أدرك هؤلاء جيداً أنه إذا كان لعلماء الدين نفوذ في البلاد ، فلن يدعوا البلد يخضع للإنجليز يوماً وللأميركان يوماً آخر ، ولن يدعوا إسرائيل تهيمن على اقتصاد إيران أو تباع البضاعة الإسرائيلية في إيران بكل حرية ، وحتى دون أن تفرض عليها ضريبة جمركية .

إذا كان للعلماء نفوذ في البلاد فلن يدعوا هؤلاء يفرضون هذا القرض الكبير على الشعب الإيراني . وإذا كان لهم نفوذ فلن يدعوا هذه الفوضى تعم بيت المال ، ولن يدعوا الحكومة تعمل ما يحلو لها حتى لو كان ضد مصالح الشعب تماماً . وإذا كان للعلماء نفوذ فلن يدعوا المجلس (البرلمان) يصبح منحطاً إلى هذا الحد ، ولن يدعوا النواب يُعيَّنون بالحراب ، لتحدث ـ فيما بعد ـ  هذه الفضائح المخزية ....

إحذروا أيها السادة! إحذر يا جيش إيران ! إحذروا أيها السياسيون ! إحذروا أيها التجار ! إحذروا يا علماء الإسلام ويا أيها المراجع ! إحذروا أيها الفضلاء ، أيها الطلاب ، أيتها الحوزات العلمية في النجف وقم ومشهد وطهران وشيراز ... هل هناك أسوأ من الذل والتبعية ؟ ماذا ينفع الشعب هذا الدَّيْن ؟ وماذا سيجر عليه من المصائب ؟ لماذا يدفع الشعب 100 مليون دولار كفائدة للقرض إلى أميركا ؟ بماذا ينفعكم المستشارون والعسكريون الأميركيون ؟ إذا كانت إيران مستعمرة أميركية ، فلماذا كل هذه العربدة والضجيج ؟ ولماذا كل هذه الإدعاءات عن التقدم والتطور ؟ إذا كان هؤلاء المستشارون خدماً لكم ، فلماذا يُرفعون أعلى من الأسياد ؟ ولماذا يُرفعون إلى درجة أعلى من الشاه ؟ فإن كانوا خدماً عاملوهم كباقي الخدم ، وإن كانوا موظفين فليُعاملوا مثلما تعامل بقية الشعوب موظفيها . وإن كانت بلادنا محتلة من قبل أميركا فأعلنوا ذلك ، وأخرجونا منها ...

أيها السادة الذين تطالبون بالسكوت وعدم التحرك ، هل علينا أن نسكت حيال هذا الأمر ؟ هل نلتزم الصمت هنا أيضاً ولا نتحرك ؟ إنهم يبيعوننا ونظل ساكتين ؟ يبيعون إستقلالنا ونظل ساكتين ؟

والله إن الساكت سيكون آثماً ، من لا يصرخ سيرتكب ذنباً كبيراً .

يا زعماء الإسلام أنقذوا الإسلام .

يا علماء النجف أنقذواالإسلام) .

يا علماء قم أنقذوا الإسلام [141][5] .

أحدث الخطاب هياجاً واسعاً وتنديداً قوياً ضد قانون الحصانة القضائية على الرغم من محاولة التعتيم عليه، إذ أن الصحف ووسائل الإعلام بيد حكومة الشاه . فقد تم توزيع منشورات تضمنت نص الخطاب ، فامتلأت المساجد والأسواق والشوارع به [142][6] . أخذ الإعلام الحكومي بالرد على الخطاب واتهام الإمام وأنصاره بأنهم (عناصر من الطابور الخامس) ، وأخذ رئيس الوزراء حسن علي منصور يهدد باستخدام الجيش (للتصدي لأعداء البلاد المحليين والأجانب) [143][7] . وبدأت بالتضييق على المعارضين الذين أصبحوا يشكلون جبهة قوية ، فكان الحل بعزل قائد التحرك أي الإمام الخميني عن الأمة . في مساء 3 تشرين الثاني 1964 حاصرت قوات المغاوير والمظليين منزل الإمام الخميني في قم ، حيث اقتحموا الدار من السطح ، ثم دخلوا البيت ، ثم اقتادوا الإمام إلى مطار طهران ، حيث وضع في طائرة متوجهة إلى تركيا .

أحدث نفي الإمام الخميني إستياءً في الشارع الإيراني والأوساط العلمائية الذين أصدروا بيانات يعلنون فيها تضامنهم معه ، وتأسفهم لإبعاده عن بلاده [144][8] . كما تعاطفت المنظمات الدولية مع قضية نفي الإمام ، فقد بعثت منظمة حقوق الإنسان رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة تطالب فيها بمتابعة الموضوع ، وأن نفيه يمثل إنتهاكاً للدستور الإيراني الذي تنص المادة 14 منه على (عدم إمكانية نفي أي إيراني أو إجباره على ترك محل إقامته أو إجباره على الإقامة في مكان معين إلا في الحالات التي نص عليها القانون) [145][9].

 

حركة الجهاد في بقية الدول الإسلامية

قادت المؤسسات الدينية حركة الجهاد ضد الإستعمار الغربي في الدول الإسلامية . ففي الشرق الأوسط وآسيا وشمال أفريقيا ووسطها [146][1] شهدت البلدان الإسلامية حركات دينية مناوئة للإستعمار . وحملت المؤسسات الدينية والعلماء والمشايخ راية الجهاد في البلدان العربية كلها ، إلا سوريا والعربية السعودية . ففي سوريا كان للحركة الوطنية العلمانية تأثير كبير ، بشكل تضاءل أمامه تأثير الزعماء الدينيين ، إضافة إلى أن الشعور الديني فيها أقل من بقية الدول الإسلامية . أما السعودية فلم تشهد إحتلالاً أجنبياً مباشراً; كما أن عملاء بريطانيا (أمثال لورنس Lawrence وفيلبي  Phlibyوالجنرال كلوب باشا Glubb) لعبوا دوراً رئيساً في مجرى الأحداث ، ورتبت الأمور بالتنسيق مع بريطانيا ، ثم أميركا فيما بعد; يضاف إلى ذلك أن تركيبتها القبلية لا تسمح بالتفكير أو السير خارج الإطار الذي يرسمه زعيم القبيلة .

 

الجهاد في الهند (والباكستان)

في عام 1498 وصل البرتغاليون إلى الهند عندما رست سفينة الملاح فاسكو ديكاما Gama da Vasco قرب ميناء كلكتا ، جنوب الهند . وكان العرب يحتكرون الملاحة بين موانئ الهند وموانئ الخليج الفارسي . وقد استعان دي كاما بالهندوس في محاولة للتنكيل بالبحارة المسلمين من ناحية ، ومنافسة التجار المسلمين من ناحية أخرى . وكان بعض الأمراء الهندوس قد أرسل الى ملك البرتغال رسالة يغريه فيها بإحتلال الهند . مكث دي كاما ستة أشهر ثم عاد إلى بلاده ، فاستقبل إستقبال الفاتحين ، ولم يلبث أن كر عائداً إلى الهند في ثلاثة عشر مركباً محملة بالجنود فاحتلوا كلكوتا . وتتابعت البعثات البرتغالية حتى عام 1509 ، فوصل البوكرك  Albuquerqueواحتل ميناء (جوا) بإسم البرتغال عام 1510 ، وفي عام 1511 إحتل البرتغاليون (ملقا) في جزر الهند الشرقية (أندونيسيا) [147][1] . وفي عام 1765 حصلت شركة الهند الشرقية ، بالتعاقد ، على الحق في جمع إيرادات ضرائب البنغال ، من الإمبراطور المغولي شاه عالم الثاني . ومن هنا مد البريطانيون حكمهم عن طريق معاهدات الحماية وعن طريق الإلحاق والفتح على السواء . وفي عام 1820 كانت السيطرة البريطانية قد استقرت على الرغم من أن البلاط المغولي قد ظل باقياً حتى عام 1857 ، إلا أن أباطرته كانوا قد فقدوا قوتهم بالتدريج ، وتحولوا إلى مجرد دمى في أيدي البريطانيين [148][2].

في عام 1857 ثارت الهند على البريطانيين . بدأت الثورة بتمرد للجنود الهنود في الجيش البريطاني ، وما لبثت أن انتشرت إلى السكان المدنيين في شمال ووسط الهند طولاً وعرضاً . ويبدو أن أتباع (الطريقة المحمدية) لعبوا دوراً في ذلك على المستوى المحلي ، إذ قاد الحرب التحريرية الأمراء والفقهاء المسلمون ، كما صدرت فتاوى في عدة جهات ، واشترك فيها المسلمون والهندوس على السواء . لذلك فإن بعض الباحثين لا يعتبرها حركة جهاد ، يقول المستشرق الهولندي رودلف بيترز (ولكن هذه الثورة لا يمكن إعتبارها حركة من حركات الجهاد ، إذ أن الهندوس والمسلمين قاتلوا جنباً إلى جنب في مواقع كثيرة ، ورأوا أن هذا النضال نضال مشترك) [149][3] . ويُرَدُّ عليه بأن مشاركة الهندوس في الثورة لا يلغي إسلاميتها ولا أهدافها ودوافعها . إضافة إلى ذلك أن المسلمين قادوا معظم معاركها ، وتم إعلان الثورة بإسم إمبراطور دلهي المسلم . كما أن الإنجليز حمّلوا المسلمين مسؤولية الثورة ، وصبوا حقدهم وانتقامهم على المسلمين . وكان إنتقاماً مريعاً ، أعلنوا أنه لن يتوقف حتى يباد المسلمون عن آخرهم ، وأهدرت دماؤهم ، وأصبح من حق كل بريطاني أو مدني أن يقتل من يشاء من المسلمين الهنود ، وأعدمت النساء والأطفال ، وأبيدت أسر وعائلات بكاملها في مذابح جماعية لكي (يباد جنين الثورة في أي مكان في الهند) كما قال قائد بريطاني . ولم يسبق أن عرفت الهند أو عرف المسلمون رعباً ولا هولاً كالذي عرفوه يومئذ ، وسميت هذه بالمحنة الكبرى ولم ينسوها أبداً [150][4] .

وقد أحدث الإحتلال البريطاني للهند إنقساماً بين علماء الهند حول شرعية الجهاد ، وطبيعة الهند فيما إذا كانت دار حرب أم دار إسلام ، وغيرها من المسائل التي سنناقشها فيما بعد .

مصر : ثورات ضد الإستعمار

نابليون والإسلام

كان احتلال مصر يشكل هدفاً ستراتيجياً لدى الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية ، ورغم حصول الإنجليز على تسهيلات وإمتيازات في مصر ، إلا أن نابليون أربك الخطط البريطانية ، فتحالفت مع العثمانيين من أجل التخلص من النفوذ الفرنسي في مصر .

في 19 مايس 1798 م تحرك أسطول فرنسي ضخم من ميناء طولون بقيادة نابليون بونابرت ، الذي كان يومذاك في التاسعة والعشرين من عمره . في الأول من تموز وصلت أربعمائة سفينة  ـ بين بارجة وفرقاطة وناقلة ـ  فأثار منظرها رعباً في أهل الإسكندرية . إحتل نابليون المدينة دون مقاومة تذكر ، فقد ركب الغرور المماليك الحاكمين ، إذ كان النظام متهرئاً وفاسداً . أصدر نابليون بياناً موجهاً إلى الشعب المصري باللغات العربية والتركية والفرنسية . ويلاحظ أن النص العربي مكتوب بلهجة عامية واطئة جاء فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

لا إله إلا الله ، لا ولد له ولا شريك في ملكه .

من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية . السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته ، يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مد يد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية ، يتعاملون بالذل والإحتقار في حق الملة الفرنساوية ، ويظلمون تجارها بأنواع البلص والتعدي ، فحضر الآن ساعة عقوبتهم ، وأخرنا من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الأبازة والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها .فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم على انقضاء دولتهم .

يا أيها المصريون قد قيل لكم أنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم ، فذلك كذب صريح فلا تصدقوه ، وقولوا للمفترين أنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين ، وانني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم . وقولوا أيضاً لهم أن جميع الناس متساوون عند الله . وأن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب ، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شيء أحسن فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة . فإن كانت الأرض المصرية إلتزاماً للمماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم ، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم ، ولكن بعونه تعالى ، من الآن فصاعداً لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية ، وعن إكتساب المراتب العالية . فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الأمور ، وبذلك يصلح حال الأمة كلها . وسابقاً كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر . وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك .

أيها المشايخ والقضاة والأئمة والجرجية وأعيان البلد قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون . وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصارى على محاربة الإسلام ، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكواللرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين . ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني وأعداء أعدائه أدام الله ملكه . ومع ذلك أن المماليك امتنعوا عن طاعة السلطان غير ممتثلين لأمره فما أطاعوا أصلاً إلا لطمع أنفسهم . طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيصلح حالهم ومراتبهم . طوبى أيضاً للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين ، فإذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب ، لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا فلا يجدون بعد ذلك طريقاً إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر [151][1] .

واضحة طبيعة النفاق السياسي والتزلف العقيدي ، والطمع الغربي ، والتهديد الفج ، في هذا المنشور .

تقدم نابليون جنوباً لإحتلال القاهرة ، فاستعد له جيش المماليك وهم فرسان أشداء ، لكن ينقصهم التخطيط والتنظيم ، في حين كان نابليون ذا عقلية عسكرية شهيرة . إلتقى الجيشان في منطقة إمبابة في 21 تموز 1798م . وقد سميت بمعركة الأهرام لأنها كانت على بعد عشرة أميال منها . وقد خطب نابليون في جنوده قائلاً لهم : أيها الجنود إن أربعين قرناً تنظر إليكم من قمة هذه الأهرام [152][2] . وفي 23 تموز دخل القاهرة بعد مفاوضات تسليم المدينة .

إتبع نابليون سياسة براغماتية تميل إلى كثير من النفاق ، فحاول التقرب من المسلمين والتحبب إليهم . فقد أعلن أنه مسلم في قلبه وأنه سيعتنق الإسلام ، ولبس العمامة والقفطان في أحد الأيام ، وصلى مع المصلين . وذهب إلى أكثر من ذلك في نفاقه ، إذ قال لأحد مشايخ الدين أنه ينوي إقامة حكومة موحدة تقوم على مبادئ القرآن التي هي وحدها المبادئ الحقة القادرة على إسعاد الناس [153][3] . ونسي نابليون الفكر الأوربي ومبادئ الثورة الفرنسية ، وأخذ يتصرف تصرف المشايخ الصوفية فأشاع أنه شاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه وأنه قال له : إجهر بإيمانك ، بأركان ديني لأنه دين الله . إن العرب في انتظار هذه العلامة ، وسأخضع آسيا كلها لسلطانك . وأخذ يساهم في المواليد النبوية وينفق عليها .

وكان المسلمون يشكون في ادعاءاته وتصرفاته فهو (نصراني إبن نصراني) على حد تعبيرهم [154][4] . وقد حاول إقناع الناس بسلوكه ، وذكر يوماً لشيخ الأزهر أنه يرغب بإعتناق الإسلام ، ولكن الذي يمنعه من ذلك عقبتان ، الختان وتحريم الخمر ! وبينما كان نابليون سادراً في ألاعيبه وأكاذيبه ، كان هناك قائد فرنسي قد أعلن إسلامه فأصبح إسمه عبدالله مينو . فكان يتلو القرآن ويؤدي الصلاة . فأرسل اليه نابليون يهنئه على تضحيته في سبيل القضية الوطنية.

الأزهر يقود الثورة

واجه الإحتلال الفرنسي عدة ثورات وإنتفاضات شعبية خلال السنوات الثلاث التي هيمن فيها على مصر . ففي 21 تشرين الأول 1798 ، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من دخول الفرنسيين ، نشبت ثورة بدأها شيخ أزهري خرج إلى الأسواق ينادي : أن كل مؤمن موحد بالله عليه بجامع الأزهر ، لأن اليوم ينبغي لنا أن نغازي الكفار [155][1]. وصارت الأصوات ترتفع من فوق المآذن والسطوح العالية تدعو المسلمين للجهاد ، فتجمعت الجماهير حاملة البنادق والأسلحة . وبدأ الناس بمهاجمة الجنود الفرنسيين ، كما هوجمت دار العلوم والمستشفى العسكري . أمر نابليون بتوجيه المدافع المصوبة في القلعة صوب الجامع الأزهر وما حوله من الدور والأسواق ، وبدأت بدك المباني بالقنابل ، فأثارت الرعب فهرب الناس من المكان . وفي المساء أحاط الجنود الفرنسيون يصحبهم ثلاثمائة خيال بالجامع ، ثم دخلوا فيه ، وأخذوا يأسرون من كان فيه من الثوار ، ويعبثون به وبمحتوياته عبثاً شديداً .

وذهب شيوخ الأزهر لمقابلة نابليون يرجونه الكف عن انتهاك الجامع وقتل الناس ، فأخذ يلومهم ثم أعلن العفو عنهم . ولكن إعلانه للعفو كان ظاهرياً ، إذ أنه أصدر أوامره خفية بقتل كل من قاد الثورة أو شارك فيها . وكان من أوامره لأحد قواده : تفضل أيها المواطن القائد بأن تأمر قومندان القاهرة بقطع رؤوس جميع المسجونين الذين أمسكوا وبيدهم سلاح ، فليؤخذوا إلى شاطئ النيل ، بعد هبوط الظلام ، ولتلق جثثهم المقطوعة الرؤوس في النهر . ثم أمر نابليون بإعدام ثمانين رجلاً من الذين كانوا أعضاء في (ديوان الدفاع) وهو الديوان الذي كان بمثابة مركز القيادة للثورة [156][2] .

هكذا تصرف القائد المتنور بمبادئ الثورة الفرنسية ، إذ حمل معه المقصلة (الجيلوتين) التي أصبحت من أبرز معالم الثورة الفرنسية . وأعدم عشرات من شيوخ الأزهر وطلابه دون محاكمة أو تحقيق . إن سلوك نابليون لا يختلف عن أي دكتاتور متجبر . وبعد أن تمت عمليات الإعدام والتصفيات الجسدية ، أذاع نابليون منشوراً أشار فيه إلى عفوه ، إذ بدأه بالتهديد والوعيد ، وتحدث فيه بلغة القدرية والدراويش ، وأنه فعل ما فعل بتقدير الله وإرادته ، وأنه لا ينجو أحد من عقابه ، وأن لديه قدرة عجيبة على أن يعرف ما في داخل المرء بمجرد أن يراه ! ، وهذا نص المنشور :

أيها العلماء والأشراف ، أعلموا أمتكم ومعاشر رعيتكم بأن الذي يعاديني ويخاصمني إنما خصامه من ضلال عقله وفساد فكره ، فلا يجد ملجأً ولا مخلصاً ينجيه مني في هذا العالم ، ولا ينجو من بين يدي الله لمعارضته لمقادير الله سبحانه وتعالى . والعاقل يعرف أن ما فعلناه بتقدير الله وإرادته وقضائه ، ومن يشك في ذلك فهو أحمق وأعمى البصيرة . وأعلموا أمتكم أن الله قدر في الأزل هلاك أعداء الإسلام وتكسير الصلبان على يدي ، وقُدِّرَ في الأزل أني أجيء من المغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها وإجراء الأمر الذي أُمِرْتُ به . ولا يشك العاقل أن هذا كله بتقدير الله وإرادته وقضائه . وأعلموا أيضاً أمتكم أن القرآن العظيم صرح في آيات كثيرة بوقوع الذي حصل ، وأشار في آيات أخرى إلى أمور تقع في المستقبل ، وكلام الله في كتابه صدق وحق . إذا تقرر هذا وثبتت هذه المقالات في آذانكم ، فلترجع أمتكم جميعاً إلى صفاء النية وإخلاص الطوية ، فإن منهم من يمتنع عن الغي وإظهار عداوتي خوفاً من سلاحي وشدة سطوتي ، ولم يعلموا أن الله مطلع على السرائر ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . والذي يفعل ذلك يكون معارضاً لأحكام الله ومنافقاً ، وعليه اللعنة والنقمة من الله علام الغيوب . واعلموا أيضاً أني أقدر على إظهار ما في نفس كل أحد منكم ، لأنني أعرف أحوال الشخص وما انطوى عليه بمجرد ما أراه ، وإن كنت لا أتكلم ولا أنطق بالذي عنده . ولكن يأتي وقت ويوم يظهر لكم بالمعايشة ، أن كل ما فعلته وحكمت به فهو حكم إلهي لا يُرَد ، وإن اجتهاد الإنسان غاية جهده ما يمنعه عن قضاء الله الذي قدره وأجراه على يدي . فطوبى للذين يسارعون في اتحادهم وهمتهم مع صفاء النية وإخلاص السريرة ، والسلام [157][3] .

فهذا الخطاب ليس لدرويش شرقي بل لضابط أوروبي !

إنسحاب القوات الفرنسية من مصر

واجه نابليون ثورات محلية وإمتعاضاً في صفوف جنوده جعل بقاءه في المنطقة صعباً للغاية . ففي أواخر كانون الثاني 1799 أراد نابليون أن يكمل فتوحاته وانتصاراته ، فتوجه بقسم من جيشه إلى الشام مستهدفاً إحياء الأمجاد الصليبية وفتح القدس . وتمكن من فتح العديد من المدن الفلسطينية بسهولة ، لكنه وقف عاجزاً أمام أسوار عكا ، فعاد خائباً . وأثناء وجود نابليون في الشام تعرضت الحامية الفرنسية في 24 نيسان 1799 ، في مدينة دمنهور المصرية إلى مذبحة رهيبة نفذها درويش ليبي اسمه أحمد ، إدعى أنه المهدي . غير أن حملة تأديبية فرنسية قضت على حركته [158][1] .

عاد نابليون إلى مصر ، ولم يبق من جنوده إلا ثلثهم ، أما الباقون فقد ماتوا أو أصابهم العجز . ومع ذلك فقد أصر على اقامة إستقبال المنتصر ، فدخل موكبه القاهرة ، وجرى توزيع الجرحى والمرضى على عدد من المدن في الطريق إخفاءً لأمرهم . لم يمض على نابليون سوى شهر واحد حتى بلغه وصول جيش عثماني بالسفن بالقرب من الإسكندرية . نزل الجيش العثماني ، الذي قدر عدده بعشرة آلاف جندي ، بالقرب من قرية أبي قير ، فاقتحم معسكراً فرنسياً يضم ثلاثمائة جندي وذبحهم جميعاً . توجه نابليون بجيشه إلى أبي قير حيث جرت معركة يوم 25 تموز 1799 ، خرج منها نابليون منتصراً . لم يهنأ نابليون بانتصاره ، إذ سرعان ما بلغه تدهور الأوضاع في فرنسا وقيام إتحاد دولي ضده ، فقرر العودة إليها . غادر نابليون الإسكندرية في 23 آب 1799 ، واستخلف مكانه الجنرال كليبر Cleber في مصر .

قامت في عهد كليبر ثورة القاهرة الثانية ، وكانت أشد من الأولى ، لكن الجنرال كليبر تمكن من إخمادها . ولم تخمد جذوتها ، ففي 14 حزيران 1800 قام شاب سوري يدعى سليمان الحلبي باغتيال كليبر . تم إلقاء القبض عليه وحكم عليه بعقوبة لا تتفق مع مبادئ الثورة الفرنسية . إذ تم شوي يده على النار ، ثم أُجلِس على خازوق . وأعدم معه ثلاثة شيوخ أزهريين ، لأنهم علموا بنيته ولم يخبروا قوات الإحتلال الفرنسي [159][2] .

خلف كليبر في قيادة الجيش الفرنسي عبدالله مينو الذي اعتنق الإسلام . أخذ مينو ينفذ خطته التي تبناها بحماس ، وهي جعل مصر قطعة من فرنسا ، فراح يغير ملامح البلاد ، فأمر بهدم أحياء كاملة في القاهرة لتتسع