الدكتور حسان شمسي
باشا
قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم في حديثه المشهور : " كل مسكر حرام ، وما أسكر منه الفرق فملء
الكف منه حرام " رواه أبو داود والترمذي . ويقول
صلى الله عليه وسلم : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " رواه أبو داود والترمذي وأحمد .
وقد حرم الإسلام شرب
الخمور كثيرها وقليلها . ورغم أن هناك من يدعو في أمريكا وأوربا إلى أن شرب كمية
قليلة من الخمر ربما يرفع من مستوى الكولسترول المفيد في الدم ، ويقلل من نسبة
حدوث مرض شرايين القلب التاجية ، فإن المنظمات الصحية هناك تحذر من مثل تلك
الدعوات ، حيث أن مخاطر شرب الخمور في أمريكا وأوروبا تفوق – بكل المقاييس – تلك
الفوائد المزعومة لشرب كمية قليلة من الخمور . فالأمراض الناجمة عن الخمور مسؤولة
عن ربع حالات دخول المستشفيات هناك ، وأن المشاكل الصحية والاقتصادية الناجمة عن
شرب الخمور تكلف الميزانية الأمريكية 136 مليون دولار سنويا ، ولهذا فإن المقالات
العلمية تدعو الواحدة تلو الأخرى إلى نبذ فكرة نصح المرضى بشرب كمية قليلة من
الخمور . ففي مقال رئيس نشر في مجلة Can Med Assoc J عام 1999 يقول صاحب المقال : " من
الحكمة ألا نصف شرب الخمر لمن لا يشرب الخمر " . وإذا كان هناك من يقول بأن
في الخمر خاصية خفض كولسترول الدم – بنسبة قليلة بالطبع – فإن دراسة نشرتها مجلة Drugs Exp Clinics
عام 1999 أثبتت أن المادة الموجودة في الخمر الأحمر وهي resveratrol ، والتي يعزى إليها
تلك الخاصة ، هي موجودة أيضا وبنفس الفعالية في العنب . ويقول كاتب المقال في
نهاية البحث : " وإذا كانت نفس المادة موجودة في العنب الأحمر ، فلماذا نعرض
الناس لمشاكل الخمور ؟؟.. ألا نعلم أن أكثر المشاكل الصحية الناجمة عن الخمور تحدث
عند أناس يظنون أنهم لا يشربون إلا كمية قليلة من الخمور ؟ " .
والله سبحانه وتعالى
– وهو الخبير بعباده – يعلم أن في الخمر من المـفاسد ما لا يحصى ولا يعد . ولهذا
حرم حتى التداوي بالخمور . يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " من تداوى
بالخمر فلا شفاه الله " رواه أبو نعيم في الطب . والخمر أم الخبائث كما قرر
ذلك صلى الله عليه وسلم : " الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر ، ومن شرب الخمر
ترك الصلاة ووقع على أمه ، وعمته وخالته " رواه الطبراني ( صحيح الجامع
الصغير 3345 ) .
و شرب المسكرات
مشكلة يعاني منها الغرب ، ويعاني منها البعض في بلادنا العربية والإسلامية . وإن
ما يدعو إلى الأسف الشديد أن نشاهد ازديادا في شرب الخمر في بلادنا الإسلامية ، في
الوقت الذي يدعو فيه الغرب إلى الابتعاد عن المسكرات .
تقول
دائرة معارف جامعة كاليفورنيا للصحة : " يعتبر الخمر حاليا القاتل الثاني –
بعد التدخين – في الولايات المتحدة . فشرب المسكرات في أمريكا سبب موت أكثر من
100.000 شخص سنويا هناك . والخمر وحده مسؤول عن أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن
حوادث الطرق في أمريكا (والبالغة 50.000 شخص سنويا) وليس هذا فحسب ، بل إن الخمر
مسؤول عن إصابة أكثر من نصف مليون شخص بحوادث السيارات في أمريكا في العام الواحد
. وأما في البيت ، فالمسكرات مسؤولة عن كثير من حرائق البيت ، وسقوط شاربي الخمر
على الأرض ، أو غرقهم أثناء السباحة " .
وتتابع
دائرة معارف جامعة كاليفورنيا القول : " والمسكرات لا تسبب المشاكل في البيت
.. أو على الطرقات فحسب ، بل إن خسائر أمريكا من نقص الإنتاج وفقدان العمل نتيجة
شرب الخمر تزيد عن 71 بليون دولار سنويا ، ناهيك عن الخسائر التي لا تقدر بثمن من
مشاكل نفسية وعائلية واجتماعية . ويحث الكتاب في الجرائد والمجلات الأمريكية الناس
على عدم تقديم المسكرات قبل العشاء – أثناء حفلاتهم – وعلى أن يصادروا مفاتيح
السيارات من المفرطين في شرب الخمر ، حتى لا يقودوا أنفسهم إلى الموت " .
وتذكر
موسوعة جامعة كاليفورنيا في مكان آخر : " إن ثلث اليافعين في أمريكا يشرب
المسكرات بدرجة تعيق نشاطه الدراسي في المدرسة ، أو توقعه في مشاكل مع القانون ..
وقد بدأ معظم هؤلاء الشباب شرب المسكرات قبل سن الثالثة عشرة من العمر " .
ويقول
البروفيسور " شوكيت " وهو بروفيسور الأمراض النفسية في جامعة كاليفورنيا
ومدير مركز الأبحاث المتعلقة بالإدمان على الكحول : " إن 90 % من الناس في
الولايات المتحدة يشربون الخمر ، وإن 40 – 50 % من الرجال هناك يصابون بمشاكل
عابرة ناجمة عن المسكرات . وإن 10 % من الرجال و 3 – 5 % من النساء مصابون
بالإدمان على الكحول " .
ويقدر
خبراء جامعة كاليفورنيا أن 15 مليون أمريكي يشرب أكثر من كأسين من البيرة – أو ما
يعادلها من أنواع الخمر الأخرى – يوميا . واستنادا إلى المعهد الوطني الأمريكي
للإدمان على الخمر ، فإن من يشرب مثل تلك الكمية يعتبر " مفرطا في شرب
المسكرات " " Heavy Drinker " وأن 18
% من هؤلاء يشرب أكثر من 4 كؤوس من البيرة – أو ما يعادلها – يوميا ، وهذه الفئة
مهددة بالإدمان الخطير على الكحول .
هذا
ما يجرى في أمريكا ، فماذا يحدث على الجانب الآخر من الأطلنطي – وبالخصوص بريطانيا
؟ تقول مجلة لانست البريطانية الشهيرة : " إن مئتي ألف شخص يموتون سنويا في بريطانيا
بسبب المسكرات " .
وذكرت
المجلة البريطانية للإدمان " British Journal of Addiction " أن الخسائر الناجمة عن مشاكل الكحول الطبية بلغت
640 مليون جنيه إسترليني في العام الواحد ، وأن الخسارة الإجمالية الناجمة عن شرب
المسكرات تقدر بـ 2000 مليون جنيه إسترليني في العام الواحد " .
وذكرت
هذه المجلة أيضا أن 12 % من المرضى الذين يدخلون المستشفيات في بريطانيا ، يدخلون
بسبب مشاكل ناجمة عن المسكرات .
وعودة
إلى أمريكا .. فحسب ما جاء في كتاب Cecil الطبي الشهير
" فإن الخسائر الكلية الناجمة عن مشاكل المسكرات في أمريكا بلغت ما قيمته 136
بليون دولار في العام الواحد . ويقدر الخبراء أن ربع الحالات التي تدخل المستشفيات
الأمريكية سببها أمراض ناجمة عن شرب المسكرات " .
فحذار
.. حذار أيها المسلمون ، قبل أن يستشري فينا الداء الذي يرده لنا الغرب . فالأفلام
والمجلات الخليعة تدعو الناس صباح مساء في بلادنا العربية إلى شرب المسكرات عن
طريق إبراز الفنانين والممثلين ، وفي أيديهم كأس من المسكرات ، أو عن طريق
الدعايات والمقالات .
ويظن
بعض الناس أن شرب قليل من المسكرات أمر لا بأس فيه ، ولكن هذا غير صحيح ، وقد نبهت
على خطورته مجلة لانست البريطانية فتقول : " لقد تبين أخيرا أن معظم الوفيات
والاختلاطات الناجمة عن الكحول تحدث عند الذين يظنون أنهم لا يشربون الكثير من
الخمور ، وعند أولئك الذين كان يظن أطباؤهم أن ما يتناولونه من المسكرات ما هو
بالكثير ، بل هو في حكم المقبول في عرف المجتمعات الأمريكية والأوروبية " .
ولكن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليغفل عن ذلك ، فقال في حديثه المشهور :
(
ما أسكر كثيره فقليله حرام )
أنعجب
بعد هذا كله من تحريم الإسلام للمسكرات ؟ حتى للقليل منها ؟ ألم يقل رسول
الإنسانية صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر حرام ، وما أسكر منه الفرق فملء
الكف منه حرام " .
ثم ألم يحذر رسول الله
صلى الله عليه وسلم من الجلوس على موائد الخمر لأن ذلك قد يعرض صاحبها لمسايرة
الجالسين ، فربما ذاقها للمرة الأولى ثم تبعها جلسات وسكرات . " نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على مائدة يشرب عليها خمر " .
(
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ق : 37
* * *
للمزيد من
التفاصيل راجع كتابنا : " أطباء الغرب يحذرون من شرب الخمور " وهو من
إصدار دار القلم بدمشق ودار البشير بجدة