الاشتراكية والتحريفية في الاتحاد السوفياتي

 

أ‌.      ڤ. ڤازيولين

 

      تعاني الحركة الشيوعية في الوقت الحاضر من صعوبات جّدية عميقة. فثمة الكثير من الشيوعيين – وأنا أتحدث عن الشيوعيين السوڤيات – يفقدون الثقة في إمكانية بلوغ المجتمع الشيوعي. وقد صرح أحد خطباء الكونفرانس الحزبي في موسكو، بحضور أعضاء المكتب السياسي للحزب بما يلي: «لقد تبدد شبح الشيوعية عند الفجر».

   إن ما يحدث هو ضياع هدف الحركة الشيوعية النهائي. وضياع هذا الهدف هو ضياع جوهر الحركة ومغزاها العميق. ومهما قيل في ذلك، ومهما كانت التبريرات، فإن ضياع الهدف النهائي يعني سقوط الحركة. رداً على مقولة برنشتاين اللآتية: «إن الهدف النهائي ليس بشئ، الحركة هي كل شيئ»، كتب لينين: «إن عبارة برنشتاين المأثورة هذه تعبّر عن جوهر التحريفية ببلاغة تفوق بلاغة الكثير من الشروحات المستفيضة. أن يحدد المرء سلوكه تبعاً لكل حالة ووضع، أن يتكيف تبعاً لأحداث الساعة، لتغيرات الأمور السياسية الطفيفة، أن ينسى مصالح البروليتارية الجذرية والسمات الأساسية لمجمل النظام الرأسمالي ولكل التطور الرأسمالي، أن يضحّي بهذه المصالح الجذرية من أجل منافع وقتية، فعلية أو مفترضة: تلك هي السياسة التحريفية. ومن جوهر هذه السياسة بالذات يُستنتج أنه بإمكانها اتخاذ أشكال متنوعة إلى ما لا نهاية، وأن كل مسألة «جديدة» نوعاً ما، وكل انعطاف ضروري وغير متوقَّع نوعاً ما في الأحداث – ولو أدى هذا الانعطاف إلى تعديل خط التطور الأساسي، بدرجة ضئيلة جداً ولأقصر فترة من الوقت – سيولِّدان حتماً هذه الألوان أو تلك من التحريفية». إن الاتحاد السوفياتي يمر الآن، كما أرى، بمرحلة «تغيِّر فيها الأحداث خط التطور الأساسي».

   إن التاريخ، بالرغم من كل الصدف والتعرجات والانقطاعات، يتطور محكوماً بفعل قوانينه التي تنشأ، بطبيعة الحال، في عملية نشاط الناس. والناس ينشطون إيجابياً، ويسعون وراء أهدافهم ورغباتهم، ويعملون على إشباع حاجاتهم، إلخ... في ظروف موضوعية محددة. وتتجلى قوانين التاريخ في نتائج نشاط جماهير الناس الناشطين في ظروف معينة والساعين إلى أهداف قلَّما تكون متشابهة. وإذا ما تناولنا تاريخ البشرية ككل، فإن بحثه العلمي يتيح إظهار مسار التاريخ الأساسي، المقونن، الذي لا يوجد، بالطبع، دون إرتباط بالصدف والتعرجات ... إلخ، ولكن ثمة، مع ذلك، مساراً مقونناً للتاريخ. إن هذا المسار يقود البشرية أكثر فأكثر إلى أن تتكتل في كل موحَّد، وإلى أن يكون بمقدورها حل مسائلها الحياتية المهمة بصفتها كلاً موحَّداً. فانعدام وحدة البشرية الكافية لا يتيح حل مسألتي القضاء على الحروب وإزالة الخطر الإيكولوجي والكثير غيرهما حلاً جذرياً. ولكن لهذه العملية، عملية تكتُّل البشرية في كل موحد، قوانينها الخاصة. ولا يجوز أن نترك السلام يغشي أبصارنا، فنرتمي في أحضان الرأسمالية، ونتخلى عن اعتبارها عدواً، بل نكاد أن نعتبرها الصديق الأقرب.

   إن مسار التاريخ المقونن يقود إلى تاريخ البشرية الحقيقية – أي الشيوعية – الذي يبدو تاريخ البشرية السابق كله، بالنسبة إليه، ما قبل تاريخها (قبتاريخها)، ويستطيع الشيوعيون الإسهام في تسريع هذه العملية فقط إذا استندوا إلى إدراك قوانين التاريخ، وإذا حققوا الحرية بما هي ضرورة مُدْرَكة، دون اللجوء إلى المغامرة (Aventurisme).

  إذا كانت الشيوعية – المجتمع الشيوعي – هي نتاج التاريخ السابق كله، ولكن المتميِّز عن هذا التاريخ، فيمكنها أن تتحقق بمثابة ظاهرة تاريخية – عالمية. وهذا ما نلاحظه بشكل خاص. إننا نلاحظ كيف تتحول البشرية أكثر فأكثر إلى كل موحِّد، وكيف تكتسب تلك المسائل الماثلة أمام البشرية طابعاً عالمياً بشكل متزايد. ولكن وجهة نظري هي أن حل هذه المسائل العالمية غير ممكن إلا إذا قُضي على تناحر الطبقات، ليس على أساس المهادنة في ما بينها، بل بالقضاء على التناحرات الطبقية تحديداً. وهذا لا يعني أننا حيال وجهة نظر دفع البشرية إلى الحرب النووية. فحفظ السلام أصبح في العصر الحاضر شرطاً ضرورياً لبقاء البشرية. ونحن نقصد حفظ السلام بمعنى القضاء على الحروب العالمية، الحروب التي تُستَخدم فيها الأسلحة النووية والكيميائية والبكتريولوجية وغيرها من أسلحة الإبادة الجماعية. ولكن هذا ليس سوى شرط ضروري لبقاء البشرية.

  أما العلاقات الطبقية فتنتمي إلى مجال الجوهر. وهنا يبرز وضع شديد التعقيد، فالطبقات والتناحرات الطبقية، من ناحية، لا تزال قائمة في العالم، كما ان التناحرات الطبقية لا تضعُف، بل تزداد حدة. ولكينفهم ذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار أن القوة الاقتصادية – والسياسية – المسيطرة في النظام الرأسمالي العالمي في نهاية المطاف، هي الشركات عابرة القومية والبنوك عابرة القومية، التي تتَّبع سياسة استغلالية على الصعيد العالمي. كما لا بد، من ناحية أخرى، تفادي خطر إبادة البشرية.

   أنا لست من أنصار التقارب مع الرأسمالية، الذي يجري الآن تطبيقه عملياً في الاتحاد السوفياتي. فنحن عندما نسعى الى التقارب مع الرأسمالية إنما نكون، أردنا ذلك أم لا، في صدد إحياء الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي، ودفع البلاد باتجاه التبعية الاستعمارية للبلدان الرأسمالية المتطورة. وفي هذه الحالة يجري الدفاع عن فكرة واحدة فقط، فكرة تُنزَل منزلة الفكرة الرئيسية، وهي البقاء على قيد الحياة، البقاء على قيد الحياة بأي ثمن. وحينذاك، بالطبع، لن يكون الحديث عن تحويل المجتمع بلاتجاه الشيوعي وارداً على الإطلاق. فليس ذلك، في هذه الحالة سوى مساومة مع الرأسمالية و تسليم مواقعنا إليها.و تعتمل من هذا الموقع، بطبيعة الحال، رغبة التخلي عن المثال الشيوعي، وتغدو الرأسمالية هي المثال.

  في المجتمع الطبقي، ولا سيما في المجتمع الطبقي التناحري – وكذا هو المجتمع الحديث – تتباين مصالح وقيم الطبقات غير المتناحرة المختلفة تبايناً جوهرياً، أما مصالح الطبقات المتناحرة وقيمها فتتعارض وتتناقض، وتنفي بعضها بعضاً نفياً متبادلاً.وإذا ما تناولنا عملية التطور، فإن جوهر كل عملية تطور ينطوي على اختلاف، أو تعارض، أو تناقض جانبي، علماً أن أحدهما يكون محافظاً، يحفظ هذه العملية، والآخر يكون ثورياً، ينفي العملية ويودي بها إلى الفناء. إذا افترضنا إمكانية المهادنة بين هذين الجانبين، وإنهاء الصراع الدائر بينهما، والتوصل إلى إحلال الوحدة بينهما محل الصراع، فإلامَ سيفضي ذلك؟ إنه سيفضي إلى أن العملية المذكورة ستظل موجودة، وسوف تنجو من الفناء. وبالتالي، إذا طُرحت أولوية الإنساني العام بمثابة توجُّه ستراتيجي بالنسبة إلى اختلاف المصالح والقيم الطبقية وتعارضها وتناقضها، فسيتم التخلي في الواقع، بالفعل، عن الهدف الستراتيجي، أي الصراع من أجل التغيير الجذري للظروف التي ينمو فيها هذا التناقض، التعارض، الاختلاف بين الطبقات، وسيعملون على تبرير الرأسمالية ويحاولون تأبيدها.

  إن الإرتكاز إلى وحدة الطبقات وتشابهها وتماثلها يمكن أن يُطرح بمثابة مهمة تكتيكية، خاضعة للنضال الستراتيجي من أجل محو الطبقات. علماً أنه تجدر الإشارة بتشديد خاص إلى أن النضال من أجل محو الطبقات (بما هو هدف ستراتيجي) لا يُفترض أبداً أن يكون حرباً أو نضالاً مسلحاً بالضرورة (على الرغم من ضرورة الاستعداد لذلك دائماً). فالتغير في عملية التطور القائمة هو تغيّر كمي، غير جذري في هذه العملية. وطالما لا تتوفر في هذا البلد أو ذاك الظروف الموضوعية للإطاحة بالرأسمالية يمكن، ويتوجب، النضال من أجل إجراء بعض التحسينات الجزئية في وضع العمال والكادحين الآخرين. ولكنه يجب ألا يتحول أبداً إلى هدف بحد ذاته وينفصل عن الأهداف الستراتيجية، بل على العكس، يجب أن «يخدم» الهدف الستراتيجي.

   إن التفسير الإنساني العام والطبقي، المهيمن حالياً في الاتحاد السوفياتي، يتضمن، بمثابة هدف ستراتيجي، تحقيق المصالح والقيم الإنسانية العامة المفهومة بكونها مصالح وقيم متشابهة ومتماثلة وموحدة، والموجودة حالياً في الواقع بمثابة تشابه المصالح والقيم الطبقية المختلفة، المتعارضة والمتناقضة وتماثلها ووحدتها. وينجم عن هذا التفسير بالضرورة، أو إنه يفترض بالضرورة تجاهل، لا بل النفي الصريح لفهم أن مصالح البشرية وقيمها الجذرية، الجوهرية لا تكمن في تشابه، تماثل، وحدة الطبقات، إنما تجسدها الطبقة (أو الطبقات) الثورية الحقيقية تحديداً.

   لو رجعنا إلى القول إن الشيوعية هي نتاج التاريخ السابق كله، نخلص من ذلك إلى أن مرحلة الانتقال من التاريخ السابق إلى الشيوعية هي أطول بكثير مما نتصوره عندما نفكر بأن الانتقال إلى الشيوعية هي مجرد انتقال من الرأسمالية الى المجتمع الجديد. وإذا أردنا مقارنة الانتقال من التاريخ المعروف إلى الشيوعية بشيئ آخر، فينبغي مقارنته بالانتقال من المجتمع الماقبل طبقي إلى المجتمع الطبقي، فالانتقال من المجتمع الطبقي إلى المجتمع اللاطبقي ليس انتقالاً من الرأسمالية وحدها، فتطور المجتمع يجري بحركة لولبية: من المجتمع البدائي إلى المجتمعات الطبقية – التناحرية، ومن المجتمعات الطبقية – التناحرية إلى المجتمع اللاطبقي، المجتمع الشيوعي. وتقف البشرية الآن عند نهاية المرحلة الثانية وبداية المرحلة الثالثة من هذه الحركة. ويحدث نفي النفي: نفي المجتمع الطبقي – التناحري – مع الحفاظ على كل ما هو إيجابي فيه، وما يشبه العودة إلى المرحلة الأولى من الحركة اللولبية على أساس جديد وأرقى. إن تصنيف «مراحل» هذه الحركة اللولبية المتبع حالياً هو التالي: المجتمع الماقبل طبقي، المجتمع الطبقي، والمجتمع اللاطبقي. وهذا التصنيف غير كافٍ. فيم تكمن عدم كفايته؟ إن مركز هذا الصنيف هو المجتمع الطبقي. والطبقي يُحدَّد إيجابياً، أما المجتمعان الآخران فيُحدَّدان نفياً للطبقي (الماقبل طبقي واللاطبقي)، أي أن نقطة الحساب هنا هي المجتمع الطبقي. وهكذا، يبدو لي أن الوقت قد حان لكي يكون المجتمع الشيوعي هو نقطة الحساب. ووفقاً لذلك، أقترح تصنيفاً آخر يختلف عن التصنيف المذكور أعلاه. إنني أنظر إلى المجتمع الشيوعي باعتباره مجتمعاً بشرياً ناضجاً، أما التاريخ السابق فيبدو بمثابة نشوء البشرية وتشكُّلها.

  والمجتمع الناضج هو المجتمع المتشكل، القادر على توفير الإشباع الأمثل لحاجات أفراده البيولوجية، وبالتالي، الذي يلغي الصراع بينهم من أجل البقاء البيولوجي. وتقف البشرية الآن عند نهاية عملية التشكل هذه وبداية تكوُّن المجتمع الناضج. إذا ما عدنا إلى آجال الانتقال من المجتمع المتشكل إلى المجتمع الناضج، فمن الواضح أنها تبدو في هذه الحالة أطول بكثير مما لو كنا نفكر بأن الانتقال يتم من الرأسمالية إلى الشيوعية. بالتأكيد نحن ننتقل من الرأسمالية، ولكن الرأسمالية هي جزء فحسب من التاريخ يسبق الشيوعية. ومن هنا يُستنتج أيضاً أن الانتقال في هذه الحالة أكثر تعقيداً مما لو كنا نفترض أننا ننتقل من الرأسمالية فقط.

   إن دراسة مسار التاريخ العام تتيح الكشف عن أفق تطور البشرية، والأفق البعيد تحديداً (إذا اتخذت البشرية، بالطبع، التدابير التي تكفل لها البقاء على قيد الحياة). في حين يغيب حالياً فهم الترابط بين المهمات القريبة والمهمات المستقبلية، مهمات بناء أعلى أطوار الشيوعية. إنهم يسلكون بشكل رئيسي (في الاتحاد السوفياتي على أقل تقدير) طريق التجارب والأخطاء، أي أنهم يخبطون خبط عشواء. ولا يضعون سوى الأهداف القريبة، أما الأهداف البعيدة فلا يحددونها.

   وإذا لم نضع نصب أعيننا الأهداف البعيدة فقد نسير سيراً متعرجاً، أو قد ننحرف عن الطريق، لا بل قد نعود القهقري دون أن ندري أننا نفعل ذلك.

أن الهدف بالتأكيد، يجب أن يكون مُثبتاً علمياً كي لا نضل مسار التاريخ.

أما ما نفعله نحن فإما وَضْع الأهداف القريبة فقط (يقول الأكاديمي بوغومولوڤ صراحةَ إنه يجب بعث معادلة برنشتاين «الهدف النهائي ليس بشيئ، الحركة هي كل شيئ»)، أو أننا نتجه نحو الرأسمالية، أي نعود القهقري ونظن أننا نسير قُدُماً.

وإذا أضاعت الحركة الشيوعية العالمية ككل – أو أي من الأحزاب الشيوعية الأخرى – توجهها النهائي، أي البناء الواقعي للمجتمع الشيوعي الواقعي في المستقبل، فيضيع محور ارتكاز مجمل النشاط الشيوعي وحافزه، ولن يكون بالمستطاع، بطبيعة الحال، تحديد المهمات القريبة، الوسيطة تحديداً صحيحاً بما فيه الكفاية.

   إحياء العلاقات النقدية – السلعية في الاتحاد السوفياتي أمر ضروري، ذلك لأنه قد تمت الجتمعة التي حددت مستوى تطور الطابع الاجتماعي للإنتاج. ولكن من الأهمية بمكان أن نعي أن إحياء العلاقات النقدية – السلعية – بالرغم من أن هذه العلاقات ستستمر طويلاً – هو تراجع بالمقارنة مع ما قطعناه من أشواط سابقاً، وأن التراجع يجب أن يكون معتدلاً، لا أن يكون اندفاعاً باتجاه الرأسمالية، وأن مطلق علاقات نقدية – سلعية هي، في حقيقتها، علاقات اغتراب، وان الجتمعة الحقيقية ستشق لنفسها طريقاً، عاجلاً أم آجلاً، بصورة متزايدة. ويجب ألا يغيب عن أنظار الشيوعيين أن العلاقات النقدية – السلعية قد تزول في نهاية المطاف بمقدار ما تتشكل الظروف الموضوعية، المادية وغيرها لذلك، وأنه على الشيوعي أن يسهم في خلق هذه الظروف في نهاية المطاف. فإن العلاقات النقدية – السلعية التي تقوم على أساس انفصال المنتجين الاقتصادي، وبشرط استمراره، وبما أنها علاقات اغترابية بالضرورة، إنما تفترض، وبالضرورة نفسها، أن تكون علاقة الشاري ببائع السلعة بمثابة علاقته بوسيلة عيشه أو بقائه، أي أنها تفترض بالضرورة علاقة تجاه الانسان بمثابته وسيلة، وليس هدفاً. وإظهار ذلك بمظهر أنسنة الاشتراكية يعني الإيهام بأن الأسود أبيض. وتجري في الاشتراكية، إذا جاز القول، عملية إزالة طويلة ل«مخلفات» أشكال الاغتراب.

  ولا يجوز تقسيم الاشتراكية إلى اشتراكية إنسانية وأخرى لا إنسانية. وهي تولِّد موضوعياً، وبمثابة أكثر المهمات أهمية، مهمة تحويل الأنسان من وسيلة إلى هدف، هذا إذا كانت اشتراكية فعلاً. ويعتمد تحقيق هذه المهمة بشكل رئيسي على درجة تطور الإنتاج. فكلما كان الإنتاج أقل تطوراً في الاشتراكية ظل الانسان، فعلياً، وسيلة بدرجة أكبر. وكلما كان الإنتاج أكثر تطوراً في الاشتراكية كان بوسع الانسان أن يصبح هدفاً بدرجة أكبر. ولكن مهمة تحويل الانسان من وسيلة إلى هدف إنما تنشأ وتتحقق منذ نشوء الاشتراكية. ويتعين تحقيق هذه المهمة بالكامل ليس في «الاشتراكية الانسانية»، بل مع الانتقال إلى أعلى أطوار الشيوعية.

  لقد بات البعض في الاتحاد السوفياتي في الفترة الأخيرة يحددون الاشتراكية بصفتها الاشتراكية الديمقراطية، ويخلقون بذلك انطباعاً بأنه حتى الفترة الأخيرة إما أنه لم يكن ثمة اشتراكية أبداً، أو أن الاشتراكية كانت موجودة، ولكن دون ديمقراطية. فلو كان المقصود تطوير الديمقراطية الاشتراكية لما كان ثمة أي لبس في الموضوع. ولكنهم يتحدثون تحديداً عن الانتقال إلى الاشتراكية الديمقراطية، وبالتالي، من الاشتراكية اللديمقراطية.

طالما توجد الطبقات (ليس فقط بمصالحها المتطابقة جوهرياً، بل وبمصالحها المختلفة جوهرياً أيضاً)، وطالما لا يوجد تجانس اجتماعي في المجتمع سيظل قائماً الاختلاف الجوهري بين السلطة الممارَسة عملياً، بين المصالح المتحققة عملياً بواسطتها وبين الحريات والقوانين المعلنة. ولذا، فإن محاولات مماثلة الديمقراطية الحقيقية بالديمقراطية الشكلية تشهد على عدم إدراك علاقة البناء السياسي بالقاعدة الاقتصادية.

  إن الأمثلة التي أوردناها هي نذر يسير من التأكيدات الممكنة حول الاستيعاب المغلوط للواقع الاشتراكي. وهي بمثابة أمثلة عن المقاربة الانتقائية للاشتراكية، الخلط بين الاهداف الاشتراكية والشيوعية، ومن ثم تحويلها، بدرجة كبيرة، إلى أهداف طوباوية. تلك هي، مثلاً، الرغبة في إزالة الاغتراب إزالة تامة – الهدف الذي لا يمكن بلوغه تماماً، برأيي، إلا في أعلى أطوار الشيوعية – في ظل وجود العلاقات النقدية السلعية، الرغبة في تحويل الانسان تحويلاً تاماً من وسيلة إلى هدف (وهذه أيضاً لا يمكن تحقيقها، برأيي، إلا في أعلى أطوار الشيوعية) في الاشتراكية (حيث تكون شروط ذلك قد بدأت بالنضوج، ولم تنضج تماماً بعد)، الرغبة في إزالة الاختلاف بين الديمقراطية الحقيقية والديمقراطية الشكلية في الاشتراكية (التي لا يمكن تحقيقها إلا عندما تسود فعلياً سلطة الشعب كله، أي عندما تتلاشى الحاجة إلى السياسة والدولة والديمقراطية، بما هي شكل من أشكال الدولة، وهذه رغبة قابلة للتحقيق، برأيي، في أعلى أطوار الشيوعية). وهم يريدون الحصول على كل ذلك في ظل السوق الحر، محاولين إفساح المجال أمامه من دون صياغة مفهوم نظري متكامل عن الاقتصاد السياسي للاشتراكية، بواسطة استعارة الممارسة العملية في البلدان الرأسمالية المتطورة، والأفكار الموضوعة وفقاً لهذه الممارسة. أما السوق الحر، في ظل هذا التوجه السياسي – النظري، فيضاعف في الواقع التمايز الاجتماعي والاغتراب والاختلاف بين الديمقراطية الحقيقية والديمقراطية الشكلية، وكل ذلك في ظل الوهم المتزايد بتحول الإنسان إلى هدف، في حين إنه يصبح في الحقيقة وسيلة بدرجة أكبر مما هو الآن.

  لقد بُنيت الاشتراكية في بلادنا، وهي موجودة الآن. وقد اجتازت الاشتراكية قانونياً في تطورها مرحلة التطوير الانتشاري للاقتصاد، وبدأت تنضج ضرورة الانتقال إلى تطوير الاقتصاد المكثف منذ أواسط الخمسينات ومطلع الستينات. وهذه الحاجة لم تُدرَك إدراكاً كافياً ولم تُحقَّق. فراحت تظهر بالارتباط مع ذلك مشكلات النمو، وظلت هذه المشكلات فترة طويلة دون حل. وفي السبعينات ومطلع الثمانينات أصبح اقتصادنا يقترب من الأزمة، وذلك بالارتباط مع أزمة الطاقة في البلدان الرأسمالية، وبالارتباط مع ضرورة الانتقال إلى المرحلة الجديدة من الثورة التقنية – العلمية، وكذلك سبب سياسة قيادة الاتحاد السوفياتي قصيرة النظر وسلبيتها. وبدأت في السنوات الأخيرة محاولات إخراج البلاد من الوضع الاقتصادي الصعب. ولكن المسألة تكمن، بنظري، في أنهم راحوا يحاولون حل هذه المشكلات بطريقة غير شيوعية إلى حد كبير، وإنما بطريقة اشتراكية – ديمقراطية، لا بل من مواقع برجوازية سافرة. وبما أنني مختص بتاريخ الحركة الماركسية والحركة الاشتراكية – الديمقراطية استطيع القول إنهم يعملون في السنوات الأخيرة على إعادة إنتاج الإيديولوجيا الاشتراكية – الديمقراطية بشيئ مكّن التعديل.

  إن أنصار الپيريسترويكا الأدعياء عندنا ينسخون أفكار التحريفيين. فإذا قرأنا عمل لينين «الماركسية والتحريفية» نرى كأن المعني بالحديث هم «أنصار الپيريسترويكا» عندنا وأفكارهم. ويتكشف (أو يجري إعداد) مفهوم عام تتداخل حلقاته المختلفة بعضها في بعض وتترابط. فالمساومة مع الرأسمالية ونهج التقارب مع البلدان الرأسمالية المتطورة يقتضيان موقفاً محدداً تماماً من البلدان النامية.

إن هذا الموقف يصاغ كنظرية. وهذا الموقف، الذي ليس هو بالموقف اللينيني على الإطلاق، من بلدان «العالم الثالث» يكتسب شكلاً نظامياً. وسوف يكون لكل ذلك نتائج سلبية جداً، بالطبع، على الحركة الثورية في هذه البلدان.  

   إننا نسمع، هنا، أن علينا النضال من أجل رأسمالية محسنة، ولا سيما في البلدان التابعة.

ونسمع الكثير، أيضاً، عن تجديد الماركسية. فأين هو الحد بين التجديد والتحريف؟

أولاً، أنني أفضِّل كلمة «تطوير» على كلمة «تجديد»، ذلك أن الكلمة الأولى تنطوي على مفهوم الجدَّة، كما تنطوي على مفهوم التوارث. إن التحريفية عموماً، على الصعيد النظري – الإيديولوجي، هي نفي الماركسية ليس على أساس البحث العلمي الصارم (المتصل بكل ما هو موروث حتى هذه الحالة)، بل وفقا لمصلحة أنانية معينة. والحدود التي تفصل تطور الماركسية عن التحريفية كثيرة. لنأخذ، مثلاً، موقف التحريفية من مسألة الحقيقة. إذا كان الدوغمائيون يؤطلقون الحقيقة المطلقة، فإن التحريفيين يؤطلقون الحقيقة النسبية. إذا كانت كل المعارف نسبية وحسب، فليس بالمستطاع، في أفضل الحالات، سوى طرح المسائل والمشكلات ووجهات النظر المختلفة، دون التمكن من التوصل إلى الحقيقة. فالحقيقة النسبية لا يمكنها أن تكون حقيقة على الإطلاق. إن «الحقيقة النسبية» هي تناقض وهمي. فالحقيقة، خلافاً للأضاليل، واحدة. وإذا كان ثمة حقيقة، فلا يمكن فقط طرح المسألة، بل وأيجاد حل حقيقي، محدد لها. أما إذا كان كل ما نفكر به نسبياً فحسب، فإن المسألة هي الشيئ الوحيد المهم، وليس حلها، المهم هو تعددية الآراء، وليس الكشف عن النظرة الحقيقية. في هذه الحالة، أقولها جازماً، لا يمكن أن يكون أي خط واضحاً إطلاقاً. فهذا صحيح، وذلك صحيح، وهذا غير صحيح، وذلك غير صحيح، تلك هي إحدى سمات التحريفية. أما الماركسية فتجمع بين الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية في آن. ففي كل حقيقة نسبية توجد لمحة من الحقيقة المطلقة. إن الحقيقة لا يمكن أن تكون خالية من لمحة إطلاقية المعرفة، ولكن الحقيقة المطلقة لا توجد مستقلة عن الحقيقة النسبية. فالحقيقة تكف عن كونها حقيقة من دون نسبية المعرفة.

   وهاكم أيضاً سمة أكثر ملموسية من سمات الاختلاف بين الماركسية والتحريفية. أين تكمن التحريفية في شعار «الهدف ليس بشيئ، الحركة هي كل شيئ»؟ إنها تكمن في أن التخلي عن الهدف النهائي هو تخلٍ عن مهمات بناء المجتمع الشيوعي، وبالتالي، التخلي عن مهمات التغيير الجذري للمجتمع القائم، وهذا يعني موقفاً دفاعياً من المجتمع القائم، تبريراً له، وفهم مهمات الحركة أنها مهمات النضال من أجل تحسين الرأسمالية، وتناسي مهمات النضال من أجل الإطاحة بها. وكل ذلك مرتبط بنفي التطور. إن سمات التحريفية كثيرة جداً. إنها منظومة كاملة من الآراء الاقتصادية السياسية والفلسفية والسياسية – الاجتماعية. ما الذي يتطابق، مثلاً، مع نفي الهدف النهائي؟ نظرية التقارب مع الرأسمالية، الموقف السلبي من الحركة الثورية في البلدان النامية ونفي أهمية هذه الحركة. إن كل ذلك يمثل منظومة واحدة مترابطة.

  إذا كنا نعترف بأن الماركسية علم، أو أنها كانت علماً في وقت ما، فمن غير الممكن نكران الماركسية بكاملها. فبلغة الديالكتيك، يمكننا إلغاؤها، ماذا يعني ذلك؟ لِنَقُل إننا نستطيع تجديد الظروف التاريخية لنشاط الماركسية، وتبيان التغير في هذه الظروف التاريخية، ولكن مع ذلك، إذا كانت الماركسية تنشط، وإذا كنا متمسكين بوجهة النظر القائلة إن الماركسية علم، وبالتالي، إذا كنا نقر بوحدة الحقيقة النسبية والحقيقة المطلقة، ففي هذه الحالة، ومع تغير الظروف التاريخية والتعمق في فهم الماركسية، لن يكون من المكن نكرانها بالكامل، بل يتعين إلغاؤها، كما ألغت نظريةُ النسبية وميكانيكا الكم (Quantum Mechanics) ميكانيكا نيوتن، يتعين تغييرها مُظهرين محدودية الظروف التاريخية ومستوى انعكاس (تصوير) الواقع. إن ميكانيكا نيوتن لم تندثر، لم تبطل، بل جرى تدقيق شروط تطبيقها وتفسيرات بعض أفكارها وطروحتها. وبرأيي، قد حانت هذه اللحظة، أي أنه ثمة حاجة ماسة الآن إلى إلغاء الماركسية الديالكتيكي. وهذه ليست مجرد حاجة علمية، بل إنها حاجة تمليها ضرورات الحركة الثورية المعاصرة، وإلا سيكون من غير الممكن تدقيق أهداف الحركة الثورية المعاصرة وتحديدها على المستوى المعاصر، وبالتالي، صياغة برنامج الأحزاب الشيوعية العلمي الملائم للعصر الراهن. إلا أن إلغاء حالة النظرية الماركسية الراهنة ممكن، برأيي، على نحو ما فعل ماركس تقريباً. فقد وضع أولاً الفهم المادي للتاريخ، وألف من ثم «رأس المال» ونظرية القيمة الزائدة. إذاً، يجب أولاً النظر إلى تاريخ البشرية كله نظرة جديدة، وتبيان مساره العام المقونن. والنظرة الجديدة هي بمعنى الإلغاء الديالكتيكي تحديداً.

  لقد بحث ماركس، مثلاً المجتمع الرأسمالي بشكل أساسي، أما بقية المجتمعات فقد تناولها بالبحث بالارتباط مع المجتمع الرأسمالي.

لقد قال إنجلس إن الاقتصاد السياسي كله، بالمعنى العريض، ما زال في القماط. وصاغ ماركس الاقتصاد السياسي بالمعنى الضيق للكلمة (الاقتصاد السياسي للرأسمالية)، ولكنه لم يتممه بسبب صعوبة المهمة والمحدودية التاريخية، بالرغم من أنه قام بمجهود ضخم.

  أما الآن فيمكن، لا بل يجب، برأيي، النظر إلى التاريخ من زاوية المجتمع الشيوعي، ذلك لأن هذا المجتمع بات موجوداً، وإن يكن في شكله الابتدائي، غير الناضج. إن هذه المقاربة تتيح النظر إلى أهم مقولات وقوانين المادية التاريخية نظرة جديدة. لقد ألِفْنا مقولات «القوى المنتجة»، «علاقات الانتاج»، «الدولة»، «السياسة»، «أشكال الوعي الاجتماعي»... إلخ. وهذه المقولات تعيِّن مجالات الحياة الأساسية وبنية المجتمع. ولكن يتبين أن بنية المجتمع كانت تتغير على إمتداد التاريخ. وفي المجتمع الشيوعي، مثلاً، ستتغير بنية المجتمع نفسها ككل. فلا يجوز أن نعمُم بكل بساطة بنية مقولات «القوى المنتجة» و«علاقات الإنتاج» و«حقل السياسة، الدولة» و«أشكال الوعي الاجتماعي» التي بيَّنها ماركس لا على المجتمع الشيوعي ولا على المجتمع الرأسمالي دون تغييرات جوهرية. وهكذا، بالمناسبة، يفعل الماركسيون دائماً. فإذا ما تصدُّوا لتاريخ البشرية، يتبين لهم أنه من الممكن التنبؤ بكيفية تغير هذه البنية، وبالتالي، الكشف عن هدف الحركة الشيوعية وإثباته بمزيد من العمق، على المستوى المعاصر، بالشكل الذي يتطابق مع مسار التاريخ المقونن.

    وإذا كان بوسعنا دراسة المنطق، مسار التاريخ المقونن، ففي هذه الحالة فقط نستطيع التنبؤ بتلك التغيرات النوعية التي تجري مع الانتقال إلى الشيوعية. وعندها تتضح محدودية النظرات السطحية التي تنكر إمكانية قول أي شيئ مثبت علمياً عن الشيوعية، لأن التنبؤ، بحسب زعمها، غير ممكن إلا في صورة تعميم كمي لسمات المجتمع الحالي على مجتمع المستقبل. هذا تفسير تحريفي نموذجي لمنهجية التنبؤ، يقود إلى نفي هدف الحركة الشيوعية النهائي، وإلى مقولة «الهدف ليس بشيئ، الحركة هي كل شيئ».

   فمقاربة التاريخ من مواقع المجتمع الأكثر تطوراً – المجتمع الشيوعي – تتيح الكشف عن تلك النواحي في الفهم المادي للتاريخ، التي تبدو ثابتة بالرغم من أنها متغيرة في الواقع، لقد سبق وقلت إن بنية المجتمع العامة متغيرة. و لكن كل مكوِّن من مكوِّناتها هو متغيِّر أيضاً. وهكذا، فإن مفهوم القوى المنتجة نفسه متغيّر، وكذلك مفهوم علاقات الإنتاج. أما المادية التاريخية الحالية فتعتبر بنية المجتمع، وكذلك مكوِّناتها الأساسية، ثابتةً، ولذا تعممها، كالقالب الجاهز، على مختلف التشكيلات. ويعني ذلك إقفال الطريق أمام فهم تطور المجتمع، إمام فهم التطور العميق داخل التشكيلة الواحدة، وكذلك فهم التطور من تشكيلة إلى أخرى. ومفاد ذلك أنه توجد عدة تشكيلات، ولكن ليس ثمة حلقة وصل للانتقال من إحداها إلى الأخرى. والمثال الوحيد على ذلك أعطاه ماركس مطبقاً على الرأسمالية، ولكن ليس في صورة عامة، وإضافة إلى ذلك، مع الانصراف عن المعالجة الإيجابية لتلك التشكيلة التي تتحول التشكيلة الرأسمالية إليها.ولم يكن بوسع ماركس القيام بذلك، لأن الشيوعية لم تكن قد وُجدت بعد، حتى في شكلها غير الناضج. وهذا يعني أن الماركسية التقليدية لا تعطينا تصوراً دقيقاً بما يكفي عن الانتقال إلى المجتمع الشيوعي. إذاً، إن مهمة تطوير الماركسية لا تكمن في مجرد رفضها باعتبارها إما غير علمية على الإطلاق، أو أنها قد شاخت تماماً، و لا في استبدالها بشيئ آخر، بل تكمن في تحويلها إلى « جسم » نظري آخر مع الحفاظ على كامل مضمونها العلمي. وهذا أكثر صعوبة بكثير من مجرد التخلي عن مضمون الماركسية كله. فهذا، بالمناسبة، يتطلب إلماماً جيداً بالماركسية التقليدية. أما من وجهة النظر التحريفية فهذا الإلمام ليس ضرورياً، إذ يمكن «تطوير» الماركسية دون الإلمام بها. وهذا بالضبط ما يجري عندنا الآن.

   إن مسألة تطوير الماركسية لا تبرز الآن بشكل جاد وحسب، بل بأكثر الأشكال حدةً، وذلك لان الحركة الثورية العالمية تتعثر بنقص الصياغة النظرية. ويبدو لي أن أحد أهم أسباب التشتت والاهتزاز النظريين الآن هو أن كل طرف يحاول صوغ تصوره الخاص بالطرق الحرفية اليدوية. وأود القول أيضاً إن ثمة مقاربتين أساسيتين، برأيي، باتتا الآن واضحتين في الحركة الشيوعية في بلادنا: المقاربة الدوغمائية والمقاربة الانتهازية، ويجري التمايز في هذين الاتجاهين. وقد شجع ذلك، وتشجعه، حقيقة أنه، من بين الأمور الأخرى، يبرز غياب النظرية المتكاملة، إلى حد ما، عن المجمتع الاشتراكي، وكذلك – وهذا أمر بالغ الأهمية – غياب التنبؤ النظري بالمجتمع الشيوعي عند قادة حزبنا. فاليوم إما أنهم يأخذون الماركسية كاملة في صورتها التقليدية، أي يتعاملون معها دوغمائياً، أو يحاولون إثبات أن الماركسية قد شاخت كلياً بالنظر إلى الظاهرات الجديدة في حياة المجتمع، إن هذا، إذا أردنا أن نسمي الأشياء بأسمائها، ليس سوى تحريفية وانتهازية. وثمة في الواقع محاولات حثيثة لتوحيد الدوغمائية مع التحريفية والانتهازية.

   أن الانتقال من الدوغمائية إلى الانتهازية والتحريفية أسهل بكثير من الانتقال إلى نفي الماركسية الديالكتيكي. فأين تكمن هذه القرابة؟ إن الدوغمائي يتقبل كل شيئ تقبلاً تاماً، بما في ذلك الأشياء الشائخة، والانتهازي والتحريفي ينفيان حتى مضمون الماركسية الحقيقي، ولكن هذا، في كلتا الحالتين، هو نفي بسيط، ميتافيزيقي. وهو، في الحالة الأولى، نفي ميتافيزيقي للتطور اللاحق، أما في الحالة الثانية فهو نفي ميتايزيقي لما تم إنجازه وتحقيقه. فالأول يؤطلق نواحي الحقيقة المطلقة، والثاني يؤطلق نواحي الحقيقة النسبية. وكلاهما يفصل الأضداد بعضها عن بعض ويطيح بوحدتها. وكلاهما يتخذ من الماركسية موقفاً ميتافيزيقياً. أما متابعة تقليد الماركسية الفعلي فيجب أن تكون على أساس مقاربتها من موقع وحدة الأضداد، وكذلك – أعود فأكرر – على أساس تحقيق الإلغاء الديالكتيكي. أما الإلغاء الديالكتيكي فيعني وحدة التوارث والنفي. وتتيح قرابة الانتهازية والدوغمائية المنهجية لأنصارهما الأنتقال بسهولة من الأولى إلى الثانية وبالعكس. ولكن من الصعب الانتقال من الدوغمائية إلى الماركسية الإبداعية، وهذا، بالمناسبة، ما يفسر تلك الظاهرة التي نشأت عندنا حين بدأوا ينتقدون الدوغمائية، حيث راح آنذاك الكثيرون ينتقلون إلى الانتهازية. وهذا، عموماً، طريق نموذجي بالفعل، إذ لا يكاد الدوغمائي يشكك في آرائه حتى ينتقل إلى الانتهازية. ولذا، فإن إحدى مهمات الحركة الشيوعية تكمن، كما يبدو لي، في تجنب الأخطار الناجمة سواء عن التحريفية والانتهازية، أو الدوغمائية. وآمل، على كل حال، أن الحركة الشيوعية ستشق لنفسها طريقاً في نهاية المطاف نحو الماركسية الإبداعية. ولكن على الأرجع أن يكون ذلك في تلك البلدان التي تتفاقم فيها حدَّة التصادمات وحدَّة التناقضات الطبقية.

  إنني اعتقد أن مركز الحركة الثورية العالمية سينتقل إلى «العالم الثالث»، بالرغم من أنه ينبغي القول إن ماركس، مع ذلك، قد كتب «رأس المال» في أنكلترا أساساً، أي أن ذلك يحتاج إلى علاقات متطورة. أما من وجهة نظر إمكانات تطوير النظرية الماركسية، فإن النموذج الأكثر تطوراً الآن لبحث المجتمع هو مع ذلك، كما يبدو لي، الاتحاد السوفياتي، مثلما كانت إنكلترا الاكثر ملاءمة لوضع نظرية القيمة الزائدة. وهذا الوضع يُستنتج موضوعياً، بغض النظر عن رغبة هذا الشخص أو غيره. فقد عرف التاريخ موضوعياً بعض البلدان – ومنها إنكلترا في زمن ماركس – حيث كان يمكن رصد تقدم المجتمع المعاصر في أوضح صوره.

 

مجلة الطريق – العدد الثالث 1990

الكراس الأول

Hosted by www.Geocities.ws

1