القدس و الفتح العربي الإسلامي :
في الأربعينيات من القرن السابع الميلادي خرج العرب المسلمون من المدينة المنوّرة لفتح بلاد الشام و العراق و ما حولها . و كانت فلسطين وجهة عمرو بن العاص الذي استطاع أن ينتصر على البيزنطيين في موقعة "أجنادين" الواقعة بين الرملة و بيت جيرين ، ثم واصل سيره نحو الشمال إلى أن قابل الجيوش العربية الأخرى التي استطاعت أن تهزم البيزنطيين في موقعة اليرموك عام 636 م . و كانت هذه هي المعركة الفاصلة التي تمّ للعرب بها فتح بلاد الشام ، و منها انطلق العرب المسلمون لفتح الأمصار الأخرى ، و منذ أن تمّ للعرب فتح فلسطين بقيت عربية بسكانها و حياتها الاجتماعية و عاداتها و تقاليدها . أما مدينة القدس فقد طلب أهلها الأمان و أرادوا تسليم مدينتهم لخليفة المسلمين عمر بن الخطّاب ، و قد لبى الخليفة هذا الطلب ، و خرج من المدينة المنورة للمرة الأولى مُتوجهاً إلى بيت المقدس ، و استقبله أهلها بالترحاب و التكبير و أصدر أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب وثيقة الأمان التي أعطيت لبطريرك القدس و فيها تعهد الخليفة عمر بن الخطّاب بأن لا يسكن المدينة المقدّسة أحد من اليهود . و على ما في هذا الكتاب عهد الله و ذمة رسوله و ذمة الخلفاء و ذمة المسلمين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية ، شهد على ذلك خالد بن الوليد ، و عمرو بن العاص و عبد الرحمن بن عوف ، و معاوية بن أبي سفيان و كان ذلك في العام الخامس عشر للهجرة و في شهر أيار ( مايو ) عام 636 م . و كان أول من عمل قام به عمر بن الخطّاب زيارته لكنيسة القيامة و لما حان وقت الصلاة و أراد أن يصلي طلب منه البطريرك أن يصلي مكانه في الكنيسة ، فأبى عمر بن الخطّاب إلا الخروج من الكنيسة ، و صلّى في مكان على مقرُبه منها ، و بعد أن أتمّ صلاته قال للبطريرك "أيها الشيخ: أنني لو أقمت الصلاة في كنيسة القيامة لوضع المسلمون عليها أيديهم بحجة إقامتي الصلاة فيها و إني لآبى أن أمهّد السبيل لحرمانكم منها. و أنتم لها أحق و أولى" فقابل العالم المسيحي هذا العمل بالشكر و التقدير و زار الخليفة مكان الصخرة المشرّفة ، و كانت قد أُهملت زمن حكم الروم للبلاد فأخذ الخليفة يُنظّفها بنفسه ، و حذا حذوه من كان من الصحابة و القادة و غيرهم حتى تمّ تنظيفها ، ثمّ أمر عمر بن الخطّاب ببناء المسجد ، فبنى من الخشب ليتسع لحوالي ثلاثة آلاف من المصلين ، كان هذا المسجد الذي أمر عمر ببنائه في بُقعة الحرم الشريف و كان يُحاذي السور الشرقي لبناء المسجد الأقصى اليوم ، و كان هذا البناء قد اندثر عند بناء مسجد قبة الصخرة في العهد الأموي . و قد أقام أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في بيت المقدس بضعة أيام مُتفقداً معالمها ، و قبل مغادرتها إلى المدينة المنورة خطب في الناس خطبة جاء فيها ( يا أهل السلام ، إن الله تعالى قد صدقكم الوعد و نصركم على الأعداء ، و أورثكم البلاد . و مكّن لكم في الأرض ، فلا تكونن جزاؤه منكم إلا الشكر و إياكم و العمل بالمعاصي ، فإن العمل بالمعاصي كفر بالنعم .) . و عيّن قبل سفره "يزيد بن أبي سفيان" عاملاً على إدارة بيت المقدس تحت إمرة "أبي عبيده" ، و "سلامة بن قيصر" إماماً للصلاة ، و " علقمة بن مجزر " مُشرفاً على شؤونها العسكرية . و مدينة القدس من أكرم المقدسات الإسلامية ، كرّمها القرآن الكريم و مجّدها الحديث الشريف ، و تعلقّت بها قلوب المسلمين عبر الأزمان . قال تعالى : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريَه من آياتنا و هو السميع البصير ). كما تحدثت سورة النجم عن المعراج الذي به دنا "النبي محمد صلى الله عليه و سلّم" من ربه مقاماً لم يبلغه أحد من الأنبياء من قبل . و هكذا توثّقت الروابط و توحّدت بين مكة و القدس ، بين الحجاز و فلسطين . قال رسول الله صلى الله عليه و سلّم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا و المسجد الحرام و المسجد الأقصى ) . و عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلّم يقول : سيد البقاع بيت المقدس و سيد الصخور صخرة بيت المقدس ) . و كانت الصلاة الركن الثاني في الإسلام أعظم المنح الإلهية في الإسراء و المعراج .