أخلاقيات البيولوجيا: نحو مشروع قضية فكرية

Pierre-André Taguieff

ترجمة عبد الهادي الإدريسي

 

يرجع استعمال لفظة "بيوإيتيك" (بيوأخلاقيات) في الغالب إلى عالم البيولوجيا المختص في الأمراض السرطانية، الأمريكي فان رينسيلر بوتر Van Rensselaer Potter، الذي يؤكد أنه أول من استعملها، يشهد بذلك المقال الذي كان قد نشره في عام 1970، بعنوانBioethics: the Science of Survival(1)، وكذا الكتاب الذي أصدره بعد ذلك بسنة، تحت عنوانBioethics: Bridge to the Future(2).

لم يكن مفهوم البيوإيتيك يعني، في منظـور بوتر، مجرد إرساء أخلاقياتٍ لمهنة البيولوجيا –سواء أتعلقَ الأمرُ بمباحثها النظرية أم بتطبيقاتها العملية- ولا حتى أخلاقياتٍ لمهنة الطب عموما، بل إنه كان يعدو ذلك ليحيل إلى كل المسائل الأخلاقية التي تطرحها الكائنات الحية جميعا، بشرا وغير بشر. فالرجل كان يتوخى من إنشاء هذا العلم الجديد إقامة "أخلاقيات شاملة تتسع لعلم البيئة وعلم الطب معا"(3). بيد أن هذا المفهوم لم يلبث أن تقلص ليقتصر على الميدان الطبي وحده، بعد أن أنشأ كاثوليكي ليبرالي، هو الدكتور أندري هيليغرز A. E. Hellegers، في جامعة جورجتاون بواشنطن، مركزا لأخلاقيات البيولوجيا يحمل اسم Institut of Ethics، اهتم أساسا بتقنيات التخليق الطبية (techniques de procréation). وقد ألف بول رامسي Paul Ramsey، سنة 1970،كتاب المريض بما هو إنسان The Patien as Person الذي جاء ثمرة لفترة من البحث دامت سنة داخل معهد الجامعة، والذي عُدَّ بحقٍّ "أول كتاب في أخلاقيات البيولوجيا، بالنظر إلى الطريقة التي جرى بها تصنيفه ووضعه"، إذ إن صاحبه ألفه اعتمادا على ما خلص إليه إثر نقاشات طويلة في مسألة الأخلاقيات، شهدتها لقاءات وندوات جمعته بأطباء وممرضين(5).

ثم وجد تيارُ أخلاقيات البيولوجيا رافدا جديدا في التأملات الفلسفية التي قادها "مثقف كاثوليكي جريء" آخر(6)، هو دانيال كالاهان Daniel Callahan ، داخل معهد هاستينغس Hastings Center الأمريكي المؤسَّس سنة 1969، حيث دار النقاش حول المسائل الأخلاقية المترتبة على بعض تطبيقات علم الوراثة الإنساني الجديد -وأساسا حول المسؤولية التي تقع جراء ذلك على عاتق العلماء والأطباء(7)- فاتضح أن التفاؤل النسبي، الذي توحي به خطابات أناس مثل بوتر، يصطدم بوجهات نظر متوجسة ترى أن البشرية يتهددها الفناء بفعل تطور علم الوراثة وتقنيات البحث التي موضوعها الحياة الإنسانية (8).

ولما كان عدد من المهتمين بشأن أخلاقيات البيولوجيا يرون في تقدم طب الأحياء خطرا يتهدد الإنسانية، فقد أضحى التناقض بين مقولتَي "نوعية الحياة" و"قداسة الحياة" أكثر فأكثر قوة وحِدّة، مما نجم عنه نشوءُ اتجاهين داخل الفكر الأخلاقي البيولوجي، لا يستبعد أصحاب أولهما فكرةَ التطور، لكنهم لا يترددون في محاولة البحث عن المعايير التي يمكن أن يقوم عليها تغييرٌ محمود تُحدِثه البشريةُ في نفسها عن طواعية؛ وهم بهذا لا يستبعدون فكرة إحداث ذلك التغيير عن طريق "التحسين الجيني" eugénique et orthogénique(9)، بينما يرى أصحاب الاتجاه الثاني -استنادا إلى المسلمة التي مفادها أن "الخَلق البيولوجي الذي نحن عليه خلق مقدس لا يجوز المساس به"(10)- أن الخطر يتهدد جوهر الكائن البشري وهويتَه، فيخلُصون إلى أن ما ينبغي فعلُه ليس فحسب إخضاعُ تطبيقات المعرفة البيولوجية للمراقبة، بل وأيضا أن يجري منع بعض التقنيات المستخدمة في طب الأحياء وكذا في بعض أبحاث علم الوراثة منعا باتا. وقد أجاد عالم الاجتماع فرانسوا إزامبير François-André Isambert وصف هذه الثنائية القطبية التي تطبع مجال أخلاقيات البيولوجيا، حين قال: "في مواجهة تيار الأخلاقية المتفائلة المطمئن، الذي يحاول أن يستلهم مرجعيته مما يشهده الجنس البشري من تطور طبيعي، هناك تيار مناقض، قوامه الخوف، وشاغله الأساس الحد مما قد ينجم عن مغامرة الطب الوراثي من عواقب"(11).

بذلك يتضح أن مسألة أخلاقيات البيولوجيا تتضمن تساؤلا حول حدود المعرفة العلمية، نظرا لما يبدو مرتبطا بهذه المعرفة من قوة وقدرة تقنية على تغيير الطبيعة البشرية نفسِها. فقد كان الموقف الدفاعي الذي انطلقت منه التيارات الأولى في مجال أخلاقيات البيولوجيا -إذ بدأت بالتساؤل عن كيفية حماية الجنس البشري من العواقب الوخيمة الممكن أن تنجم عن "الفتوحات" التقنية في مجال العلوم- يتجلى بالأساس في وضعه فكرة التطور موضع تساؤل، حيث تطرح قضية أخلاقيات البيولوجيا في سياق ثقافي يلقي بظلال من الشك على مقولة التطور الشامل، التي تفترض أن التقدم على المستويين السياسي والأخلاقي يساوق بالضرورة نظيرَه العلمي والتكنولوجي؛ دع عنك أن التقدم العلمي قد خيب غير ما مرة ما كان يُعقد عليه من آمال، مغديا بنفسه تيار التأمل الأخلاقي في مسألة العلوم الإحيائية منذ بداياته الأولى. وكما يجوز القول إن هذا التأمل أمر حديث طارئ، ذو صلة بأزمة التقدم لا تنفصم، ومن ثمة النظر إليه بصفته علامة من علامات الانتقال إلى عصر ما بعد الحداثة(12)، فكذلك يجوز التمثل بما يذهب إليه إزامبير حين يقول إن "طرح القضايا الأخلاقية في المجال العلمي ظاهرة تبرز على السطح كلما وُضِعَت فكرة التقدم موضع نظر"(13). ومهما يكن الأمر، فإن في إخضاع مسألة الأخلاقيات في البيولوجيا للتفكير، ما يكفي للدلالة على الحقيقة الثقافية التي مؤداها أن التقدم العلمي لم يعد مسألة غير قابلة للنقاش، وأن مقولة التقدم قد أضحت مثيرة للجدل، وأن فكرة الانتقال مما هو أسوأ نحو ما هو أفضل وخير مآلا، بطريقة يضمنها ما تُراكِمه العلوم والتقنيات من "فتوحات"، قد فقدت ما كانت تتمتع به من طابع البدهية. وهذا الشعور بأن ما يجري ليس كله حسنا مُرضيا، هو بالذات ما ينبني عليه التساؤل الأخلاقي حول حقيقة "الخطوات" التي تقطعها البيولوجيا، و"الثورات" التي تشهدها تقنيات هذا العلم على المستوى التطبيقي الطبي. ويبدو الفكر الأخلاقي البيولوجي منقسما إلى تيارين ينحو أحدهما نحو تفعيل آليات المراقبة والمنع، ويجنح الثاني، عبر الحجاج والإقناع، لتحقيق توافقٍ مؤقت حول المبادئ الأولية، وتنوير أصحاب القرار الطبي، بما يتيح الحد من اللجوء إلى بعض التقنيات المعينة. بذلك أمكن أن يُنظر إلى أخلاقيات البيولوجيا بصفتها تعبيرا عن الخوف الذي ينتاب الناس إزاء ما يتحقق من تقدم في مجال الطب الوراثي والطب البيولوجي، أو بحثا حذرا عن "المقاييس التي ينبغي أن يخضع لها كل عمل يندرج في إطار تدخل الإنسان عن سبيل التقنية في حياة الإنسان"(14).

والحق أن التقدم العلمي مسألة تختلف فيها الآراء فتذهب ثلاثة مذاهب، أولها تقني صرف لا يعترف لسوى العلم والتقنية بسلطان، فلا يولي المسألة الأخلاقية اعتبارا؛ وثانيها رافض ينبثق لا شك عن نظرة ليست ترى في التقدم العلمي والتقني إلا نزغا من الشيطان، وثالثها إنساني يعتمد الحجة والبرهان، ويتوسل الحيطة والحذر.

فأما الأول، فيرى أن ما يستطيع المرء فعله وما ينبغي له فعله واحد، ولذلك فهذا المذهب لا يعترف حتى بوجود المشاكل الأخلاقية التي لا تبرز إلى السطح إلا متى كان هناك تناقض بين الممكن فعله والواجب فعله أو الامتناع عنه. حتى إذا أُلجِئَ إلى الاعتراف بأن المسألة الأخلاقية واردة لا مناص -فانبرى دون إبطاء متسائلا عن الحدود التي يجب وضعها عندئذ والمقاييس التي ينبغي إقامتها على أساسها- برزت أولى المشكلات، إذ ليس هناك بالفعل من قيم راسخة ولا من مبادئ قائمة يمكن الاعتماد عليها لرسم مثل تلك الحدود. ولما كان لا بد لها من أساس تقوم عليه، لزم أن يوجد ذلك الأساس، وإن وُجد، فإما في الإرادة الإنسانية، وإما في ما جرت عليه الأعراف والتقاليد، وإما عن طريق الحجة والبرهان.

وأما الموقف التقليدي الرافض، فالحق أنه موقفان، أحدهما جذري متشدد، والآخر أكثر تسامحا وتواضعا، علما أن الرأي المتشدد مرجعُه إلى الفلسفات المناهضة للحداثة -التي ترى في الحركة العلمية التقنية شكلا من أشكال الهمجية- أكثر منه إلى العقائد الدينية ذات النزعة التوحيدية. ففكر الفلاسفة من أمثال هانس جوناس Hans Jonas -وقُل مثله في فكر التيارات البيئية- هو الذي يختص بتصور مرعب عن الحداثة، يبدو معه العلم والتقنية وكأنهما رجس من عمل الشيطان.

وأما سبيل الحيطة والحذر، فإن له أنصارا من المتدينين (وإن يكونوا من البروتستانت لا من الكاثوليك، خصوصا بعد الموقف المتصلب الذي اتخذته الكنيسة من هذه المسائل في نهاية الستينات)، وآخرين من ذوي النزعة الإنسانية أو من اللائكيين؛ وهو يقتضي الثقة في الحوار وفي الإرادة البشرية النيرة. ثم إن الدعوة إلى احتباء فضيلة الحذر نابعةٌ من اعترافنا بعجزنا، هذا العجز الذي لا نفتأ في كل مرة نستشعره. وهو حذر تشحذه التجربة ويغذيه الإيمان بأن "البحث عن تحديد ما ينبغي فعله وما ينبغي تجنبه تحديدا أمثل"(15) يعني أن يقبَل المرء بأن يُصدر حكمه بناء على ما يخلص إليه إثر حوارات ونقاشات مستفيضة ودائمة... ذاك مبدأ الحذر أو مبدأ "التشكك التطوري"(16)

ذريعة الداعي التقني وغياب الوازع الأخلاقي

يقتضي الداعي التقني -أو التقني/العلمي- اختيارَ تجريبِ كلِّ ما تتيح التقنيةُ والوسـائلُ العلمية المتاحة تجريبَه(17). وهو ما يعبر عنه الفيلسوف جيلبر هوتوا Gilbert Hottois بقوله: "يجب أن نفعل كل ما يمكن فعله، فلا نترك تجربة ولا معالجة مخبرية طالتها أيادينا وعقولنا إلا أجريناها، ولا طريقا تبدت أمامنا إلا استكشفناها، ولا بابا انفتحت إلا ولجناها، ولا سبيلا من سبل استغلال إمكانات الكائن -مادةً أو حياة أو فكرا- تراءت لنا إلا اتبعناها."(18). والحق أن هذا النزوع إلى استكشاف كل ممكن، ليس بالجديد؛ فقد ظهر مع بداية الثورة العلمية الحديثة، إذ ترِد صيغته الأكثر تطرفا على لسان فرانسيس بيكون، في أطلانتس الجديدة -المؤلف الذي نشر في 1627، عاما واحدا بعد رحيل هذا الفيلسوف - حيث يريد أحد حكماء "معهد سليمان"(19) في المدينة الخيالية أن يشرح للراوي مبادئ "الدستور النبيل الذي للمعهد" فيقول: "إن الغاية التي تتوخى مؤسستُنا بلوغَها هي اكتشاف الأسباب والدواعي، ومعرفة حقيقة القوى الأولية ومبادئ الأشياء. والهدفُ بسطُ سيطرة الإنسان على الطبيعة جميعا، وتمكينُ الكائن البشري من فعل كل ما تتيح له مقدراته وإمكاناته فعله."(20). وليست هذه المدينة، التي لا يضع دستورها للمعرفة حدودا ولا يُخضع المقدرة لضوابط، إلا تعبيرا عن فلسفة الحرية لدى المحدثين، أي بما الحريةُ قدرةٌ على الفعل لا تني تتزايد يوما عن يوم، دونما ضابط ولا مانع. بذلك يبدو مبدأ الداعي التقني/العلمي، كما بدا في أوائل القرن السابع عشر، متحررا من كل وازع أخلاقي، متجاهلا كل القيم، غيرَ ملقٍ بالا إلى واحدة منها، سوى قيمة واحدة يضعها نصب عينيه، هي تطوير القدرة على الفعل إلى ما لا نهاية له. والحق أن مذهب ذريعة الداعي التقني/العلمي مذهب "لا أخلاقي في جوهره"، أو لنقل إنه، بصيغة أدق، "خارج على الأخلاق، إذ إن المبدأ الأساس في الأخلاق هو بالذات ألا يفعل المرء كل ما بإمكانه فعله، وأن يضع -وحبذا يضع عن طواعية واقتناع- حدودا للحرية تقف عندها لا تتجاوزها"(21). فمن هذا المنظور التقني يفقد الجسد البشري صفة الهبة الإلهية المقدسة، والوديعة التي ينبغي للإنسان الحفاظ عليها حتى يورثها أبناءه، ليغدو مجرد "مادة مخبرية"، أي مجموعة من العناصر يُتحكم في تفكيكها وتركيبها أشكالا وأصنافا لا نهاية لها، طوع نزوات البشر، وليس كل البشر، بل فقط أولئك الذين في يدهم سلطة القرار. ومن ينظرْ إلى الأمر بعين دينية مسيحية يَرَ فيه نوعا من تأليه الإنسان للإنسان بجعله إياه موضوعا للمعرفة العلمية والمقدرة التقنية معا، وسيدَ "الخليقة" بلا منازع، مضفيا عليه بذلك ما لا يجوز فيه من صفات الإرادة العليا والقدرة المطلقة. فالتقنية -بما حمولتُها الغنوصية-(24) تتخذ شيئا فشيئا صفة "الإله المنقذ"(23). وأنصار المبدإ القاضي بترك الأمور تجري على العواهن يقفون على ما كان جاك إلول يسميه Jacques Ellul "تنامي التقنية تناميا ذاتيا"، محتفين في الوقت ذاته بنمو القدرة على الفعل نموا ذاتيا ولا متناهيا ولا أخلاقيا في آن، شكلا من أشكال العودة إلى نظرية التطور. غير أن التصور التطوري ليس في حد ذاته سوى تمجيد للتقدم التقني منظورا إليه بما هو خير في ذاته، بل وفي بعض الأحيان بما هو وسيلة للخلاص. ومن هذا المنظور الذي يقتضي حبا للتقنية لا حدود له(25)، يضحي الواجبُ فعلُه رهينا بالممكن فعله وتابعا له، إذ إن التقنية لا تعترف بأي مبدإ للتحكم الذاتي يمكنه -لو وُجد- أن يفتح السبيل أمام الأخلاق. ويعتمد أعداء نظرية الداعي التقني منطقا جانحا إلى التطرف -وهو منطق يعد من خصوصيات الخطاب الجدالي- كثيرا ما يجعلهم يذهبون إلى استبدال كراهة التقنية بحبها، بل وإلى اتخاذ موقف مناهض للعلم لا يرى في الحداثة إلا شكلا من أشكال العودة بالبشرية إلى حال الهمجية العمياء. وقد ذهب بعض المفكرين المعاصرين -منطلقين من حالة أخلاقية أساس، هي الحالة التي يكون فيها الواجب فعله داخلا في صراع أو في تناقض مع الممكن فعله- إلى أن جعلوا الموقف الأخلاقي منحصرا في "ما يجب الامتناع عن فعله"، وهو ما لا يعني فحسب رفض التطور الأعمى الذي تشهده التقنية، بل وأيضا اتخاذ موقف متشكك من المعرفة العلمية، يفضي إلى الإفتاء بمنع البحث العلمي في بعض الميادين، مثل ميدان علم الوراثة البشري الذي تبقى "الفتوحات" المحققة فيه مثارا للمخاوف وداعيا إلى القلق.

 

استكشاف الخوف والأخلاقيات البيولوجية الداعية إلى الحفاظ على النوع.

في الأسطر الأولى من كتاب Das Prinzip Verantwortung (المبدأ المسمى مسؤولية)، الصادر عام 1979 -وتحت عنوان واضح الدلالة، هو "من أجل أخلاقيات للحضارة التقنية"- يشرح المؤلف هانس جوناس باقتضاب نظريته حول الحداثة التقنية العلمية، ويبرر مشروعه الرامي إلى إعادة تأسيس أخلاقيات جديدة في مواجهة "الخطر" الجديد قائلا: "إن البروميتيوس المنطلق من عقاله، هذا المارد الذي يهبه العلم الحديث قوة لا عهد بها لأحد، ويهبه الاقتصاد زخما لا حدود لمداه، يتطلب قيودا أخلاقية من شأنها أن تعمل -بفضل حواجز يجري وضعها عن طواعية واختيار- على الحيلولة دون أن تصبح قوة الإنسان وبالا عليه ولعنة. والفكرة المبدئية في هذا الكتاب هي أن ما كانت التقنية الحديثة تلوح به من وعود براقة قد استحال وعيدا، أو لنقل على الأقل إن الوعد والوعيد قد اقترنا فأصبحا متلازمين. والأمر لا يتعلق فحسب بتهديد جسدي، فإخضاع الطبيعة المقصود منه تحقيق سعادة الإنسان قد أسفر -إثر النجاح المخيف اللامحدود الذي كتب له، والذي جعله يتسع اليوم ليشمل طبيعة الإنسان نفسه- عن أكبر تحدٍّ يواجهه الإنسان نتيجة ما اقترفت يداه، وهو تحد جديد ليس هناك من مقارنة ممكنة بينه وبين ما سبق. (...) إن أرض العمل المشترك التي دخلناها راكبين مطية التقنية الرفيعة لا تزال أرضا عذراء لم تطأها أية نظرية أخلاقية (...) فما الذي يمكن يا ترى اتخاذُه في هذا المجال منارة يأتمُّ بها المرءُ ويهتدي؟ ليس هناك خير من العمل على استباق الخطر نفسه، إذ ليس كالتنبؤ بما يمكن أن يطرأ على الإنسان من تشوه، وسيلةٌ للتوصل إلى تصور للإنسان يمكِّننا من تفادي وقوع ذلك التشوه (...) ولما كان موضوع الرهان لا يقتصر على مصير الكائن البشري، بل يتعداه إلى صورته، ولا يقف عند حد سلامته الجسدية، بل يشمل أيضا سلامة نوعه وبقاءه، كان لازما أن تكون القواعد الأخلاقية القمينة بالحفاظ على هذا وذاك مبنية لا على نفاذ البصيرة وبعد النظر فحسب، بل وأيضا على الاحترام"(26). هكذا تفضي تجربة الخوف إلى الإحساس بالمسؤولية، حيث الخوف "دافع إلى العمل"، بما هو "خوف على موضوع المسؤولية"(27). وكلما كان الخطر الماثل بعيد التوقع في المستقبل، "كلما اشتدت الضرورة إلى استكشافٍ للخوف من شأنه المساعدة على استشعار الخطر"(28). فالخوف يمد النظرية الأخلاقية بما لا غَناء لها عنه من تصورٍ لما يحتمل وقوعه من شـرور، وهو بذلك يصبح "أول ضرورة مبدئية لازمة لإقامة نظرية أخلاقية قوامها المسؤولية التاريخية."(29). إن هذا "الخوف المبرر" هو الذي يترتب عليه الموقف الأخلاقي الأساس، أي "الاحترام" الذي تجري إعادة تصوره انطلاقا من رغبة في تفادي "أسوإ الشرور"، بما يفسح المجال أمام تصور جديد لما هو "مقدس": "احترام ما كان الإنسان عليه وما هو عليه اليوم، والتوجس مما قد يصبح عليه غدا، إذ تطالعنا صورته مخيفة مرعبة من خلال ما يرسمه الفكر من تصور عن المستقبل. فليس كالاحترام -بما هو يكشف لنا عن شيء "مقدس"، أي شيء لا يجوز المس به بتاتا- حافزٌ لنا على تجنب اغتصاب الحاضر باسم المستقبل"(30) فالأمر يتعلق إذن، بالنسبة إلى هانس جوناس، بالحفاظ على سلامة "صورة الإنسان"، لكن يبقى أن تُفهم ضرورة الحفاظ هاته على وجهها السليم، إذ إن ما ينبغي الحفاظ على سلامته ليس جوهرا إنسانيا بعينه ولا "طبيعة إنسانية" بذاتها، بل هو إمكان مُعَيَّن. فالمسؤولية تجاه مستقبل الإنسانية هي المسؤولية عن الإبقاء على "أفق إمكانية معينة" مفتوحا أمام البشرية، وهذا الإبهام هو موضوع المسؤولية، أو هو ما يمد مفهوم "الضرورة الجديدة" بمعناه ومحتواه(31). بذلك لا تبقى الضرورة الأولى ضرورة تحسين، بل تضحي ضرورة حفاظ ووقاية: "إنها (الضرورة الجديدة) -إذ تنبع من خوف الخطر- تشدد بالأساس، وقبل أي شيء آخر، على أخلاقيات للحفاظ والحماية ومنع التدمير، وليس على أخلاقيات لا تبتغي سوى التطور والارتقاء هدفا"(32) فالوعي بكون الإنسان هو "من قد يدمر كل ما شادته الطبيعة من بناء"، هو وعي يصب في مجرى مبدإ "أخلاقيات البقاء التي يتعين علينا احتذاؤها اليوم"(34)؛ ووعي الإنسان بالخطر الثاوي خلف المقدرة العلمية التقنية التي بين يديه -وهي مقدرة على التدمير بقدر ما هي مقدرة على الهيمنة- "يفرض عليه أن يتحمل، في إطار الإرادة التي يتمتع بها، ما يجده من (الطبيعة) عموما من طاعة وانصياع"، وأن "يفرض على مقدرته حدود الرفض الواجب اتخاذه حيـال اللاكينونة (non-être)(35) فالقبول بتنفيذ إرادة معينة يجب أن يكون منسجما مع احترام "ما فعله الإنسان بنفسه خلال آلاف من السنين من المجهود الفكري المتصل"(36). وفي "الحالة المنذرة بالدمار" التي تعيشها البشرية اليوم، حيث "تتهددها كارثة كونية لا مناص منها فيما لو تركنا الأمور (...) تجري على العواهن"(37) -من مثل ما تدعو إليه النظرية البيكونية [نسبة إلى فرانسيس بيكون] من "تحكم في الطبيعة بواسطة التقنية العلمية"(38)- فإن الواجب الأخلاقي تجاه الكائن البشري يمكن العبير عنه كما يلي: "ما يهم اليوم ليس الحفاظ على صورة معينة من هذا الكائن، ولا حتى خلق مثل هذه الصورة، بل المهم هو العمل على إبقاء أفق الإمكان مفتوحا، وهو الأفق الذي يرتبط، فيما يتعلق بالإنسان، بوجود النوع البشري نفسه بما هو عليه، و الذي سيظل على الدوام يهب الجوهر البشري -ما دمنا ملزمين بالإيمـان بوعد "الصـورة الإلهية" (imago Dei)- فرصة جديدة للبقاء"(39). هذا الإبهام في تحديد الإنسان هو، حسب جوناس، ما تتهدده "اليوتوبيات التقنية" التي يرفدها العلم الحديث ويغذيها. وأخطر ما يهدد سلامة الجنس البشري من بين هذه اليوتوبيات هي تلك المتمثلة في مشاريع تكنولوجية تروم، باسم أخلاقيات إنسية (morale humaniste)، تحسين حال الإنسان المعاصر. وتتخذ هذه الطوباوية الجديدة شكلا من أشكال البروميثاوية (prométhéisme) أو الفاوستية (faustisme) الداعمة للمنظور التحسيني  الذي لا يفتأ يجد في تقدم علم البيولوجيا المعاصر انبعاثا وتجددا. وكما يقول جوناس، فإن "النزعة البروميثاوية إلى تغيير صورتنا سعيا إلى تحسينها، تبدو ملوحة كالإغراء في ثنايا أبحاث البيولوجيا الجزيئية"(40). و"تحسين صورة الإنسان" يقتضي بهذا المعنى تحَكُّمَ البشرية في مصيرها البيولوجي، حيث يكون خلق الإنسان الجديد بمثابة نتاجٍ لعملية تصنيع تقني/بيولوجي تجريها البشرية على نفسها، ونتيجةٍ منطقية للنزعة الاصطناعية التي تطبع التقنية العلمية الحديثة. وتفترض أخلاقيات المسؤولية المبنية على "استكشاف الخوف"(41) إدخالَ تغيير شامل على منحى العمل البشري -أكان موضوعُ هذا العمل الكائنَ البشري نفسه أم كائناتٍ طبيعيةً أخرى- يجعله لا يتوخى التحكم، بل يهدف إلى التحكم في هذا التحكم(42). والانشغال بمصلحة الأجيال الآتية هو ما يجمع بين فلسفة جوناس الأخلاقية وأخلاقيات البيولوجيا الطبية، متى ما كانت لهذه الأخيرة انشغالات على المدى البعيد. وكما يقول جان ماري ثيفوز، فإن الأمر "لا يتعلق فقط بتدبير المسائل الحاضرة تدبيرا أمثل، بل وأيضا باقتراح خيارات من شأنها ألا تعرض مستقبل البشرية للخطر"(43). من هذا المنظور، يحتل مبدأ الحذر في ميدان أخلاقيات البيولوجيا مكانا وسطا بين النزعة الجينية المغرقة في المحافظة (نزعة "التماميين" الداعين إلى الحفاظ على الموروث الجيني البشري كما هو)، وبين النزعة التحسينية: "فما اكتسبناه اليوم من قدرة على التحكم في الحياة تصاحبه مسؤولية الحفاظ على هذه الحياة كي نورثها الأجيال الآتية. ومسؤوليتنا الكبرى ليست في الحفاظ على الأمانة كما هي ولا حتى في تحسينها، بل في الحرص على أن نسلِّم من يلينا من البشر عالما مبهما مفتوحا. وبتعبير أدق، فإن واجبنا هو الحرص -عند كل اختيار- على إبقاء الإمكانات مفتوحة أمام الأجيال الآتية، إذ إن لها علينا أن نترك لها عالما فيه من الحرية ما يتيح لها أن تختار ما بين مصائر عديدة مختلفة، تماما كما هو متاح لنا اليوم فعله"(44).

أخلاقيات البيولوجيا في ميدان الحجاج

إذا ما قبلنا تعريف أخلاقيات البيولوجيا تعريفا من النوع الأرسطي، يعتمد المقارنة في ما هو مشترك والتمييز على أساس ما هو خاص، فسنقول إن أخلاقيات البيولوجيا هي جزء من الأخلاقيات العامة، أو قل إنها التفكير أو البحث الأخلاقي، مطبقا على ما يطرحه التقدم السريع الذي يشهده الطب البيولوجي -وتشهده بتعبير أدق معارف طب الأحياء وتقنياته- من مسائل(45). والهدف من أخلاقيات البيولوجيا -شأنها في ذلك شأن أخلاقيات الطب- هو العمل على تطبيق قواعد أخلاقية كونية (من نحو تجنب القتل وتجنب إحداث الضرر وما إلى ذلك) في الميدان الطبي، وقواعد شبيهة بها في ما تعلق بواجب الطبيب (من نحو أن يكون هدفه الرئيس السعي إلى تحقيق مصلحة المريض). لكن ما تختص به أخلاقيات البيولوجيا أنها تضيف إلى القطبين الرئيسين في أخلاقيات الطب (أي علاقة الطبيب بمرضاه وعلاقة الأطباء فيما بينهم) قطبا ثالثا هو المجتمع حالا واستقبالا(46). ذلك أن ميدان اشتغال العمل الطبي قد اتسع فجاوز ما يقتصر على مداواة الصحة ورعاية الشخص/المريض، ليطال ميادين تقتضي -علاوة على قرار الطبيب وطلب المريض أو موافقته- خياراتٍ مجتمعية، بل وفي أحايين عديدة توجهاتٍ سياسية. وهذا يصدق على مسائل عدة، من قبيل تحديد النسل والإخصاب الاصطناعي والتشخيص قبل الوضع أو قبل الحبل والإجهاض والتجريب الطبي وزرع الأعضاء والصناعة الجينية والمداواة الجينية (سواء على الخلايا البدنية أو الجنسية) و" الإصرار على الاستمرار في علاج المريض الميؤوس منه" والقتل الرحيم(47). وتُبرز هذا التطبيقات -التي تتخذ في الغالب صفة تطبيقات طبية للفتوحات التكنولوجية- مدى اتساع مجال تحكم الإنسان في جسم الإنسان، من لحظة التكوين الأولى البادئة للحمل إلى آخر لحظات العمر. وهي تقتضي "البحث عن معايير أخلاقية هدفها الحفاظ على الطابع الإنساني الأصيل الذي يتميز به العمل الطبي والتأكد من التزام تطبيقات علم الطب به، وصياغة تلك المعايير"(48). بهذا يكون مجال اهتمام أخلاقيات البيولوجيا مرتكزا على دعائم ثلاث، هي "الطبيب والمريض والمجتمع"(49). من ثمة هذا التعريف الواسع الذي يقترحه أوتفريد هوف: "إن مجال اهتمام أخلاقيات البيولوجيا هو المسائل الأخلاقية المتعلقة بالولادة والحياة والموت، وذلك في علاقة مع ما يأتي به البحث البيولوجي الطبي من اكتشـافات وما يهيئه من إمكـانات"(50). وهو تعريف قابل للقراءة بطريقة برغماتية، كما يمكن قراءته قراءة مثالية(51). فبالنسبة إلى أولئك الذين يرون أنه -في ظل ما يفرضه العصر من تعددية في القيم وتضارب بينها- لا يمكن حصول إجماع حول حلٍّ معين للمسائل الميتافيزيقية والأخلاقية الأساس (من مثل "هل يعد الجنين الآدمي شخصا يحظى بالاحترام، يتمتع بحقوق قانونية، أم هل لا يعد كذلك؟")، فإن أخلاقيات البيولوجيا تضحي مجرد بحث برغماتي عن حالات إجماع عملية على قواعد العمل في ظرف معين. وهذا يمثل حدا أخلاقيا أدنى لا هدف من ورائه سوى الحصول على إجماع مؤقت -من قبل أغلبية نسبية من الناس- حول قواعد سلوكية معينة. وبهذا المعنى، فإنه يمكن تعريف أخلاقيات البيولوجيا بصفتها "علما معياريا هدفه تحديد السلوك المقبول في مجالي الحياة والموت"، كما يقول الخبير القانوني بيير ديشان P. Deschamps (52). غير أنه، وأكثر من "ما هو مقبول"، يبقى هناك "ما هو مرغوب فيه"، وهذا يتطلب إعمال قواعدَ أخلاقيةٍ كونية، قوامُها احترامُ كرامة الكائن البشري، مما يعني البحث عما فيه خير هذا الكائن وتحرره. هذا هو منطلق التعريف الذي يدلي إلينا به غي دوران، المتخصص في أخلاقيات البيولوجيا: "إن أخلاقيات البيولوجيا هي البحث في ما يتطلبه احترام الحياة البشرية والكائن البشري في مجال الطب البيولوجي"(53). فمنطق الأخلاقيات البيولوجية يغتذي من موروثات ثقافية عدة، على رأسها تقاليد الطب الإنساني الأبقراطية ومبادئ الدين المسيحي الأخلاقية. وهاهو كلود بيرنار C. Bernard يذكرنا، في 1865، بالمبدإِ الأخلاقي السلبي الأدنى، أو قُل المبدأَ الأخلاقي المهني(54) القاضي بوجوب "تجنب إحداث الضرر" فيقول: "لا تُحَرِّم الأخلاق المسيحية إلا شيئا واحدا، هو أن يتسبب الإنسان في حصول ضرر لأخيه الإنسان"(55). وهو في هذا يلتقي والحكمة الموروثة عن التقاليد الأبقراطية، والتي مؤداها أن "المهم أن لا تسبب ضررا". أما المبدأ الإيجابي الأساس في الأخلاقيات الطبية، فهو أن العمل على تجنيب الناس الألم ومساعدتهم -في حال حدوثه- على التخلص منه، هو في حد ذاته عمل أخلاقي. فالأمر يتعلق هنا بفرع من فروع المبدإ المبني على تقدير العواقب، الذي يقتضي "ألا نقدم إلا على ما سينجم عنه أكبر قدر ممكن من النفع على الوجه العام، بالنظر إلى كل من لهم صلة بما نفعله"(56).

لقد أخذت الأخلاقيات الإنسانية في الطب المعاصر عن المبادئ الأخلاقية الأبقراطية -أو أصول مهنة الطب الأخلاقية- مبدأ بسيطا مؤداه أن الطبيب ملزم بأن لا يفعل أبدا إلا ما فيه خير المريض(57). فإلى واجب فعل ما فيه الخير (مبدإ الإحسان bienfaisance)، يضاف مبدأ حُسن النية (bienveillance) الذي ينطوي على ضرورة البحث الإيجابي عما فيه خير المريض(58). غير أن مبدأ الإحسان -الذي يقتضي "ألا يُجرى من الأبحاث إلا ما يجلب للشخص المعني النفعَ المرجو، مع تعريضه لأقل قدر ممكن من المخاطر"(59)- لا يجاوز في الواقع حدود أخلاقيات برغماتية تعنى أساسا بتخفيف الألم عن المريض. أما وقد تجاوز الطب المعاصر حدود التخفيف من الألم وحدود المداواة والعلاج، وأصبح يتدخل ليتناول في بعض الحالات مسائل لا علاقة لها بالتخفيف من وجع ولا باسترجاع عافية(60)، فإنه قد غدا يثير مسائل تتجاوز بدورها حدود أخلاقيات مهنة الطب بمعناها التقليدي، حيث تبقى تلك الأخلاقيات بهذا المعنى قاصرة غير شاملة، حتى ولو أعيدت صياغة قواعدها صياغة برغماتية، وهي بذلك جزء فحسب من أخلاقيات البيولوجيا. وبرأي مبتدع لفظة "بيوإيتيك"، فان بوتر، فإنه من المناسب تمييز أخلاقيات البيولوجيا في ميدان الطب عنها في مـجال البيئة (bioéthique écologique)، حيث إن هاته تفترض أن يؤخذ في الحسبان الحفاظُ على العلاقات الرابطة ما بين كل الكائنات الحية، والالتزام بالتضامن ما بين الأجيال، مما يعني الحرص على مصلحة الأجيال الآتية. وقد صاغ بوتر لفظة "بيوإتيك" ليعبر بها عن مجموع التطورات المعاصرة التي شهدها مشروع ألدو ليوبولد Aldo Leopold المتمثل في إقامة "أخلاقيات عالمية" (land ethic) عامة هدفها الحفاظ على النوع البشري وضمان "حياة كريمة" له، يتسع مجال اهتمامها ليشمل كل العناصر الاجتماعية والطبيعية التي من شأنها أن تجعل الأرض "مكانا صالحا لعيش بني البشر"(61). وقد عاد بوتر في 1987، بعد مضي سبعة عشر عاما على إدخاله لفظة "بيوإيتيك" في مجال الاستعمال، ليشدد على المعنى المزدوج الذي تحمله تلك اللفظة، داعيا في الآن نفسه إلى إرساء أسس فلسفة عامة في البيولوجيا الأخلاقية، تعتمد منظورا يؤلف بين وجهة النظر التي تنحصر في مدى قريب ونظيرتها ذات المدى البعيد: "لقد كان من تأثير الباحثين المنتسبين إلى جامعة جورجتاون في لفظة "بيوإتيك" أن جعلوا معناها -حين تجيء مجردة من الإضافة إلى اسم معين- ينحصر في المجال الطبي وحده، حتى صار أغلب الناس يفهمها على هذا المعنى دون غيره. والحق أن أخلاقيات البيئة لا تلتقي والأخلاقيات الطبية في شيء، لأن هاته ينحصر مجال اهتمامها أساسا في المدى القصير -أي في الخيارات المتاحة للأفراد ولأطبائهم لمحاولة إطالة أمد الحياة، سواء باللجوء إلى زرع أعضاء طبيعية أو صناعية، أو بالاعتماد على العلاج الكيميائي التجريبي وما إليه من أدوات الطب المعاصر- في حين لا يجادل أحد في أن مجال الأخلاقيات البيئية ينحو نحو منظور ذي مدى بعيد، يهتم بما ينبغي لنا عمله كي نحفظ للبشرية مجالا حيويا يمكنها العيش فيه. وهذان الفرعان من أخلاقيات البيولوجيا ينبغي لهما أن يلتقيا في ما تعلق بمسائل من قبيل الصحة والتحكم في الحبل والولادة وما يمكن أن يعنيه هذا التكاثر المستمر الذي تشهده البشرية"(62).

بهذا يتميز المجال الواسع الذي يشمله اهتمام الأخلاقيات البيولوجية عن مجال الأخلاقيات المبنية على الوحي أو على التقاليد. فلم يعد اليوم ممكنا استقاء أسس القيم الأخلاقية من منابع تقليدية -دينية كانت أم غير دينية- إذا ما أردنا أن نأخذ في الحسبان حركة الدمقرطة والفردانية المزدوجة التي منها يتكون عصب الحداثة. هذا هو المعنى الرمزي الممكن استشفافه من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما يلاحظ ذلك لوك فيري Luc Ferry حين يقول: "لأول مرة في تاريخ البشرية، يجري اعتماد معايير إن كان لا مراء في أنها لا تزال تحتفظ بنزوعها الجماعي، فإنها لم تعد تستقي مشروعيتها من معين ديني، بل أضحت تستقيها -مبدئيا على الأقل- من رغبات الأفراد وحدها"(63). ذاك ما يجعل مجال أخلاقيات البيولوجيا يندرج في منطق الحجاج، إذ إن انهيار الأخلاقيات التقليدية المبنية على أسس من قبيل الحلال والحرام والمكروه والمستحب، يفرض اللجوء إلى الحجاج معينا يستقى منه المبدأ الذي على أساسه تحدد القيم. وهو مبدأ علماني وديمقراطي وإنساني في آن، بما هو يقتضي "موافقة الناس"، لا خضوعهم لقواعد تقليدية منقولة عن السلف. فالحجاج، كما يقول أيضا لوك فيري، "هو أن يبحث المرء في ذاته -أي في انسجام مع متطلبات الفكر الفرداني ما بعد الديني- لا في منابع خارجية، إلهية كانت أم كونية، عما يبرهن به على صحة وجهة نظر معينة تعنيه هو كما تعني غيره"(64). وما يفرض علينا اليوم الانخراط في النقاش هو بالذات ما لا تفتأ الحداثة تثيره من صراعات مردها التعدد -بل والتضارب- بين المعايير والقيم والواجبات من منظور الثقافات المختلفة، وهي صراعات لا يمكن أن تظهر لها حلول إلا متى ثار النقاش حول ما ينجم عنها من مشاكل. والحجاج هو المعين الذي يجدر بنا اليوم أن نستمد منه معايير نسطر على ضوئها الحدود التي ينبغي أن تتوقف عندها الرغبات الفردية كما التغييرات المتاح للبشرية اليوم إحداثها في نفسها. ويقول الأستاذ ج. برنار Jean Bernard، مبينا بوضوح أن الهيئات الأخلاقية تدين بوجودها للضرورة الملحة القاضية بتحديد معالم ومعايير وحدود في هذا العالم اللائكي -الذي لا يواكب فيه طفراتِ التقدم التي تشهدها ميادين البيولوجيا والطب تقدمٌ مكافئ في ميدان الأخلاقيات العلمية والتقنية-: "إن مسائل الأخلاقيات البيولوجية غالبا ما تتخذ شكل توتر بين واجبات متناقضة جوهريا أو ظاهريا، وهي مسائل لكل منها إجابات متعددة"(65). من ثمة يمكن أن يعاد تعريف أخلاقيات البيولوجيا، فيقال إنها المجهود الحجاجي الرامي إلى إيجاد حلول مؤقتة للصراعات القائمة بين القيم والمعـايير المختلفة. وهو ما فعله غي دوران Guy Durand (66) حين قال: "إن أخلاقيات البيولوجيا تعني البحث عن حلول لصراعات قيمية في ميدان العمل البيولوجي الطبي". والمفارقة طبعا هي أن الأخلاقيات التي يجري اللجوء إليها لإيجاد حل لأزمة التقدم، تعاني هي نفسها أزمةً متجددة. وبتعبير أدق، فإن ما هو موضوع التساؤل هو مفهوم الأخلاقيات المعيارية ذاته: كيف يا ترى السبيل إلى تبرير المعايير الأخلاقية تبريرا عقلانيا ينزع عنها طابعها الاعتباطي والذاتي، ويجعلها قمينة بأن تحظى بإجماع الثقافات المختلفة؟ وقد أصاب ديفيد روا فيما ذهب إليه من أن ما يطرح هنا هو مسألةُ أنواعِ العقلانياتِ ذاتُها(67). فبناء أخلاقيات معيارية يقتضي التخلي عن المقولة التي مؤداها أن "العقلانية العلمية، بمعنى المنطق العلمي (أي الاستدلال المنطقي والمستند إلى الملاحظة)، تستنفذ مجمل ضروب العقلانية البشرية، بما لا يدع، فيما وراء الحدود الخاصة بهذه العقلانية، مجالا لغير لاعقلانية القرارات الاعتباطية"(68). والمعايير التي يمكن أن تنبني عليها أخلاقياتٌ بيولوجية منفلتةٌ من نير الاعتباط، معاييرُ لا تخضع للقواعد المستنبطة من العقائد الدينية ولا لتلك المستقاة من طبيعة الأشياء، وهي بذلك لا يمكن أن تتحدد إلا بناء على حجاج عقلاني، شريطة أن يكون ذلك الحجاج مختلفا عن مثيله المعتمد في منطق الاكتشاف العلمي.


 
"*L'espace de la bioéthique. Esquisse d'une problématisation"

Pierre-André Taguieff

http://dogma.free.fr/txt/pat-bioethique.htm

 

1 V. R. Potter, "Bioethics, the Science of Survival", Perspectives in Biology and Medicine, 14, 1970, pp. 127-153.

2 Englewood Cliffs, N. J., Prentice-Hall, 1971. Voir François-André Isambert, "Aux sources de la bioéthique", Le Débat, 25, mai 1983, p. 84 ; Id., "Révolution biologique, ou réveil éthique ?", Cahiers S.T.S. (CNRS, Paris), 11, 1986, p. 12, 20 ; Anne Fagot-Largeault, L'homme bioéthique. Pour une déontologie de la recherche sur le vivant, Paris, Maloine, 1985.

3 Jean-Marie Thévoz, Entre nos mains l'embryon. Recherche bioéthique, Genève, Labor et Fides, 1990, p. 17.

4 Paul Ramsey, The Patient as Person. Explorations in Medical Ethics, New Haven, Yale University Press, 1970 ; même auteur, Fabricated Man. The Ethics of Genetic Control, New Haven, Yale University Press, 1970. Voir F.-A. Isambert, "Révolution biologique...", art. cit., p. 18-19. Paul Ramsey (1913-1988) était un théologien protestant (cf. Ronald Dworkin, Life's Dominion, New York, Vintage Books, 1994, p. 38 ; voir le dossier "autour de Paul Ramsey", Ethique, 11, 1994, articles de David Attwood, Leon R. Kass, Oliver O'Donovan, P. Ramsey, Robert S. Morison).

5 J.-M. Thévoz, op. cit., p. 21.

6 Daniel J. Kevles, Au nom de l'eugénisme. Génétique et politique dans le monde anglo-saxon, tr. fr. M. Blanc, Paris, PUF, 1995 (1ère éd. améric., 1985), p. 402 ; J.-M. Thévoz, op. cit., p. 20-21. Voir Daniel Callahan, "Bioethics as a discipline", Hastings Center Studies, vol. I, 1, l973 ; même auteur, "L'éthique biomédicale aujourd'hui", Cahiers S.T.S., 11, 1986, pp. 43-55.

7 Voir D. J. Kevles, op. cit., p. 399 sq. ; F.-A. Isambert, "La bio-éthique à travers ses écrits", Revue de Métaphysique et de Morale, 92 (3), juillet-septembre 1987, p. 401-421 ; Jean-Paul Thomas, Misère de la bioéthique, Paris, Albin Michel, 1990, p. 25 sq., 126-146 ; Marcel J. Mélançon et Raymond D. Lambert (dir.), Le Génome humain. Une responsabilité scientifique et sociale, Sainte-Foy, Presses de l'Université Laval, 1992.

8 F.-A. Isambert, "Aux sources…", art. cit., p. 87 sq. ; même auteur, "Révolution biologique…", art. cit., p. 18, 20. Voir A. Fagot-Largeault, "Respect du patrimoine génétique et respect de la personne", Esprit, mai 1991, p. 40-53 ; Bernard Baertschi, "Devons-nous respecter le génome humain?", Revue de Théologie et de Philosophie, vol. 123, 1991/IV, pp. 411-434.

9 Voir D. J. Kevles, op. cit., pp. 361-386 ; Charles Susanne, "Implications eugéniques de la génétique moderne", in C. Susanne (éd.), Génétiques. Jusqu'où aller ?, Bruxelles, De Boeck-Wesmael, 1990, pp. 197-239 ; François Dagognet, Le Vivant, Paris, Bordas, p. 155 sq. ; même auteur, La Maîtrise du vivant, Paris, Hachette, 1988, p. 40 sq., 175 sq. ; Alex Mauron, "La génétique humaine et le souci des générations futures", Genève, "Folia Bioethica", Société suisse d'éthique biomédicale, 1993 ; P.-A. Taguieff, "Retour sur l'eugénisme. Question de définition", Esprit, mars-avril 1994, pp. 198-214 ; Daniel Cohen, Les Gènes de l'espoir, Paris, Laffont, 1993, p. 225 sq. ; René Frydman, L'Art de faire autrement des enfants comme tout le monde, Paris, Laffont, 1994, pp. 300-322 (l'auteur introduit le terme de "progénisme", pour désigner la "visée qui consiste à agir pour que le plus grand nombre [d'enfants] naisse en bonne santé et se porte bien", p. 312).

10 Ted Howard, Jeremy Rifkin, Les Apprentis sorciers. Demain, la biologie…, tr. Fr. C. Portail et C. Ben Mehidi, Paris, Ramsay, 1979 (1ère éd. Améric., 1977), p. 223 ; J. Rifkin, "Perils of genetic engineering", Resurgence, vol. 109, 1985, pp. 4-7. Dans le même sens catastrophiste, cf. Jacques Testart (dir.), Le Magasin des enfants, Paris, François Bourin, 1990 ; J. Testart, Le Désir du gène, Paris, François Bourin, 1992 ; Richard C. Lewontin, The Doctrine of DNA. Biology as Ideology, Londres et New York, Penguin Books, 1992.

11 F.-A. Isambert, "Révolution biologique...", art. cit., p. 20. Voir François Gros, Gérard Huber (dir.), Vers un anti-destin ? Patrimoine génétique et droits de l'humanité, Paris, Odile Jacob, 1992 (coprésence des bioéthiques de la crainte et de la confiance) ; Troy Duster, Backdoor to Eugenics, New York et Londres, Routledge, 1990 (éthique de la crainte et sociologie critique des "dérives" de la génétique et de la biomédecine) ; P.-A. Taguieff, "Sur l'eugénisme : du fantasme au débat", Pouvoirs, 56, 1991, pp. 23-64.

12 Thèse du sociologue Amitai Etzioni (The Active Society, New York, 1968, p. VII), cité par Daniel Bell, Vers la société postindustrielle (1973), tr. fr. P. Andler, Paris, Laffont, 1976, p. 89.

13 F.-A. Isambert, art. cit., p. 12 ; Gilbert Hottois, "Liberté, humanisme, évolution", in G. Hottois (éd.), Evaluer la technique. Aspects éthiques de la philosophie de la technique, Paris, Vrin, 1988, p. 88 sq.

14 Jean-François Malherbe, cité par Guy Durand, La bioéthique. Nature, principes, enjeux, Paris, Cerf, 1989, p. 31. Voir Jean-François Malherbe, Biologie, éthique et société, Bruxelles, 1979 ; même auteur, Pour une éthique de la médecine, Paris, Larousse, 1987.
15 Mohammed Allal Sinacœur, "Mieux formuler les problèmes éthiques", in Claude Debru (éd.), Bio-éthique et cultures, Paris, Vrin, 1991, p. 13. Une illustration de cette démarche est fournie par Yves Dumez, Naître ou ne pas naître, Paris, Flammarion, 1987.
16 G. Hottois, Le Signe et la technique. La philosophie à l'épreuve de la technique, Paris, Aubier, 1984, p. 178. Dans le même sens, cf. Jean Bernard, L'Homme changé par l'homme, Paris, Buchet/Chastel, 1986, pp. 9-14, 69 sq., 183 sq.

17 G. Hottois, "Esquisse philosophique d'un critère", in J.-F. Malherbe (dir.), La Responsabilité éthique face au développement biomédical, Louvain-la-Neuve, CIACO, 1987, p. 256 ; même auteur, "Bioéthique : du problème des fondements à la question de la régulation", in G. Hottois, C. Suzanne (dir.), Bioéthique et libre-examen, Université de Bruxelles, 1988, p. 107.

18 G. Hottois, "Liberté, humanisme...", in Evaluer la technique, op. cit., p. 88. Voir Dominique Janicaud, La Puissance du rationnel, Paris, Gallimard, 1985, p. 123, 146.

19 Cf. Raymond Ruyer, L'Utopie et les utopies, Paris, PUF, 1950, pp. 169-173.

20 Francis Bacon, La Nouvelle Atlantide (1627), in F. Bacon, Oeuvres philosophiques, morales et politiques, tr. fr. Lasalle et J.A.C. Buchon, Paris, 1836, p. 596.

21 G. Hottois, "Liberté, humanisme…", in op. cit., p. 88-89.

22 Pierre Simon, De la vie avant toute chose, Paris, Mazarine, 1979 ; cité par P. Goube de Laforest, in La Lettre périodique du C.E.R.P.H. (Université de Poitiers, Faculté de Médecine et de Pharmacie), 4, avril-mai 1995, p. 7.

23 Jacques Ellul, La Technique ou l'enjeu du siècle, Paris, Armand Colin, 1954, p. 131.

24 Cf. G. Hottois, Le Signe et la technique, op. cit., p. 50-52.

25 G. Hottois, ibid., p. 165. Pour une discussion plus approfondie, voir G. Hottois, Entre symboles et technosciences. Un itinéraire philosophique, Seyssel, Champ Vallon, 1996. Sur l'émergence d'une utopie technoscientifique dans les dernières années de ce siècle, voir Lucien Sfez, La Santé parfaite. Critique d'une nouvelle utopie, Paris, Le Seuil, 1995. Jeremy Rifkin s'applique plus particulièrement à analyser et à dénoncer les multiples formes de la marchandisation de la génétique et des biotechnologies dans son essai : Le Siècle biotech. Le commerce des gènes dans le meilleur des mondes, tr. fr. A. Bories et M. Saint-Upéry, Paris, La Découverte, 1998.

26 Hans Jonas, Le Principe Responsabilité. Une éthique pour la civilisation technologique, tr. fr. J. Greisch, Paris, Cerf, 1990, p. 13-14 (préface).

27 Ibid., p. 300.

28 Ibid., p. 301.

29 Ibid.

30 Ibid., p. 302.

31 Ibid., p. 190.

32 Ibid. Une bioéthique radicalement "préservatrice" est défendue par le biologiste Edward O. Wilson, théoricien de la sociobiologie (La Diversité de la vie [1992], tr. fr. M. Blanc, Paris, Odile Jacob, 1993, p. 401, 412-413).

33 H. Jonas, op. cit., p. 190.

34 Ibid., p. 191.

35 Ibid., p. 190.

36 Ibid., p. 191.

37 Ibid.

38 Ibid., p. 192.

39 Ibid., p. 191.

40 H. Jonas, Wissenschaft als persönliches Erlebnis, Göttingen, Vandenhoeck & Ruprecht,

1987, p. 38 ; même auteur, Le Principe Responsabilité, p. 42-43, 225.Voir la belle étude de Jacques Dewitte, "Préservation de l'humanité et image de l'homme", Etudes phénoménologiques, t. IV, 8, 1988, pp. 33-68.

41 H. Jonas, Le Principe..., p. 13, 49-50, 300-302. Voir Dominique Bourg, "Bioéthique : faut-il avoir peur ?", Esprit, mai 1991, p. 22-39 ; Wolfgang Erich Müller, "La responsabilité peut-elle être basée sur un impératif ?", in Gilbert Hottois et Marie-Geneviève Pinsart, Hans Jonas. Nature et responsabilité, Paris, Vrin, 1993, p. 149 sq. Sur le devoir de respect inconditionnel et le principe du caractère sacré de la vie humaine, voir Lucien Sève, Pour une critique de la raison bioéthique, Paris, Odile Jacob, 1994, pp. 117-205 ; Henri-Paul Cunningham, "A propos du sacré : Hans Jonas, H. T. Engelhardt Jr. et H. Küng", Ethique, 15, 1995, pp. 44-52.
42 Il s'agit là du principal cliché des contempteurs de la modernité techno-scientifique (qu'ils soient catholiques traditionalistes ou partisans de l'écologie "profonde"). Voir par exemple Dominique Folscheid, "Editorial", Ethique. La vie en question, 1, été 1991, p. 9 ; Michel Serres, "Un entretien avec M. Serres", Le Monde, 21 janvier 1992, p. 2. Cf. P.-A. Taguieff, "Améliorer l'homme ? L'eugénisme et ses ennemis", Raison Présente, 105, 1er trimestre 1993, p. 64-65.

43 J.-M. Thévoz, op. cit., p. 27.

44 Ibid. Du même auteur, voir "Générations présentes, générations futures, quelles priorités ?", in Denis Müller et René Simon (éd.), Nature et descendance. Hans Jonas et le principe "Responsabilité", Genève, Labor et Fides, 1993, pp. 73-84. Dans la perspective ouverte par Hans Jonas, voir Michel Lacroix, Le Principe de Noé ou l'Ethique de la sauvegarde, Paris, Flammarion, 1997 ; Roberto Andorno, La Bioéthique et la dignité de la personne, Paris, PUF, 1997. Pour une discussion critique et une problématisation, voir Denis Müller, Les Lieux de l'action. Ethique et religion dans une société pluraliste, Genève, Labor et Fides, 1992 ; même auteur, Les Ethiques de responsabilité dans un monde fragile, Genève, Labor et Fides, 1998 ; Bruno Cadoré, L'Expérience bioéthique de la responsabilité, Montréal-Namur, Fides-Artel, 1994 ; René Simon, Ethique de la responsabilité, Paris, Cerf, 1993 ; Hubert Doucet, "Un théologien dans le débat en bioéthique", Revue d'éthique et de théologie morale, "Le Supplément", n° 202, août-septembre 1997, pp. 17-37 ; Marc Neuberg (dir.), La Responsabilité. Questions philosophiques, Paris, PUF, 1997 (ensemble de textes fondamentaux).

45 Voir G. Durand, La Bioéthique, op. cit., p. 27-28 ; Xavier Thévenot, La Bioéthique. Début et fin de vie, Paris, Le Centurion, 1989, p. 5-6. Dans le même sens, cf. David J. Roy, "La biomédecine aujourd'hui et l'homme de demain. Point de départ et direction de la bioéthique", Le Supplément, 128, mars 1979, pp. 59-75 ; même auteur, "De la bioéthique", Prospective et Santé, 15, 1980, pp. 63-70.

46 Voir J.-M. Thévoz, op. cit., p. 22-23.

47 Ibid., p. 22, 24. Cf. "La bioéthique", Cahiers de bioéthique, 1, 1979, Québec, Presses de l'Université Laval ; Jean-François Mattei, La vie en questions : pour une éthique biomédicale (Rapport au Premier ministre), Paris, La Documentation Française, 1994.

48 Henri Wattiaux, Génétique et fécondité humaines, Louvain-la-Neuve, Publications de la Faculté de Théologie, 1986, p. V. Noëlle Lenoir définit, dans le même sens, l'éthique biomédicale (Aux frontières de la vie : une éthique biomédicale à la française, Paris, La Documentation Française, 1991, t. I, p. 16).

49 J.-M. Thévoz, op. cit., p. 25. Sur la bioéthique comme "champ" (field) plutôt que "discipline", cf. Laurence B. McCullough, "Methodological concerns in bioethics", The Journal of Medicine and Philosophy, 11/1, 1986, pp. 17-37 ; Guy Bourgeault, "Qu'est-ce que la bioéthique ?" (1989), in Marie-Hélène Parizeau (éd.), Les Fondements de la bioéthique, Bruxelles, De Boeck-Wesmael, 1992, p. 34 sq.

50 Otfried Höffe, article "Bioéthique", in O. Höffe (dir.), Petit dictionnaire d'éthique, édition française adaptée et augmentée par Lukas S. Sosoe, Paris, Le Cerf, 1993, p. 28-29.

51 G. Durand, op. cit., p. 30-31.

52 Pierre Deschamps, cité par G. Durand, ibid., p. 30. Cf. par exemple Georges David, "La construction pratique d'une déontologie", Pouvoirs, 56, 1991, pp. 77-86.

53 G. Durand, op. cit., P. 32.

54 Cf. Charles Larmore, Modernité et morale, Paris, PUF, 1993, p. 97.

55 Claude Bernard (1865), cité par A. Fagot-Largeault, L'Homme bioéthique, op. cit., p. 149.

56 C. Larmore, op. cit., p. 97, 106 sq.

57 J.-M. Thévoz, op. cit., p. 22.

58 G. Durand, op. cit., p. 62.

59 J.-M. Thévoz, ibid., p. 291. Sur les règles de la "bioéthique commune", voir Anne Fagot-Largeault, "La réflexion philosophique en bioéthique" (1989), in Marie-Hélène Parizeau (éd.), Les Fondements de la bioéthique, Bruxelles, De Boeck-Wesmael, 1992, p. 14-17.

60 Ibid., p. 24.

61 Ibid., p. 25. Aldo Leopold (1887-1948) est l'un des "précurseurs" que se reconnaît le mouvement écologiste aux Etats-Unis ; voir son étude : "The Land Ethic", in A Sand County Almanac, and Sketches Here and There, Oxford University Press, 1949.

62 V. R. Potter, "Aldo Leopold's Land Ethic revisited : two kinds of bioethics", Perspectives in Biology and Medicine, 30 (2), hiver 1987, p. 159.

63 Luc Ferry, "Tradition ou argumentation", Pouvoirs, 56, 1991, p. 5. L'extension du champ de la bioéthique et son institutionnalisation ont provoqué l'émergence d'une réflexion juridique sur les pratiques biomédicales. Voir Catherine Labrusse et Gérard Cornu (dir.), Droit de la filiation et progrès scientifiques, Paris, Economica, 1981 ; Claire Neirinck (dir.), De la bioéthique au bio-droit, Paris, Librairie Générale de Droit et de Jurisrudence 1994.

64 L. Ferry, art. cit., p. 6. Pour l'esquisse d'une bioéthique humaniste, voir Jean Dausset, "Des questions pour le présent et le futur", in M. J. Mélançon et R. D. Lambert (dir.), Le Génome humain, op. cit., pp. 37-48. Pour une défense de l'humanisme, cf. Bernard Williams, L'Ethique et les limites de la philosophie (1985), tr. fr. M.-A. Lescourret, Paris, Gallimard, 1990, p. 130-131 ; L. Ferry, "Morales laïques, morales sans transcendance ?", Notes de la Fondation Saint-Simon, 72, juin 1995.

65 Jean Bernard, La Bioéthique, Paris, Flammarion, 1994, p. 72. Dans le même sens, voir H. Tristram Engelhardt, Jr., "The foundations of bioethics : the attempt to legitimate biomédical décisions and health care policy", Revue de Métaphysique et de Morale, 92 (3), juillet-septembre 1987, pp. 387-399.

66 G. Durand, op. cit., p. 28. C'est ce qui justifie, selon Paul Ricœur, que l'on classe la bioéthique "dans la zone du jugement prudentiel", celle de la sagesse pratique, la "prudence" (Soi-même comme un autre, Paris, Le Seuil, 1990, p. 316-317).

67 David J. Roy, "L'éthique clinique", in La responsabilité éthique..., op. cit., p. 271 sq.

68 Karl-Otto Apel, "The a priori of communication and the foundation of the humanities", Man and World, vol. 5, février 1972, p. 7 ; même auteur, "L'a priori de la communauté communicationnelle et les fondements de l'éthique", in K.-O. Apel, L'Ethique à l'âge de la science, tr. fr. R. Lellouche et I. Mittmann, avant-propos de l'auteur et introduction de R. Lellouche, Presses Universitaires de Lille, 1987, pp. 43-49. Voir D. J. Roy, art. cit., pp. 271-273 ; A. Fagot-Largeault, "La réflexion philosophique…", art. cit., p. 11 sq.

Cuadernos del Norte nº 7

دفاتر الشمال - العدد السابع

Hosted by www.Geocities.ws

1