ساطع نور الدين
2005/05/25 محطة أخيرة

2005/05/24

محطة أخيرة
 

2005/05/25

محطة أخيرة

..وفي الذكرى الخامسة أيضا، لا يزال خطاب النصر على إسرائيل خطرا، بل لعله يزداد خطورة يوما بعد يوم، برغم أن لبنان لم يهزم، وبرغم أن مقاومته الشعبية حققت انتصارا فعليا، وبرغم أن ظروفه الاقليمية والدولية ساهمت في تحقيق ذلك الانجاز الفريد.
وإذا اتخذ ذلك الخطاب مبررا تعبويا، فإنه يسيء الى مصدره بقدر ما يسيء الى الجمهور الذي لا يمكن أن يخطئ في قراءة موازين القوى، كما لا يمكن ان يسهو عن الحاجة الى تحصين ما جرى في مثل هذا اليوم من العام 2000، وحمايته ورعايته.. والحؤول دون انقلابه رأسا على عقب.
الخطر الاسرائيلي ما زال قائما، لكنه تراجع الى حدوده الدنيا التي تسمح بالافتراض ان الاسرائيليين ما عادوا يرغبون في التطلع الى جبهتهم الشمالية.. حتى من اجل طلب توقيع معاهدة سلام، او طلب الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود حسبما كان الخطاب الاسرائيلي الموجه الى العرب جميعا قبل غزو لبنان في العام 1982.
من حق لبنان ان يفخر انه اخرج الاسرائيليين من أراضيه من دون قيد او شرط، لكن من واجبه ان يدرك ان اسرائيل هي التي قررت الخروج وحددت موعده والتزمت به حرفيا، ولم تكن تخشى من ذلك القرار.. ولا تزال حتى اليوم غير نادمة عليه، بل لعلها نادمة على التأخر في تنفيذه حتى 25 أيار العام 2000.
لكن ذلك الخروج لم يكن فقط نتيجة المقاومة المسلحة، التي كانت ولا تزال حتى اليوم تتلقى الطعنات في الظهر: في ذروة العمليات البطولية ضد المحتلين الاسرائيليين كانت الاصوات اللبنانية نفسها تنادي بنزع سلاح الميليشيات كافة وفق اتفاق الطائف الذي استثنى طائفة واحدة ولم يجردها من السلاح.
لم يكن العمق اللبناني للمقاومة مريحا، كان التعامل معها يستعيد تجربة المقاومة الفلسطينية التي كانت في الغالب تقاتل من اجل ان تفاوض او تصبح طرفا معترفا به على طاولات المفاوضات.. وكان يعتمد على الاشتباه المستمر حتى اليوم بأنها مقاومة سورية وإيرانية اكثر مما هي مقاومة وطنية، وذلك بناء على الرغبة الاسرائيلية المتكررة خلال السنوات الاخيرة من الاحتلال بالانسحاب من الجنوب خلال ستة اشهر اذا ما جرى نشر الجيش اللبناني في الحزام الامني.
يمكن الزعم اليوم بالتحديد أن المقاومة اللبنانية استغلت سوريا وإيران، أكثر مما استغلت دمشق وطهران تلك المقاومة لحساباتهما ومساوماتهما ومفاوضاتهما الخاصة. والدليل هو ان المحصلة اللبنانية لتلك السنوات كانت اكبر بما لا يقاس بما حققه البلدان جراء دعمهم لتلك العمليات المسلحة ضد المحتلين الاسرائيليين.
لكن ذلك لا يبرر خطاب النصر، بل يفترض المزيد من التواضع خاصة في مواجهة العدو الاسرائيلي، وفي مواجهة جمهور لبناني يصعب إقناعه بأن أي قوة حماية للحدود هي عمل وطني بامتياز.

2005/05/24

محطة أخيرة

..وفي اسرائيل ايضا احتفالات بالنصر ، بالخروج من لبنان بأقل قدر ممكن من الخسائر ، وبالهدوء الذي ساد الجبهة الشمالية طوال الاعوام الخمسة الماضية، اكثر من أي وقت مضى منذ انشاء الدولة اليهودية في فلسطين في العام 1948.
ليس هناك إحساس إسرائيلي بالهزيمة، بل بأن اسرائيل ارتكبت خطا فادحا عندما اجتاحت لبنان في العام 1982، حاملة مشروعا سياسيا طموحا جدا، فشل في الاسابيع الاولى للشروع في تنفيذه، وانهار كل شيء تقريبا مع مقتل الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل، وبدأت منذ ذلك الحين مسيرة الخروج الاسرائيلي من لبنان، التي امتدت نحو 18 عاما .
يومها توصل الاسرائيليون الى استنتاج تاريخي: بلغت دولتهم ذروة قدرتها على التوسع الجغرافي، والسيطرة على أراض عربية جديدة وعلى سكان عرب جدد ..مهما كانت المغريات، والنداءات التي تتلقاها اسرائيل من حلفاء مفترضين من اجل استخدام قوتها العسكرية الهائلة في تغيير الجغرافيا السياسية للمشرق العربي.
قال الاسرائيليون في حينه ان دولتهم بلغت ذروة مشروعها الجغرافي. هي تستطيع ان تدمر ثلاثة بلدان عرببة دفعة واحدة لكنها لا تستطيع ان تحتل وتحتفظ بما يعادل مساحة مستوطنة صغيرة، لم تستول عليها بالمال او برضا السكان، او على الاقل بعدم مقاومتهم. والمقاومة اللبنانية للغزو لم تكن عابرة ، كما ثبت انها لم تكن حالة فلسطينية، او في ما بعد حالة سورية او إيرانية. كانت تعبر عن عصبية وطنية فعلية.
وبعدما سقط المشروع الاول، حاولت اسرائيل بشتى الطرق الحصول على مكاسب سياسية للغزو. اتفاق 17 ايار 1983 لم يصمد، لكن مضمونه ظل مطروحا على بساط البحث وعلى طاولة المفاوضات الخاصة بالمسارين اللبناني والسوري، حتى كانون الثاني العام 2000، عندما توصلت اسرائيل الى حتمية الانسحاب من دون قيد او شرط مع لبنان، وبالكثير من القيود والشروط على سوريا، التي كانت تدير عملية التفاوض المزدوج حول الاحتلالين الاسرائيلي للجنوب والجولان.
كانت الادارة السورية للمفاوضات، معطوفة على المقاومة اللبنانية للاحتلال حاسمة في تحرير الجنوب .. وفي توصل الاسرائيليين الى الاستنتاج ان بقاءهم في الجنوب لم يعد مجديا، بل يمكن ان يؤدي الى فتح المفاوضات الجدية حول الجولان. اختاروا في النهاية الاحتفاظ بالمرتفعات السورية المحتلة.
لم يكن انسحابهم من الجنوب هدية للبنانيين، بل مجرد محاولة لفك ارتباطهم بالمسار السوري. وهو ما نجح في تعطيل المسارين وتلازمهما، وكانت الحصيلة النهائية كما توقعت اسرائيل وخططت بدقة متناهية: الهدوء يسود الجبهة الشمالية من الناقورة حتى اعالي الجولان، والنسيان يطوي فكرة الحاجة الى التفاوض مع دمشق وبيروت.
انتصرت اسرائيل او لعلها لم تهزم.. تماما مثل لبنان!

لعالم أكثر إنسانية

من الصحف

Hosted by www.Geocities.ws

1