مفهوم النهضة عند الحركات اليسارية العربية

د. هشام غصيب

 

بصورة عامة، فإننا نجد أن اليساريين العرب تفادوا ويتفادون الكلام عن النهضة والنهوض، ويفضلون التحدث عن التحرر الوطني والتنمية بالوسائل الاشتراكية. ونلمس هذا النزوع بجلاء لدى جميع المدارس اليسارية على اختلاف رؤاها ومشاربها. فهي تتفق جميعاً على إيلاء التحرر الوطني التنموي، أو ما يسمى الثورة الوطنية الديموقراطية في الأدبيات الماركسية العربية، الأهمية القصوى، لكنها تختلف في ما بينها بصدد مضمون هذه الثورة وطرائق تحقيقها. وحين يستعمل بعض اليساريين العرب مفهوم النهضة أو النهوض، فإنهم يستعملونه بتأثير التيار القومي تحديداً، لكنه يكسبونه معنى التحرر الوطني التنموي اليساري التقليدي.

وبرغم تعدد المدارس اليسارية العربية، إلا أنه يمكن تقسيمها إلى جناحين رئيسيين في ما يتعلق بموقفها من مسألة الثورة الوطنية الديموقراطية. فهناك الجناح الحزبي الرسمي، الإصلاحي الطابع، وهو الجناح الذي سيطر على الحركة اليسارية العربية منذ منتصف الثلاثينيات وحتى يومنا هذا. وقد تأثر هذا الجناح بصورة جوهرية بالموقف السوفييتي الرسمي وخطاب السلطة السوفييتية والدبلوماسية السوفييتية. وبعد إلغاء الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية الأوروبية، تبنى معظم هذا الجناح ضرباً ساذجاً من الليبرالية الاجتماعية. وبصورة عامة، فقد بنى هذا القسم من الجناح تصوره للثورة الوطنية الديموقراطية ليس ارتكازاً إلى تحليل ماركسي معمق للواقع التاريخي للأمة العربية، وإنما ارتكازاً إلى التحليلات السوفييتية الرسمية المنطلقة من مقتضيات الدبلوماسية السوفييتية المتغيرة. لذلك مال هذا الجناح إلى اعتبار النظام القطري العربي نظاماً تاريخياً طبيعياً، تماماً كما كانت تعتبره هيئة الأمم المتحدة أو الدبلوماسية السوفييتية. بل ذهب بعض اليساريين إلى اعتبار شعوب الأقطار العربية أمماً في طور التكوين. كذلك، وبرغم تأكيد الماركسية الكلاسيكية على الجوهر الاقتصادي الطبقي


فلئن كان التفتيت هو منطق الهيمنة الامبريالية، فإن الوحدة القومية على أسس تنموية هي منطق التحرر الوطني والاستقلال والتحديث.

4-وأدرك الجناح الماركسي الثوري أيضاً أنه، لئن كان المجتمع العربي الحديث رأسمالياً تابعاً، وليس إقطاعياً تقليدياً، ولئن كانت سماته ما قبل الرأسمالية نابعة من كونه رأسمالياً تابعاً، لا من كونه إقطاعياً، فإن بورجوازيته هي في جوهرها ليست بورجوازية وطنية على غرار ما كان سائداً في المراكز الرأسمالية الكبرى، وإنما هي بورجوازية طفيلية تابعة تنقصها الثقافة البورجوازية الانتاجية الغربية. وهي لا تحمل في أحشائها مشروعاً تنموياً جديداً، على غرار البورجوازيات الغربية في مراحل صعودها، وإنما تجسد التبعية للرأسمال المركزي وتعد واحدة من آلياته الرئيسية. ومن ثم، فهي ليست في حالة مجابهة مع الامبريالية والقوى ما قبل الرأسمالية، وإنما هي مكمل لها. إنها ليست نقيضاً للواقع العربي الراهن، وإنما هي تعبير رئيسي عنه. وعليه، فإن التحالف معها ودعمها يعد تواطؤاً في ترسيخ الوضع القائم وإدامته. أما الموقف الصحيح فهو يتمثل في مواجهة البورجوازية التابعة في سياق تحقيق مهمات الثورة الوطنية الديموقراطية. فالبورجوازية التابعة ليست فقط غير مؤهلة لتحقيق هذه المهمات، وإنما هي أيضاً عائق أساسي من عوائق تحقيقها. إن على قوى التغيير أن تلجأ إلى تغيير علائق الانتاج الرأسمالية التابعة، التي تشكل أساس التبعية والتخلف في الوطن العربي، صوب علائق إنتاج تنموية تنطوي على فك الارتباط مع المراكز الامبريالية الكبرى وتخطي الرأسمالية وإطلاق الطاقات الانتاجية العربية المهدورة. ولكن، ما هي القوى المؤهلة فعلاً لتحقيق هذه المهمات الكبرى؟ إن الاجابة التقليدية لدى الجناح الماركسي الثوري هي أن الطبقات الكادحة من عمال وفلاحين وحرفيين وصغار موظفين وجنود هي المؤهلة، موضوعياً، لتحقيق هذه المهمات الكبرى. لكن ينقصها، بصورة عامة، الوعي والتنظيم والمنظمات الشعبية النشطة وتوحيد الجهود. ومن ذلك ينبع تأكيد هذا الجناح على الدور المحوري للمثقفين الثوريين والحزب اللينيني الثوري. فالمثقف الثوري المنظم هو الاسمنت المسلح الذي يخلق كتلة صلبة قادرة على الفعل التاريخي من الوسط الجماهيري الهلامي. إنه قوة الربط اللازمة لتكوين الطبقات الاجتماعية الواعية لدورها التاريخي. وبالطبع، فإن هذه الاجابة مثقلة بالاشكالات النظرية والواقعية، التي قد لا تجد حلاً لها ضمن إطار الواقع الراهن، وإنما ببروز بنى وأطر وظروف جديدة لما تنضج.

5-يعمد الجناح الماركسي الثوري إلى تفادي الفصل بين مهمات الثورة الوطنية الديموقراطية ومهمات الثورة الاشتراكية، وذلك بالنظر إلى كون القوة الاجتماعية ذاتها، أعني الكادحين بقيادة الطبقة العاملة، هي المخولة لتحقيق الثورتين.

فالمرحلتان أو الثورتان ليستا معزولتين عن بعضهما ولا مفصولتين زمنياً عن بعضهما، وإنما مندغمتان معاً اندغاماً جدلياً محكماً. بل إن مهمات الثورة الوطنية الديموقراطية لا يمكن أن تتحقق في الوطن العربي، وفق الجناح الثوري، إلا بالوسائل الاشتراكية. وبالتحديد، فإن القضية الكبرى التي تجابه الوطن العربي اليوم هي قضية علاقات الملكية وطبيعة القوى التي تتحكم في الموارد المادية والبشرية  للأمة العربية، بما في ذلك الأرض. ويرى الجناح الثوري أن جزءاً كبيراً ومهماً من هذه الموارد تتحكم فيه الإمبريالية الأميركية والصهيونية العالمية، إما بصورة مباشرة وإما عبر الفئات والعصابات الطبقية الطفيلية ومؤسسات الفساد المستشرية في الوطن العربي. ويرى أن المهمة الكبرى الملقاة على عاتق قوى التحرر القومي هي تحرير هذه الموارد من أيدي قوى النهب والهدر ووضعها تحت تصرف المؤسسات الديموقراطية الشعبية من أجل تسخيرها لإطلاق الطاقات التنموية الكامنة في الجماهير العربية وتنظيمها وبناء الإنسان العربي وقدراته.  وذلك على أساس خطة تنموية علمية شاملة تنفذ ديموقراطياً وشعبياً. وهذا فعل اشتراكي ديموقراطي. من ثم فإن تحقيق المهمات الوطنية الديموقراطية الكبرى، مثل الاستقلال الفعلي والوحدة القومية والتصنيع والإصلاح الزراعي والتحديث وتوفير شرط الديموقراطية والحرية، لا يمكن أن يتم إلا بالوسائل الاشتراكية، كالملكية العامة وبناء المؤسسات الديموقراطية الشعبية. فلما كانت الجماهير الشعبية المنظمة هي القوة اللازمة لتحقيق المهمات الوطنية الديمقراطية، كان لا بد أن ينطوي تنفيذ المهمات الوطنية الديموقراطية على تنفيذ بعض المهمات الاشتراكية على الأقل.

إن عملية الاستقلال الشاملة التي ينادي بها الجناح الماركسي الثوري تنطوي بالضرورة على تحرير الأرض العربية، المورد العربي الأول، من الهيمنة الاستعمارية، وفي مقدمتها الأرض الفلسطينية المحتلة، من قبل العدو الصهيوني. من ثم، فإن هذا الجناح يدعو إلى مقاومة هذا العدو بهدف تفكيكه وتصفيته في سيقا تصفية النفوذ الإمبريالي برمته، والذي يشكل الكيان الصهيوني رأس الحربة منه. هذا باختصار هو التصور اليساري العربي للنهضة والنهوض. إن النهوض، وفق الجناح الماركسي الثوري على الأقل، هو فعل وحدوي اشتراكي تنموي.

من مجلة الطريق – العدد الثالث 2000 .

الكراس الأول

Hosted by www.Geocities.ws

1