كل ما هو صلب يتحول الى أثير 

 

مارشال بيرمان

 

إن الدرامة المركزية التي شهرت " البيان " هي قصة تطور البرجوازية و البروليتاريا الحديثتين ، و الصراع بينهما . غير أننا نستطيع أن نرى مسرحية متحركة في داخل هذه المسرحية ، صراعاً يجري داخل وعي المؤلف حول ما يجري فعلاً و حول ما يعنيه الصراع الأكبر . لنا أن نصف هذا الصراع معتبرينه توتراً بين صورتي " الصلب " و " الذائب " لدى ماركس عن العالم الحديث.

يحاول القسم الأول من البيان " البرجوازية و البروليتاريا " أن يقدم صورة عامة عما يعرف الأن باسم عملية التحديث ، و يُعدُّ خشبة المسرح لما يعتقد ماركس أنه سيكون ذروة ثورية . و هنا يصف ماركس اللب الهيكلي ( المؤسساتي ) الصلب للتحديث أو الحداثة . فقبل كل شيء هناك بروز السوق العالمية التي تبتلع و تدمر ، و هي في طريقها إلى الإنتشار ، كل الأسواق المحلية و الأقليمية التي تمسها . إن الإنتاج و الإستهلاك و حاجات الإنسان - تصبح أممية و كوزموبوليتية أكثر فأكثر . إن مدى الرغبات و المطالب الإنسانية يتسع أكثر من طاقات الصناعات المحلية فتنهار بالتالي . إن مستوى الإتصالات و المواصلات يصبح شاملاً للعالم ، و تظهر وسائل اعلام جماهيرية معقدة تكنولوجياً . يزيد رأس المال من تمركزه في أيد قليلة . فالفلاحون و الحرفيون المستقلون لا يستطيعون أن يتنافسوا مع الإنتاج الرأسمالي الهائل ، فيضطرون الى ترك الأرض و

اغلاق المحلات . يزداد الإنتاج تركزاً واتصافاً بالعقلانية في مصانع على درجة عالية من الأتمتة . ( ليس الأمر مختلفاً في الريف حيث المزارع تصبح " مصانع في الحقول " و حيث يغدو الفلاحون الذين لا يغادرون الريف بروليتاريا زراعية) . إن أعداداً واسعة من الفقراء المقتلعين من جذورهم تتدفق إلى المدن التي تتورم بصورة تكاد تكون سحرية ، وجائحية مفاجئة بين عشية و ضحاها . و من أجل أن تتم هذه التغييرات بقدر نسبي من الهدوء لا بد من حدوث بعض المركزة القانونية و المالية و الإدارية ، و هذا يجري حيثما تذهب الرأسمالية . تظهر الدول القومية و تراكم سلطات كبيرة ، على الرغم من أن هذه السلطات تتعرض باستمرار للنسف من جانب الأفق الدولي لرأس المال . و في الوقت نفسه يتفتح العمال الصناعيون تدريجياً على نوع من الوعي الطبقي و ينشطون أنفسهم ضد البؤس الحاد و القمع المزمن اللذين يعيشون فيهما . و فيما نقرأ هذا نجد أنفسنا على أرضية مألوفة ، فهذه السيرورات ما زالت على قدم و ساق من حولنا ، و قرن من الماركسية ساعد على ترسيخ لغة تسبغ عليها معنى .

و لكننا حين نتابع القراءة ، إذا قرأنا مركزين كل انتباهنا ، نرى أن أشياء غريبة تبدأ بالحدوث ، فنثر ماركس سرعان ما ينقلب فجأة إلى لغة متألقة ، وهّاجة ، كشّافة ، صور متلألئة تتعاقب و تختلط بعضها ببعض ، إننا مدفوعون بقوة شيطانية ، بحدّة لاهثة . فماركس لا يكتفي بوصف السرعة اليائسة و الإيقاع المجنون الذي تسبغهما الرأسمالية على جميع جوانب ووجوه الحياة الحديثة فقط ، بل يقوم بإثارتها و حفزها . يجعلنا نحس بأننا جزء من الحركة ، من الفعل ، بأننا منجرون إلى التيار ، مدفوعون به ، خارج السيطرة و التحكم ، منبهرون و مهددون في الوقت نفسه من جانب الإندفاع المتقدم . و بعد عدد قليل من الصفحات من مثل هذا الكلام نجدنا مبتهجين و في حيرة ، نجد أن التشكيلات الإجتماعية الراسخة من حولنا و قد ذابت و تلاشت . و مع ظهور بروليتاريي ماركس أخيراً يكون المسرح العالمي الذي يفترض فيهم أن يؤدوا أدوارهم عليه قد تحلل و تحول إلى شيء غير قابل للتعرف عليه ، شيء غير واقعي ، إلى بنيان متحرك يدور  ، ينقلب و يغير شكله تحت أقدام الممثلين . يبدو و كأن الآلية الداخلية لصورة الذوبان قد طارت مع ماركس حاملة إياه- مع العمال و نحن - على جناحها بعيداً إلى ما وراء حبكته المرسومة ، إلى حيث سيتوجب على كتابته الثورية أن تعاد صياغتها من جديد بصورة جذرية .

إن المفارقات الكامنة في " البيان " جلية منذ البداية الأولى تقريباً : و بالتحديد منذ اللحظة التي يشرع فيها ماركس بوصف البرجوازية حيث يبدأ كلامه قائلاً : " لقد لعبت البرجوازية في التاريخ دوراً ثورياً للغاية " . إن ما هو مروّع في صفحات ماركس القليلة القادمة هو أنه يبدوكما لو جاء لا ليدفن البرجوازية بل ليمدحها . فهو يكتب ديباجة مزركشة ملأى بالعاطفة و مشحونة بالحماسة ، غنائية غالباً ، عن الأعمال و الأفكارو المنجزات البرجوازية . و بالفعل فإنه في هذه الصفحات ينجح في الإطراء على البرجوازية بقوة أكبر و بعمق أشد مما سبق لمنتسبيها أن عرفوا امتداح أنفسهم بمثلها من قبل .

ما الذي فعلته البرجوازية حتى استحقت مديح ماركس ؟ قبل كل شيء كان البرجوازيون " أول من أظهروا ما يستطيع نشاط الإنسان أن يحققه " . لا يعني ماركس أنهم كانوا أول من دشنوا       vita activa فكرة " الحياة النشطة "

، و هو موقف من العالم يتسم بالفعالية . فتلك كانت موضوعة مركزية في الثقافة الغربية منذ عصر النهضة ، لقد إكتسبت اعماقاً جديدة و أنغاماً طازجة في القرن الذي عاش فيه ماركس ، في عصر الرومنسية و الثورة ، في عصر نابليون و بايرون و " فاوست " غوته . و ماركس نفسه سوف يدفعها باتجاهات جديدة ، و ستظل تتطور حتى تصل إلى حقبتنا نحن . يقوم ماركس بالتركيز على أن البرجوازية قد أنجزت بالفعل ما كان الشعراء و الفنانون و المثقفون المحدثون يهجسون به حلماً . و هكذا فقد " خلقت عجائب تفوق الأهرامات المصرية و الأقنية الرومانية و الكاتدرائيات الغوطية " . و " قادت حملات و مغامرات أبقت سائر هجرات الأقوام و الحروب الصليبية السابقة في الظل " . إن عبقريتها المنصبة على النشاط و الفعالية تتبدى أولاً في مشاريع عظيمة من البنى المادية - من المصانع و المعامل ، من الجسور و الأقنية ، من السكك الحديدية ، و سائر المرافق العامة -التي تشكل انجاز فاوست الأخير . هذه هي الأهرامات و الكتدرائيات الخاصة بالعصر الحديث . و من ثم هناك الحركة الهائلة للشعوب ، نحو المدن ، نحو الحدود ، نحو أراضٍ جديدة ، هذه الحركة التي أوحت البرجوازية بها أحياناً بل و فرضتها بقوة و عنف أحياناً أخرى ، و موّلتها حيناً ثالثاً ، و استغلتها دائماً من أجل تحقيق الربح . و في فقرة مثيرة و مذهلة يقوم ماركس بنقل ايقاع الفعالية و النشاط البرجوازيين و الدراما المصاحبة لهما إذ يقول :

" وخلقت البرجوازية ، منذ تسلطها الذي لم يكد يمضي عليه قرن واحد ، قوى منتجة تفوق في عددها و عظمتها كل ما صنعته الأجيال السالفة مجتمعة . فإن إخضاع قوى الطبيعة، و استخدام الآلات و تطبيق الكيمياء في الصناعة و الزراعة ، ثم الملاحة التجارية و السكك الحديدية و التلغراف الكهربائي ، و هذه القارات الكاملة التي كانت بوراً فأخصبت ، و هذه الأنهار و الترع التي أصلحت و راحت البواخر تمخر عبابها ، و هذه الشعوب التي كأنما قذفتها من بطن الأرض قوة سحرية ، أي عصر سالف و أي جيل مضى كان يحلم بأن مثل هذه القوى المنتجة العظيمة كامنة في قلب العمل الإجتماعي ! "

لم يكن ماركس أول أو آخر كاتب يمجد انتصارات التكنولوجيا البرجوازية الحديثة و التنظيم الإجتماعي البرجوازي الحديث . و لكن أنشودته المفعمة مديحاً متميزة فيما تؤكده من جهة و فيما تتركه جانباً من جهة ثانية ، سواء بسواء ، على الرغم من أن ماركس يعتبر نفسه مادياً ، فإنه ليس مهتماً ، بالدرجة الأولى ، بالأشياءالتي يقوم البرجوازيون بخلقها . فما يهم بالنسبة له هو مسلسل العمليات و الطاقات و أشكال التعبير عن الحياة و الطاقة الإنسانيتين : أناس في غمرة العمل ، في غمرة الحركة ، منشغلين بالزراعة ، بالتواصل و الإتصال ، بتنظيم الطبيعة و أنفسهم و إعادة تنظيمهما - الأنماط الجديدة و المتجددة تجدُّداً لا نهائياً للنشاط التي يخلقها البرجوازي . لا يتوقف ماركس كثيراً عند اختراعات و تجديدات محددة ليتأملها بذاتها ( جرياً على التقليد الممتد من سان سيمون إلى ماك لوهان ) ، فما يثيره هو السيرورة النشيطة الولود التي يتحول فيها شيء ما إلى غيره ، تنقلب فيها الأحلام إلى مشاريع و مخططات ، و الأوهام إلى فواتير ، و الأفكار المغرقة في الجموح و المبالغة تغدو أفكاراً عملية يجري التعامل معها و بها : " هذه الشعوب التي كأنما قذفتها من بطن الأرض قوة سحرية " ، أفكاراً توقد و تغذي أشكالاً جديدة من الحياة و الفعل .

أما السخرية التي تنطوي عليها الفاعلية البرجوازية ، كما يراها ماركس ، فتكمن في أن البرجوازية مضطرة لأن تنغلق على أغنى إمكانياتها ، هذه الإمكانيات التي يستحيل تحقيقها إلا على أيدي أولئك الذين يحطمون سلطتها . على الرغم من جميع أشكال النشاط الرائعة التي أوجدتها البرجوازية فإن الفعالية الوحيدة التي تعني شيئاً حقيقياً بالنسبة لأعضائها هي فعالية جني المال ، مراكمة رأس المال ، تكويم القيمة الزائدة ؟ فجميع مشاريعها ليست إلا وسيلة  لهذه الغاية ، ليست بحد ذاتها إلا هموماٌ عابرة و انتقالية وسيطة . أما القوى و العمليات النشيطة التي تعني كل هذا شيء الكثير بنظر ماركس فلا تبدوا إلا نتاجات ثانوية عابرة في أذهان منتجيها . غير أن البرجوازية رسخت أقدامها بوصفها الطبقة الحاكمة الأولى التي كانت سلطتها مرتكزة لا على هوية أجدادها و أسلافها بل على ما يفعلها منتسبوها بأنفسهم حقيقة . إن البرجوازيين أنتجوا صوراً حية جديدة و مخططات طازجة عن الحياة الطيبة بوصفها حياة مفعمة بالحركة و الفعل . و قد برهنوا على إمكانية تغيير العالم فعلاً عبر العمل المنظم و المنسق .

يا للهول ! لا يستطيع البرجوازيون ، لسوء حظهم ، أن ينظروا من أعالي الطرق التي قاموا بفتحها : فالأفاق و الأمداء العظيمة الواسعة قد تنقلب إلى هُوى سحيقة . لا يستطيعون أن يستمروا في أداء دورهم الثوري إلا من خلال التنكر لمداه و عمقه الكاملين . و لكن المفكرين و العمال الراديكاليين أحرار في رؤية المكان الذي تقود إليه هذه الطرق ، و في السير عليها . إذا كانت الحياة الطيبة هي حياة  العمل و الفعل فلماذا ينبغي تحديد مدى النشاطات الإنسانية بتلك العملية المربحة ؟ و لماذا يتعين على الناس الحديثين ، الذين رأوا مدى ما يمكن للنشاط البشري أن يحققه ، أن يسلموا ، بسلبية ، ببنية مجتمعهم على أنها بديهية ؟ و إذا كان الفعل المنظم و المنسق يستطيع أن يغير العالم من كل هذه الوجوه الكثيرة ، فلماذا لا يتم التنظيم و العمل الجماعيين و الكفاح من أجل المزيد من التغيير ؟ إن " النشاط الثوري ، النشاط العملي - الإنتقادي " الذي يطيح بالحكم البرجوازي سيكون تعبيراً عن الطاقات الفعالة و النشيطة التي أطلقتها البرجوازية نفسها . بدأ ماركس بمديح البرجوازية ، لا بدفنها ، و لكن ديالكتيكه ، إذا ما فعل فعله ، فإن الفضائل التي امتدح البرجوازية من أجلها هي نفسها التي ستدفنها في النهاية .

كان الإنجاز الكبير الثاني للبرجوازية متمثلاً بتحرير القدرة و الإندفاع الإنسانيين باتجاه التطور و النمو : باتجاه التغير الأبدي ، باتجاه الانتفاض و التجدد الدائمين في جميع مناحي الحياة الشخصية و الإجتماعية . و هذا الإندفاع ، يقول ماركس ، هو جزء لا يتجزأ من الأعمال و الحاجات اليومية للاقتصاد البرجوازي . فكل من له صلة بهذا الإقتصاد يجد نفسه خاضعاً لضغط منافسة لا تعرف معنى الرحمة ، سواء عبر السوق أو عبر العالم . و تحت كابوس الضغط ، يكون كل برجوازي ، من المتناهي في الصغر إلى المتناهي في القوة ، مضطراً لأن يجدد ، لا لشيء ، إلا ليبقى هو و عمله طافياً على السطح . فكل من لا يتغير تلقائياً سيغدو ضحية سلبية لتغيرات مفروضة بجبروت هائل من قبل أولئك الذين يتحكمون بالسوق . و هذا يعني أن البرجوازية ، ككل ، " لا تستطيع أن تعيش بدون التثوير الدائم لوسائل الإنتاج " .

و لكن القوى التي تقوم بصياغة الإقتصاد الحديث و دفعه لا يمكن تجزئتها و عزلها عن شمولية الحياة . فالضغط الحاد و الصارم الذي لا يرحم طلباً لتثوير الإنتاج محكوم بأن يفيض فيؤدي إلى قلب ما يسميه ماركس " شروط الإنتاج " ( أو " علاقات الإنتاج " من حين لأخر ) ، أيضاً ، " و معها كل الظروف و العلاقات الإجتماعية " .

و في هذه النقطة يقوم ماركس ، مدفوعاً بالديناميكية اليائسة التي يحاول الإمساك بها ، بقفزة خيالية عظيمة ليقول :

" فهذا الإنقلاب المتتابع في الإنتاج ، و هذا التزعزع الدائم في كل العلاقات الإجتماعية ، و هذا التحرك المستمر و انعدام الإطمئنان على الدوام ، كل ذلك يميز عهد البرجوازية عن كل العهود السالفة . فإن كل العلاقات الإجتماعية التقليدية الجامدة ، و ما يحيط بها من مواكب المعتقدات و الأفكار التي كانت قديماً محترمة مقدسة ، تنحل و تندثر ، أما التي تحل محلها فتشيخ و يتقادم عهدها قبل أن يصلب عودها . و كل ما كان تقليدياً ثابتاً يطير و يتبدد كالدخان ، و كل ما كان مقدساً يعامل باحتقار و ازدراء و يضطر الناس في النهاية إلى النظر لظروف معيشتهم و علاقاتهم المتبادلة بعيون يقظة لا تغشاها الأوهام " .  

أين يضعنا هذا كله نحن أعضاء " المجتمع البرجوازي الحديث " ؟ يضعنا جميعاً في مواقف غريبة و متناقضة . فحياتنا خاضعة لتحكم طبقة حاكمة ذات مصالح ثابتة ليس فقط في التغيير بل في الأزمة و الفوضى . فال " اضطراب المتصل و عدم الإطمئنان و القلق الدائمين " يساعدان عملياً على تعزيز دعائم هذا المجتمع ، بدلاً من تهديمهما . يجري تحويل الكوارث إلى فرص مربحة من أجل إعادة التنمية و التجديد ، كما أن عملية التحلل تعمل كقوة معبِّئة و بالتالي موحِّدة . فالشبح الوحيد الذي يقض فعلاً مضجع الطبقة الحاكمة ، و الذي هدد بالخطر الفعلي العالم إنما خلقته على صورتها هي ، إنه الشيء الوحيد الذي طالما تاقت إليه النخب التقليدية ( و بالتالي الجماهير التقليدية ) : شبح الإستقرار الثابت الطويل . و في هذا العالم لا يعني الإستقرار سوى الطاقة الضائعة . الموت البطيء ، في حين أن إحساسنا بالتقدم و النمو هو طريقنا الوحيد لمعرفة أننا على قيد الحياة معرفة أكيدة . فقولنا إن مجتمعنا يتهاوى و يتمزق لا يعني إلا أنه حي و معافى .

ما أنواع الناس التي تنتجها هذه الثورة الدائمة ؟ في سبيل البقاء داخل المجتمع الحديث لا بد للناس ، مهما كانت طبقاتهم ، من أن تتخذ شخصياتهم الشكل السائب و المفتوح لهذا المجتمع .

على الناس الحديثين و رجالاً و نساءً ، أن يتعلموا الولع بالتغيير : ليس فقط أن يكونوا منفتحين على التغيرات في حياتهم الشخصية و الإجتماعية ، بل أن يكونوا ايجابيين في المطالبة بها ، نشيطين في السعي إليها و إيصالها إلى حدودها القصوى . لا بد لهم من أن يتعلموا لا التوق و الحنين المرضي إلى الماضي ، لل " علاقات الثابتة المتجمدة " للماضي الفعلي أو المتخيل ، بل الإنتعاش بالحركية ، الإزدهار بالإستناد إلى التجديد المتطلع إلى التطورات المستقبلية في ظروف حياتهم و في علاقاتهم مع الناس الآخرين .

يأخذ ماركس هذا المثال التطوري من الثقافة الإنسانية الألمانية أيام شبابه ، من فكر غوته و شيلر و خلافائهم من الرومانتيكيين . ربما كانت هذه الموضوعة و تطورها - إذ ما زالت مفعمة جداً بالحياة في أيامنا هذه . و لعل إيريك ايريكسون  Eric Erickson هو أبرز دعاتها و أكثرهم تميزاً - هو أبقى المساهمات الألمانية في الثقافة العالمية . و ماركس واضح تماماً في ارتباطاته بهؤلاء الكتاب الذين يكثر الإقتباس منهم و الإشارة إليهم و إلى تراثهم الثقافي . و لكنه يدرك ، كما لم يفعل معظم من جاؤوا بعده - و الإستثناء الحاسم هو غوته العجوز ، مؤلف فاوست ، الجزء الثاني - أن النموذج المثالي ذا النزعة الإنسانية لفكرة التطور الذاتي تخرج من الواقع الناشىء للتطور الإقتصادي البرجوازي . و هكذا فإن ماركس ، على الرغم من كل القدح و الذم اللذين ينقضُّ بهما على الإقتصاد البرجوازي ، يتبنى و يحتضن بحماسة البنية الشخصية التي انتجها هذا الإقتصاد . تكمن مشكلة الرأسمالية ، هنا و في غير هذا من الميادين ، في أنها تدمر الإمكانية الإنسانية التي تخلقها . إنها ترعى ، بل تفرض في الحقيقة ، التطور الذاتي للجميع . و لكن الناس لا يستطيعون أن يتطوروا إلا بطرق محدودة و مشوهة . فتلك السمات و الدوافع و المواهب التي تستطيع السوق أن تستخدمها يجري اقحامها بقوة ( قبل النضج في معظم الأحيان ) في عملية التطور ، كما يتم حشرها و اعتصارها بيأس حتى لا يبقى منها شيء . أما كل ما عدا ذلك ، كل ما ليس قابلاً للتسويق ، فيتعرض لقدر بالغ الجبروت من القمع ، أو يتلاشى و يزول لعدم الإستعمال ، أو لأنه يغدو محروماً إلى الأبد من أية فرصة للعودة إلى الحياة مرة أخرى .

إن الحل الساخر و السعيد لهذا التناقض سيتم ، يقول ماركس ، حين " يصل تطور الصناعة الحديثة إلى قطع صلته مع الأساس الذي تقف عليه البرجوازية لدى انتاجها للمنتجات و حيازتها." إن الحياة و الطاقة الداخليتين للتطور البرجوازي ستقومان بتكنيس الطبقة التي كانت أول المبادرين إلى خلق هذا التطور . و نستطيع أن نلحظ هذه الحركة الديالكتيكية في ميدان التطور الشخصي بمقدار ما نلحظه في ميدان التطور الإقتصادي : في منظومة تكون فيها سائر العلاقات مزعزعة ، كيف يمكن لأشكال الحياة الرأسمالية - الملكية الخاصة ، العمل المأجور ، القيمة التبادلية ، الجري الذي لا يعرف الشبع وراء الربح - أن تبقى ثابتة و راسخة ؟ و حيث أصبحت رغبات الناس في كل الطبقات و أحاسيسهم مفتوحة و غير قابلة للاشباع ، كيف يمكن ابقاؤها مثبتة و مجمدة في أدوارهم البرجوازية ؟ فبمقدار ما يحتد المجتمع البرجوازي في حفز أعضائه على النمو أو الموت ، يصبح هؤلاء الأعضاء أشد ميلاً و احتمالاً لأن يتجاوزه من حيث النمو ، و يغدون أقوى عناداً في نضالهم باسم الحياة الجديدة التي دفعهم إلى البحث عنها عنوة .

و هكذا فإن الرأسمالية ستتعرض للإذابة بفعل حرارة طاقاتها المتوهجة بالذات . و بعد الثورة ، " في أثناء عملية التطور " ، و بعد إعادة توزيع الثروة ، و تكنيس الامتيازات الطبقية ، و تحرير التعليم و تعميمه ، و قيام العمال بالسيطرة على الطرق التي يتم بها تنظيم العمل ، عندئذ - هكذا يتنبأ ماركس في لحظة أوج البيان - عندئذ ، أخيراً :

" بدلاً من المجتمع البرجوازي القديم بطبقاته و صراعاته الطبقية ، ستكون لدينا رابطة يشكل فيها التطور الحر لكل فرد شرط التطور الحر للجميع " .

لذا فإن ممارسة التطور الذاتي ، بعد تحرره من متطلبات السوق و تشويهاتها ، تستطيع أن تتابع طريقها بحرية و عفوية . و بدلاً من أن تكون ، كما جعلها المجتمع البرجوازي ، كابوسا تستطيع أن تتحول إلى منبع للفرح و الجمال بالنسبة للجميع .

أريد أن أبتعد خطوة عن البيان الشيوعي للحظة لأؤكد على مدى أهمية النموذج المثالي التطوري الحاسمة لدى ماركس ، من أولى كتاباته إلى آخرها . فالمقال الذي كتبه في شبابه بعنوان " العمال المغرّب " في 1844 ، يرفع راية العمل الذي سيمكّن الفرد من " التنمية الحرة لطاقاته الجسدية و الروحية " كبديل انساني حقاً عن الكدح المغرّب . و في الايديولوجية الألمانية (1845-1846) يتركز هدف الشيوعية على " تطوير و تنمية كل القدرات الكامنة في الأفراد أنفسهم " لأن " كل فرد لن تتوفر له وسيلة رعاية و تنمية مواهبه في جميع الإتجاهات إلا حين يندمج مع الآخرين ، و بالتالي فإن الحرية الشخصية لا تكون ممكنة إلا في الجماعة . و في الجزء الأول من كتاب رأس المال ، في الفصل الذي يحمل عنوان " الآلة و الصناعة الحديثة " ، لا بد للشيوعية من أن تتجاوز تقسيم العمل البرجوازي و تتفوق عليه :

" لا بد من استبدال الفرد المتطورجزئياً ، الفرد المكتفي بأداء دور جماعي متخصص واحد ، بفرد كامل التطور ، فرد ملائم لجملة مختلفة من الأعمال ، فرد مستعد لمواجهة أي تغير في الإنتاج ، فرد لا تكون سائر الوظائف الإجتماعية المختلفة التي يقوم بها بالنسبة له ، سوى أنماط متعددة من توفير المدى الحر لقواه الطبيعية و المكتسبة "

و هذه الرؤيا للشيوعية هي رؤيا حديثة دونما التباس ، من حيث فرديتها أولاً ، و لكن من حيث نموذجها المثالي للتطور بوصفه شكل الحياة الطيبة ، حتى أكثرمن ذلك . فماركس هنا أقرب إلى بعض أعدائه البرجوازيين و الليبراليين منه إلى الدعاة التقليديين  للشيوعية الذين دأبوا ، منذ أفلاطون و أباء الكنيسة ، على تقديس نكران الذات ، على عدم الثقة بالنزعة الفردية أو ازدرائها ، و على الولع بنقطة ثابتة تشكل نهاية جميع المحاولات و المساعي و النضالات . و مرة أخرى نجد ماركس أكثر استجابة لما يجري في المجتمع البرجوازي من منتسبي البرجوازية و مؤيديها أنفسهم . فهو يرى في آليات (ديناميكيات) التطور الرأسمالي - تطور كل فرد على حدة و تطور المجتمع ككل على حد سواء - صورة جديدة عن الحياة الطيبة التي ليست حياة كمال نهائي ، ليست تجسيداً للجواهر الثابتة المحددة مسبقاً ، بل عملية نمو مستمر ، لا يعرف الإستقرار ، مفتوح الأفاق ، و لا يعرف معنى الحدود . و هكذا فإنه يأمل في شفاء جروح الحداثة و قروحها من خلال قدر أكمل و أعمق من الحداثة .

 

" حداثة التخلف ، تجربة الحداثة " 1993

مؤسسة عيبال للدراسات و النشر   


الكراس الأول

Hosted by www.Geocities.ws

1