|
..وفي الذكرى الخامسة أيضا، لا يزال خطاب النصر على إسرائيل خطرا، بل
لعله يزداد خطورة يوما بعد يوم، برغم أن لبنان لم يهزم، وبرغم أن مقاومته
الشعبية حققت انتصارا فعليا، وبرغم أن ظروفه الاقليمية والدولية ساهمت في
تحقيق ذلك الانجاز الفريد.
وإذا اتخذ ذلك الخطاب مبررا تعبويا، فإنه يسيء الى مصدره بقدر ما يسيء الى
الجمهور الذي لا يمكن أن يخطئ في قراءة موازين القوى، كما لا يمكن ان يسهو عن
الحاجة الى تحصين ما جرى في مثل هذا اليوم من العام 2000، وحمايته ورعايته..
والحؤول دون انقلابه رأسا على عقب.
الخطر الاسرائيلي ما زال قائما، لكنه تراجع الى حدوده الدنيا التي تسمح
بالافتراض ان الاسرائيليين ما عادوا يرغبون في التطلع الى جبهتهم الشمالية..
حتى من اجل طلب توقيع معاهدة سلام، او طلب الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود
حسبما كان الخطاب الاسرائيلي الموجه الى العرب جميعا قبل غزو لبنان في العام
1982.
من حق لبنان ان يفخر انه اخرج الاسرائيليين من أراضيه من دون قيد او شرط، لكن
من واجبه ان يدرك ان اسرائيل هي التي قررت الخروج وحددت موعده والتزمت به
حرفيا، ولم تكن تخشى من ذلك القرار.. ولا تزال حتى اليوم غير نادمة عليه، بل
لعلها نادمة على التأخر في تنفيذه حتى 25 أيار العام 2000.
لكن ذلك الخروج لم يكن فقط نتيجة المقاومة المسلحة، التي كانت ولا تزال حتى
اليوم تتلقى الطعنات في الظهر: في ذروة العمليات البطولية ضد المحتلين
الاسرائيليين كانت الاصوات اللبنانية نفسها تنادي بنزع سلاح الميليشيات كافة
وفق اتفاق الطائف الذي استثنى طائفة واحدة ولم يجردها من السلاح.
لم يكن العمق اللبناني للمقاومة مريحا، كان التعامل معها يستعيد تجربة
المقاومة الفلسطينية التي كانت في الغالب تقاتل من اجل ان تفاوض او تصبح طرفا
معترفا به على طاولات المفاوضات.. وكان يعتمد على الاشتباه المستمر حتى اليوم
بأنها مقاومة سورية وإيرانية اكثر مما هي مقاومة وطنية، وذلك بناء على الرغبة
الاسرائيلية المتكررة خلال السنوات الاخيرة من الاحتلال بالانسحاب من الجنوب
خلال ستة اشهر اذا ما جرى نشر الجيش اللبناني في الحزام الامني.
يمكن الزعم اليوم بالتحديد أن المقاومة اللبنانية استغلت سوريا وإيران، أكثر
مما استغلت دمشق وطهران تلك المقاومة لحساباتهما ومساوماتهما ومفاوضاتهما
الخاصة. والدليل هو ان المحصلة اللبنانية لتلك السنوات كانت اكبر بما لا يقاس
بما حققه البلدان جراء دعمهم لتلك العمليات المسلحة ضد المحتلين
الاسرائيليين.
لكن ذلك لا يبرر خطاب النصر، بل يفترض المزيد من التواضع خاصة في مواجهة
العدو الاسرائيلي، وفي مواجهة جمهور لبناني يصعب إقناعه بأن أي قوة حماية
للحدود هي عمل وطني بامتياز. |