مختارات

نصوص أدبية مختارة

عودة إلى الصفحة الرئيسية


  كرونولوجيا - عن النهار اللبنانية

24 آب 1899- ولد خورخي لويس بورخيس في بيونس آيرس، في منزل جده لأبيه قرب مركز المدينة.
1901- انتقلت العائلة إلى باليرمو حيث ولدت أخته نورا.
1908- انتسب إلى مدرسة الصبيان، ثم ترجم "الأمير السعيد" لأوسكار وايلد وهو في التاسعة من عمره.
1914- انتقل الأب شبه الأعمى مع عائلته إلى جنيف، حيث عاشوا مع الجدة من جهة الأم حتى 1918. مع اندلاع الحرب الأولى دخل بورخيس مدرسة "كالفن" في جنيف حيث تعرّف إلى اللغة الفرنسية.
1918- أمضت العائلة السنة في لوغانو حيث درس بورخيس الألمانية وقرأ هاينه، شوبنهاور، نيتشه، والتعبيرية الألمانية.
1919- انتقلت العائلة إلى إسبانيا، حيث قرأ بورخيس والت وايتمان وأعجب به لما تبقى من حياته، وتعرّف إلى أحد "معلّميه" رافاييل كانسينوس آسنس.
1923- ظهور أول مؤلف له هو "جميل بيونس آيرس" الذي طبعه والده على نفقته الخاصة، بعد عودة العائلة إلى الأرجنتين.
1925- بعد جولة في أوروبا، ظهر له "أبحاث" والكتاب الشعري "القمر مواجهةً". تعرّف إلى الأختين أوكامبو اللتين ستصبحان صديقتيه.
1930- ظهور الكتاب الشعري "كاديرنو سان مارتان" و"إيفاريستو كارييغو" وهو عبارة عن سيرة للشاعر كارييغو صديق الوالد.
1931- - 1932 مشاركة بورخيس في تحرير مجلة "سور" أهم المجلات الأدبية في أميركا اللاتينية. تعرّفه إلى صديقه "التوأم" أدولفو بيوي كاسارس.
1935- - 1937 أدار الملحق الأدبي لجريدة "كريتيكا"، ترجمة فيرجينيا وولف، ظهور "أنطولوجيا الأدب الأرجنتيني الكلاسيكي" بالاشتراك مع دومينيكان آرينا.
1938- - 1940 تدهوّر حالته الصحية إثر موت والده، ظهور كتاب "بيار مينار، كاتب كيشوت"، و"أنطولوجيا الأدب الفانتازي" بالاشتراك مع سيلفينا أوكامبو وكاسارس.
1941- - 1942 صدور المجموعة القصصية "حديقة الممرات المتشعّبة"، ترجمة "بربري في آسيا" لهنري ميشو، و"بستان النخل المتوحّش" لفوكنر. إختراع شخصية الكاتب بوستس دوميك الوهمية مع صديقه كاسارس.
1943- - 1946 صدور "قصائد" الذي يجمع انتاجه الشعري كله، و"قصص خيالية". ومع وصول بيرون إلى السلطة عيّن في وظيفة وضيعة، وأصبح رمزاً لمقاومة النظام التوتاليتاري.
1949- - 1953 ظهور "الألف" وأنطولوجيا "الآداب الجرمانية القديمة" مع ديليا إنييروس، "الأبحاث الجديدة" و"مارتن فييرو" مع ماغريتا غيّريو.
1955- ظهور "شقيقة إيلويز" مع لويزا مرسيديس ليفنسون. سقوط نظام بيرون وتعيينه مديراً للمكتبة الوطنية في بيونس آيرس ثم فقدانه البصر.
1957- - 1968 صدور "معجم علم الحيوان الوهمي" مع غيّريو، و"الكتاب" و"أنطولوجيا شخصية" و"كتاب المخلوقات الوهمية" مع غيّريو. نيله جائزة "فورمينتور" وتدريسه في جامعة تكساس الأميركية.
1969-1978- صدور "مديح الظل" وزيارته إلى إسرائيل. حصوله على دكتوراه فخرية من جامعتي أوكسفورد وكولومبيا. صدور "كتاب الرمل" و"الوردة العميقة" و"كتاب الأحلام" و"قصة الليل" و"أنطولوجيا أنغلوسكسونية موجزة" مع ماريا كوداما. حصوله على دكتوراه فخرية من السوربون.
1979- نيله جائزة ثرفانتس الإسبانية.
1981- - 1983 صدور "تسعة أبحاث حول دانتي" و"الرقم". نيل بورخيس دكتوراه فخرية من جامعتي بورتوريكو وهارفرد، وجائزتي "أولين يوزلتلي" المكسيكية، ووسام جوقة الشرف الفرنسي من رتبة فارس.
1985- صدور "لوس كونجورادوس" ، ونيله جائزة "إيتريرياس" في إيطاليا.
1986- تدهوّر حالته الصحية. زواجه من ماريا كوداما في 26 نيسان. موته في جنيف في 14 تموز حيث دفن في مدافن بلونبالي كما جاء في وصيّته.


خورخي لويس بورخيس [ملف]

* كرونولوجيا
* عشرون عاماً على وفاة ساحر الكلمة بورخيس - زينب عساف ( النهار 15 تموز 2006 )
* "صـنعـة الـشعـر" لـبورخـيـس في الـعـربية - زينب عساف ( النهار 1\2007)
* الشعر و فن حكاية القص -بورخيس ( المستقبل 14 أيار 2006)
* حول فن الشعر: الاستعارة - بورخيس ( المستقبل 21 أيار 2006 )
* كتاب الرمل - بورخيس ( القدس العربي )
عشرون عاماً على وفاة ساحر الكلمة بورخيس
نـــمـر أرجـــنــتــيــنـي بــربــطــــة عــــنـق صــــفـراء
زينب عساف
خورخي لويس بورخيس. نكتب الاسم ونحن نصغي إلى جرس الكلمات شبه الأسطوري. ثم نتخيّل عجوزاً أعمى في شقته، في بيونس آيرس، بطقم رسمي وربطة عنق صفراء. بعد ذاك نتردّد، أي صفة نضع أولاً: أحد كبار كتّاب العالم، أم أحد كبار قرّائه؟ هل يكفي أن يعجب امرؤ باللغة الألمانية، أن يقرأ نيتشه وهاينه وشوبنهاور، أن يُطلق على وايت وايتمان "أستاذي"، أن يترجم "الأمير السعيد" لأوسكار وايلد في التاسعة من عمره، ثم ينقل راشداً أعمال هنري ميشو وفرانز كافكا وفيرجينيا وولف إلى الإسبانية؟ هل يكفي أن يعلّق حول شباب كيبلينغ، وتعقيد غونغورا، وموسيقى فيرلين الداخلية، وشخصية ستيفنسون السوية... أن يبكي لأفلام الوسترن والملاحم، ويُسحر بكتاب "ألف ليلة وليلة"، أن يبعث المسوخ من عصورها وأماكنها المختلفة لأنها "ضرورية وليست عابرة للوجود"، أن يخترع شخصية الكاتب بوستس دوميك الوهمية، أن ينال أرفع الأوسمة العالمية ويتزوّج ماريا كوداما على فراش الموت، أن يحتقر السياسة ويخاف المرايا والمتاهات ويندم لأنه لم يولد نمراً؟ هل يكفي ذلك كله ليصبح خورخي لويس بورخيس؟ بالطبع لا. ليس السر في "سخرية الخالق" الذي وهبه "الكتب والظلام" كما وهب المعرّي قبله، بل تحديداً في نوعية قراءاته، إذ ينقل ألبرتو مانغويل أن محتويات الكتب حين تتلى عليه، كانت تستحيل في ظن العجوز الغريب الأطوار كائنات عجيبة تختلق هي مؤلفيها.
اليد
كان "أبو الهول" الأرجنتيني مقيماً في فندق "لوتيل" الباريسي الشهير، معقل دعاة التأنّق، صحبة رفيقته وزوجته في ما بعد، ماريا كوداما، حين التقاه الصحافي رامون شاو من "لوموند ديبلوماتيك". يومذاك اقترح على محاوره استخدام بعض تعابير الشك في بداية المقابلة، مثل: "من الممكن"، "على الأرجح"، "ليس مستحيلاً أن"... على أن يضعها القارئ حيث يجدها مناسبة في النص، شارحاً ذلك بأنه عندما يجزم في أمر ما بسبب الخجل، يكون في صدد اقتراح مجرّد احتمال. مجرد الاحتمال هذا يحيلنا على الظن أن من العبث البحث عن مسألة الأصالة في أدب بورخيس، أي البحث عن حدود فاصلة بين الكاتب والقارئ. هذا ما يثيره بسام حجّار في ترجمته الجديدة لـ"كتاب المخلوقات الوهمية" من تأليف بورخيس ومرغريتا غيّريو (المركز الثقافي العربي)، معتبراً أن بورخيس لم يكن يأبه لأي ثبت لمؤلفاته، ويصرّ في المقابل على إثبات ثبت (بالغ الدقة) لقراءاته الموسوعية، ناقلاً عن أمبرتو إيكو وصفه للكتاب بأنه "قارئ قرأ كل شيء، لا بل ما يتعدى الكل شيء، لأنه أتى على ذكر قراءات مستحيلة لمجرّد كونها، قراءات لكتب ومصنّفات ومعاجم غير موجودة أصلاً، غير أن انعدام وجودها، الذي هو شرط من شروط وجودها، لا يقلل من أهميتها البالغة". جدلية الكاتب والقارئ هذه نجدها أيضاً في "امتزاج" بورخيس مع صديقه بيوي كاسارس، مُنتجَين كاتباً ثالثاً هو بوستس دوميك، صاحب "ستة ألغاز لإيزيدرو بارودي" الصادر عام 1942، وسواه، والذي يمكن أن يكون كاتبه الحقيقي مونتينيغرو، إحدى شخصياته وواضع مقدّمته، والنتيجة: بورخيس وكاسارس مجرّد قارئين. إنها لمتاهة تلك التي يدخلنا فيها الكاتب الأرجنتيني على الرغم من خوفه الشخصي من المتاهات التي اكتشفها في طفولته المبكرة، من خلال محفورة على النحاس تمثّل عجائب الدنيا السبع: كانت توحي إليه خشيته من "منزل من دون أبواب" وفي وسطه مسخ ينتظره. لكن المسخ لم ينتظره في المنزل، بل والدته الدونا ليونور، التي لازمته طويلاً، وأعدّته منذ الصغر ليصبح كاتباً، وأصبحت "يده"، بعدما كانت "يد" والده الأعمى أيضاً. كان سلوك هذه الأم هو سلوك المحتضنة والحامية، حتى أنها أخطأت في إحدى المقابلات معها قائلة: "لقد كنت عشيقة زوجي، وها إني عشيقة ابني". وقد نسب إليها بورخيس في سيرته ترجمة أعمال ملفيل، وفرجينيا وولف، وفوكنر، للمرة الأولى إلى الإسبانية، بعدما نُسبت إليه الترجمة خطأً.
تنويعات على الملحمة
على أي حال، لعبت هذه الأم دوراً مهماً في إغناء ثقافة ابنها الأوروبية، منذ ترجمة كتاب "الأمير السعيد" لأوسكار وايلد وهو في التاسعة من عمره، حتى انتقال العائلة في فترات متقطّعة للعيش في أوروبا، من جنيف إلى لوغانو إلى إسبانيا إلى فرنسا وإنكلترا، مما سمح للإبن بتعلّم اللغات الألمانية والإنكليزية والفرنسية واللاتينية، إلى جانب الإسبانية، وقراءة كبار كتّاب العالم.
بورخيس المولود عام 1899، في منزل جده لأبيه في بيونس آيرس، يتحدّر من عائلة عسكريين. مات جدّه الجنرال بورخيس في 1874، خلال معركة ضد الهنود، بعدما قُضي على قواته وبقي وحده ممتطياً حصانه الأبيض ومتقدّماً نحو العدو الذي درزه بالرصاص. لذلك ربما، آثر الكاتب الملحمة على سواها من الأنواع الأدبية، بالرغم من عدم إيمانه بفكرة النوع، معتبراً إياها أقدم أشكال الشعر، مُرجعاً الإنتاج الأدبي العالمي كلّه إلى مصادر ثلاثة: الإلياذة، ألف ليلة وليلة (النسخة العربية من الأوديسة)، والأناجيل الأربعة. يرى بورخيس أن هذه القصص الثلاث كانت كافية للبشرية طوال قرون عديدة، واكتفى الناس بالتنويعات الجديدة التي تضاف إليها، أو "التنويعات الحاذقة". ويشير إلى الفرق بين الرواية والملحمة، فالمهم في الملحمة هو البطل: الإنسان - النمط للبشر جميعاً، بينما تستند معظم الروايات، على ما يقول مينكين، إلى إخفاق إنسان، أو إلى انحطاط الشخصية وتردّيها. لذا ابتعد بورخيس في كل إنتاجه الأدبي عن الروايات، عامداً إلى سرد القصص، لأن "البشر لا يتعبون من سماع القصص، وتردادها"، وإذ أشار في ملاحظة حاذقة إلى عيش البشرية حربين عالميتين من دون أن تنبثق منهما ملحمة، وصف الأخيرة بالحاجة الملحّة للبشر، ملاحظاً أن هوليوود (من بين الأمكنة كلّها، وإن أدى الأمر إلى نوع من الانحدار) أمدّت العلم بأكبر قدر من الملحمية. هكذا، بكى في ختام أفلام الوسترن والعصابات، ولاسيما فيلم "ملائكة بوجوه قذرة"، ولدى قراءة فقرات في عينها من أعمال الكاتب الأرجنتيني المنسي مانويل بايرو تتحدّث عن الحيّ الذي ولد فيه بورخيس، من دون أن يعني ذلك تمسّكه بوطنيته، فقد قال يوماً: "أن تكون أرجنتينياً فهذا فعل إيمان"، معتبراً الوطن مجموعة من الأصدقاء، صحبتهم تجعل هذا المكان أو ذاك وطناً. وإذا كان بورخيس قد اشتهر كرمز للمقاومة ضد بيرون، فقد عُرف أيضاً بتسامحه مع الخصوم (مصافحته فيديلا وبينوشيه ثم اعتذاره عن ذلك لاحقاً)، معرّفاً السياسة بـ"النشاط الإنساني الأشد حقارة"، لذلك لم يلتزم سياسياً، وإن كان انتقد "اختفاء" بعض الناس خلال حقبة حكم العسكريين في بلاده. أخذ بورخيس على الشيوعية دعوتها إلى سيطرة الدولة على الفرد، ووصف نفسه بالكاتب المحافظ، على الرغم من اعتباره فكرة الحدود والأمم تافهة.


كيمياء الكتب
بورخيس، الرافض الانغماس في وحول الحاضر، غاص في عالم الكتب حتى الثمالة، إلى درجة تخيّله الفردوس على هيئة مكتبة ضخمة، لكن حجم مكتبته الخاصة كان "محبطاً بعض الشيء"، بحسب تعبير ألبرتو مانغويل، فقد احتلت الكتب بعض الزوايا الخجولة في شقته، وهذا عائد إلى أن تلك الكتب احتوت زبدة قراءات بورخيس، الذي احتفظ في غرفة نومه بكتب الشعر، وإحدى أهم مجموعات الأدب الأنغلوسكسوني والإيسلندي التي يمكن العثور عليها في أميركا اللاتينية كلها. كما واظب على شراء المعاجم المختلفة والنادرة التي تعلّق فيها منذ طفولته. وبشكل عام، عكست مكتبته سيرته الذاتية، والصدفة، وقوانين الفوضى، فقد كان قارئاً "متَعياً" يتشرّب ما يقرأه، ويحفظ مؤلفاته الخاصة عن ظهر قلب، على الرغم من تذرّعه بضعف ذاكرته. تميّزت علاقته بالكتب بخصوصية شديدة، إذ يكفي أن يمرّ يديه على حوافها ليميّز الكتب التي لم يسبق له أن فتحها. هذه العلاقة الفيزيولوجية المستحيلة ترجع إلى مفهوم الكتابة والقراءة السالف ذكره، فهو لم يعتبر نفسه يوماً صديقاً للكتّاب الذين التقاهم، بقدر ما اعتبر نفسه قارئاً لهم. وبحسب بورخيس، فإن كل كتاب يتضمّن وعداً بجميع الكتب الأخرى، لأن كل نص مركّب من أحرف الأبجدية المعدودة، لذلك فإن مركّباً لانهائياً من هذه الأحرف يمكنه أن ينتج مكتبة مكتملة ومكوّنة من جميع الكتب الممكن تصوّرها قديماً وراهناً ومستقبلاً. هكذا طبّق بورخيس، على عالم الكتب، النظرية الكيميائية القائلة "لا شيء يضيع، لا شيء يزيد، كل شيء يتحوّل"، وإذا ضاع كتاب، فثمة دائماً من سيعيد كتابته، طال الزمان أم قصر. لكن هذه النظرية - التعزية ظلّت قابلة للنقض، فقد كتب يوماً في "فن الشعر": "تعود بي الذاكرة إلى ذات أمسية في بيونس آيرس. أراها. أرى المصابيح. حتى تكاد يدي أن تلمس الرفوف. أعلم بالضبط أين أجد "ألف ليلة وليلة" لبورتن، و"غزو البيرو" لبرسكوت. غير أن المكتبة نفسها، ما عادت موجودة". قد تكون المكتبة اختفت حقاً، لكن "ألف ليلة وليلة" بقي في ذاكرة بورخيس: الكتاب الأم، وحكاية الحكايات. في هذا الصدد يروي الشاعر اللبناني عيسى مخلوف أنه حين طلب مقابلة بورخيس يوماً في باريس، وأراد بورخيس تأجيل الموعد إلى يوم آخر، لم يجد بدّاً من القول لمرافقته: "أخبريه أنني قادم من بلاد ألف ليلة وليلة".
علاقة بورخيس باللغة لم تكن أقل شغفاً من علاقته بالكتب. هو المهتم بعلم السلالات، بحث عن سلالات اللغة أيضاً، وجدّد فيها. نقل إلى الإسبانية محاسن اللغات الأخرى التي أجادها، من حيث الصوغ والاختزال، التي لم يكرهها كما أشيع عنه، وكرّمته بجائزة ثرفانتس للآداب، كما اعترف بفضله كبار كتّابها كغبريال غارثيا ماركيز، وكارلوس فوينتس.
عام 1955، إثر سقوط نظام بيرون، حدث أمران أساسيان في حياة بورخيس: عيّن مديراً للمكتبة الوطنية في بيونس آيرس، وأصيب بالعمى: "ثمة 200 ألف كتاب في متناول يدي من دون أن أتمكّن من قراءتها". منذ ذلك التاريخ استعان بورخيس بقرّاء كثر، رافقوه في مختلف مراحل حياته، من دون أن يعرف واحدهم الآخر، أبرزهم والدته الدونا ليونور، التي حرصت دائماً على تزيين المنزل بورود صفراء، لأن اللون الأصفر هو الوحيد لم يغادر ابنها، الذي وصف نفسه يوماً بـ"الأعمى المحروم من الظلمة"، لأنه خسر اللون الأسود، ووجد نفسه غارقاً في سديم مائل إلى الأخضر أو الأزرق. الرجل الذي كتب يوماً: "الأبدية تتربّص بي"، خاف بشكل خاص من المرايا خشية أن تعكس يوماً، وجهاً ليس وجهه، أو ألا تعكس له وجهاً على الإطلاق. قد تحبس المرايا الحيوانات، بحسب جيليس، وقد تعكس وجوهاً أخرى، لكن هل في وسع المرايا الخائنة أن تُسقط صورة نمر أرجنتيني بربطة عنق صفراء؟
[email protected]


"صـنعـة الـشعـر" لـبورخـيـس في الـعـربية
ما يُسـتـخـلـص مـن الـتقطـيـر
زينب عساف
النهار - 9 كانون الثاني 2007

ما الذي يجعل قارئاً يكتشف بورخيس بهذا الظَفَر الراهن في كل مرة؟ لعله "إخلاص الكاتب للأحلام وليس للظروف" هو ما يمكّنه من الإدهاش حتى حين يأتي الفكرة نفسها من منافذ متعددة. هو بورخيس الذي لا يسعك أن تفهمه أو على الأقل أن تكون على الموجة نفسها معه ما لم تستأجر نظرة الهنود غير التاريخية إلى فلسفتهم. عليك، في معنى آخر، أن تكون ضد – تاريخي، بالقدر الذي يسمح لك بأن تجسّ حرارة ما يتدفّق تحت الكلام، تماماً كما تلمس الكلام نفسه. في هذا المعنى، قد يكون كتاب "صنعة الشعر" الصادر أخيراً في العربية لدى "دار المدى"، ترجمة صالح علماني، أسهل السبل وأقصرها إلى خورخي لويس بورخيس. إليه هو، كما يخترع نفسه من خلال كتاباته، لا إلى هذه الكتابات نفسها. هذا ما يخيّل إليك على الأقل، حين تقرأ المحاضرات الست التي تشكّل "حالة وسطية بين الكلام والكتابة"، كما ورد في المقدّمة، أي التي تشكّل حالة مثالية للتعبير عن مكفوف بارع جداً في استخدام "ما تبقى": اللسان والمخيّلة.
يتألف هذا الكتاب إذاً من محاضرات، ألقى بورخيس معظمها أثناء زياراته للولايات المتحدة، وظلّت منسية خلال أكثر من ثلاثين سنة من دون أن تجد طريقها إلى النشر، بينما كان الغبار يتراكم على أشرطة التسجيل التي حُفظت في قبو إحدى المكتبات، إلى أن تمّ اكتشافها ونشرها: المحاضرة الأولى عنوانها "لغز الشعر"، تتناول الطبيعة الأنطولوجية للشعر، المحاضرة الثانية عنوانها "الاستعارة"، تبيّن كيف استخدم الشعراء عبر القرون الاستعارات النمطية نفسها، الثالثة عنوانها "فن حكاية القصص" وهي مكرّسة للشعر الملحمي، الرابعة عنوانها "موسيقى الكلمات والترجمة"، تأمّل بارع حول ترجمة الشعر، الخامسة عنوانها "الفكر والشعر" حول طبيعة الأدب، والسادسة عنوانها "معتقد الشاعر"، نوع من الاعتراف أو الشهادة الأدبية يقدّمها بورخيس "في منتصف طريق الحياة".
هذه المحاضرات التي تبدو متكاملة، على الرغم من المسافات الزمنية التي تفصلها، تكشف النقاب عن بورخيس المتواضع، صاحب ذاك النوع النادر من العبقرية الأنيقة والمنظّمة، اللاتيني ذي اللكنة الإنكليزية العتيقة الفجّة، والمحدّث البارع الذي يعرف كيف يخاطب الجمهور من طريق بثّ إشارات ودّ لا يلبث شعور العنفوان القومي أن يلتقطها (كقوله، وهو يتوجه هنا إلى جمهور أميركي، إن سكان الولايات المتحدة احتفظوا بحسّ التصنيف بين خير وشرّ من بين شعوب الأرض قاطبة، وبالتالي فإن هوليوود هي المكان الوحيد الذي لا يزال يغذّي العالم المعاصر بالملاحم). من هوميروس إلى فيرجيل وبيوولف، إلى أساطير الإيدا الاسكندينافية، إلى شكسبير وويتمان وسرفانتس وبو، يبرع الكاتب والناقد الأرجنتيني في تذكيرنا بعظمة الأدب والشعر. ولكي أكون أكثر تحديداً: بملحمية الشعر. لنقل إنه يبرع في بعث عالم قديم أعاد تركيبه مستخدماً عناصر من مكوّنات ذاكرته السحرية، العالم الذي أنتج أساطير البشرية كلها تقريباً، العالم الذي كان فيه البشر لا يزالون قادرين على الحلم. حين يتعلّق الموضوع بعمل لبورخيس، لا يمكن المرء عدم الانجرار إلى كتابةٍ شخصية: بورخيس مرتبط بأدبه على الدوام. إنه غالباً أهمّ من مخلوقاته. فالمؤلفات القديمة والموسوعات و"ألف ليلة وليلة" والكتب المقدّسة لا تستعيد ألقها إلا حين "تمشّطها" ذاكرته الاستثنائية، طالما أننا نتحدّث هنا عن أحد كبار القرّاء في هذا العالم. في سلسلة المحاضرات هذه يطلعنا بورخيس على آليات ذائقته الأدبية، يجعلنا مجدداً نشعر بنبل الكلمة حين تخرج من محارب إنكليزي، أو من متصوّف فارسي، كما يجعلنا نصدّق أن شخصية مثل دون كيشوت موجودة بغضّ النظر عن سرفانتس، لأننا في حاجة إلى وجودها، وبالتالي فإن أحداً ما كان سيخترعها لو لم يفعل الكاتب الإسباني. ربما نستطيع القول إن بورخيس يقطّر الشعر في محاضراته هذه لاستخلاص روحه الصافية، تلك النبتة الخالدة المجرّدة من جذورها التاريخية، والتي لا يمكن وصفها بكلمات، ويُشرك القارئ في ذلك كله. وفي السبيل، يستخدم حيلة الشعر شبه الوحيدة: الاستعارة، لترجمة مشاعره الشخصية تجاه ما يُقرئنا إياه. من أجل تعريف ما لا يُعرَّف، أي الشعر، ينصب بورخيس مجموعة من الشراك، على شكل عبارات: "تجربة جديدة"، "فرصة للجمال"، "تعبير عن الجمال بكلمات محبوكة في صورة فنية". ليصل إلى الإعلان عن العجز. يقول بورخيس: كما نحن عاجزون عن تعريف مذاق القهوة، واللون الأحمر أو الأصفر، أو معنى الغضب، الحب، الكراهية، الفجر، الغروب، أو حب بلادنا، وكل الأشياء المتجذّرة فينا بحيث لا يمكن التعبير عنها إلا بهذه الرموز المشتركة التي نتداولها، كذلك نحن عاجزون عن إيجاد تعريف للشعر. ويتوّج الكاتب هذا التعريف - اللاتعريف، بقولٍ للقديس أغسطينوس: "ما هو الزمن. إذا لم تسألوني فإني أعرفه. وإذا ما سألتموني ما هو، فإني لا أعرفه".
لكنه يعود بعد ذلك في المحاضرة الأخيرة، إلى استنتاج يفيد بوجود طريقتين لاستخدام الشعر: إحداهما استخدام كلمات عادية وشائعة وتحويلها بطريقة ما إلى غير عادية، أي استخلاص السحر منها، والأخرى هي الإفادة من قوة الكلمات الساحرة في حدّ ذاتها. يسمّي بورخيس ذلك بالأسلوب السلس والأسلوب المشحون. لكنه يعتبر أن المهم في النهاية هو الشعر نفسه: إما أنه يولد حيّاً أو يولد ميتاً، بغضّ النظر عن الأسلوب البارد أو الحار الذي أنتجه. ثم ينتقل إلى مسألة بالغة الأهمية هي مسألة الاقتناع: فالشرط الأساسي للتفاعل مع الشعر هو الإيمان بكاتبه. أي بلوغ تلك "الدهشة الإرادية في عدم التصديق والشك"، التي يتحدّث عنها كولريدج.
في مكان آخر، يحاول بورخيس حصر الاستعارات الشعرية في أنماط محددة، منطلقاً من "أم الاستعارات"، أي تلك الاستعارة التي استخدمها الصينيون للتعبير عن العالم: "العشرة آلاف شيء" أو "العشرة آلاف كائن". الصينيون الذين عددهم مليار ونصف مليار، يكنّون عن العالم بـ"العشرة آلاف شيء". لماذا اختار بورخيس هذه الاستعارة كنقطة انطلاق؟ ربما للقول إن الاستعارات المتعددة تنويعات على استعارات أصلية محدودة، مشيراً إلى كون الكلمات كلها استعارات في النهاية. على أن أنماط الاستعارات الأساسية تنحصر في دزينة أو أقل مثل: العيون - النجوم، النساء -الأزهار، الأنهار - الزمن، الحياة - الموت، الموت - النوم، المعارك - الحرائق. وعلى هذا المنوال يمكن المرء أن يكمل، بحسب بورخيس، للعثور على أنماط تقدّم لنا استعارات الأدب كلها. أما "الألعاب الاعتباطية" التي تُطبّق على هذه الاستعارات، فإنها توحي لنا كونها حاذقة وغير تقليدية، فمنها ما يقوم على نفي استعارة أصلية ومنها ما يقوم على الالتفاف حولها. لكن، وفي هذا الإطار، لا ينفي بورخيس وجود شواذات مذهلة مثل الاستعارة الاسكندينافية التي تشبّه المعركة بـ"شبكة الرجال"، أو تكنّي عن حدود القرية بـ"حبل كلاب". هذه الشواذات تبيّن كيف يمكن استنباط أنواع أخرى من الاستعارات دائماً. بعد ذلك يعرّج بورخيس على موضوع ترجمة الشعر، مشيراً إلى المفهوم الألماني للترجمة الذي يقوم على نسج قصيدة انطلاقاً من قصيدة أخرى. ربما يجب أن نختم من نقطة البداية: الإخلاص للأحلام. ما الذي يعنيه أن أكون كاتباً؟ بورخيس يجيب: يعني ببساطة أن أكون مخلصاً لمخيّلتي.


الشعر وفنّ حكاية القصص
خورخي لويس بورخيس
ترجمة صالح علماني
عن نوافذ "المستقبل" 14 أيار 2006


لا بد من أخذ التمايزات اللفظية في الاعتبار، لأنها تمثل تمايزات ذهنية، وثقافية. ولكن المؤسف أن كلمة "شاعر" قد انقسمت إلى اثنين. فعندما نتكلم اليوم عن شاعر ما، لا نفكر إلا في شخص ينطق بنغمات غنائية ومحكمة التناسق من نوع "بسفنٍ، كان البحر ملطخاً هنا وهناك، كأنها نجوم في السماء"؛ ووردزورث. أو "لماذا، وأنت موسيقى، تُحزنك الموسيقى؟ فالمسرة تسعى إلى المسرات، والسعادة ترغب في سعادة أخرى"، (شكسبير). بينما كان القدماء، عندما يتكلمون عن شاعر ـ "خالق" ـ لا يعتبرونه مجرد مُطلِق لهذه النغمات الغنائية السامية وحسب، وإنما يرون فيه كذلك راوية حكايات. حكايات يمكننا أن نجد فيها كل أصوات البشرية: ليس أصوات الغنائية، والتأمل، والكآبة فقط، وإنما كذلك أصوات الشجاعة والأمل. هذا يعني أنني سأتحدث عما أفترض أنه أقدم أشكال الشعر: الملحمة. فلنشغل أنفسنا بها لبعض الوقت.
ربما كان أول مثال يرد إلى ذهننا هو قصة طروادة، مثلما أسماها أندرو لانغ Andrew Lang، وترجمها بصورة بالغة الصواب. فلنتفحص فيها طريقة السرد المغرقة في القدم لقصة. منذ البيت الأول نجد شيئاً كهذا: "ربة الشعر، حدثيني عن غضبة آخيل". أو كما ترجمها البروفسور روس Rouse على ما أظن: "رجل غاضب: هذا هو موضوعي". ربما أن هوميروس، أو الرجل الذي نسميه هوميروس (وهذه قضية قديمة)، قد فكر في كتابة قصيدة عن رجل غاضب، وهذا يشوشنا، لأننا نفكر في الغضب على طريقة اللاتينيين: (ira furor brevis) الغضب هو ضرب آني وعابر من الجنون، إنه نوبة جنون. صحيح أن حبكة الإلياذة، بحد ذاتها، ليست ممتعة تماماً: فهذه الفكرة عن بطل معكر المزاج في خيمته، يشعر بأن الملك قد عامله بصورة جائرة، فيخوض الحرب كما لو أنها نزاع شخصي، لأنهم قتلوا صديقه، ويبيع للأب في النهاية، جثة الرجل الذي قتله.
ولكن، (وقد أكون قلت ذلك من قبل؛ بل أنا واثق من أنني قلته)، ربما تفتقر نوايا الشاعر إلى الأهمية. فما يهم اليوم ـ وإن كان هوميروس يعتقد حقاً أنه يروي هذه القصة (قصة الرجل الغاضب) ـ هو أنه يروي في الواقع شيئاً أكثر نبلاً: إنه يروي قصة رجل، بطل، يهاجم مدينة يعرف أنه لن يقتحمها أبداً، رجل يعرف أنه سيموت قبل أن تسقط المدينة. ولكن القصة الأشد تأثيراً هي قصة الرجال المدافعين عن مدينةٍ يعرفون مصيرها مسبقاً، مدينة آخذة بالاحتراق. أنا أظن أن هذا هو موضوع الإلياذة الحقيقي. وقد فكر البشر على الدوام، في الواقع، بأن الطرواديين هم الأبطال الحقيقيون. ونفكر في فرجيل Virgilio، ولكننا نستطيع أن نفكر أيضاً في سنوري ستورلاسون Snorri Sturluson، الذي كتب في أولى سنوات شبابه، أن "أودين" Odin ـ وأعني أودين، إله السكسونيين ـ هو ابن بريامو Priamo وأخ هكتور. لقد بحث البشر دوماً عن التضامن والتآلف مع الطرواديين المهزومين، وليس مع الإغريق المنتصرين. ربما لأن هناك في الهزيمة كرامة يصعب عليها أن تتوافق مع النصر.
فلنتناول قصيدة ملحمية ثانية: الأوديسة. يمكننا أن نقرأ الأوديسة بطريقتين. افترض أن الرجل (أو المرأة، مثلما كان يرى صمويل بتلر Samuel Butler الذي كتبها)، لم يكن يجهل أنها تتضمن في الواقع قصتين: عودة أوليسيس إلى بيته، وعجائب البحر ومخاطره. إذا ما تناولنا الأوديسة بالمعنى الأول، فستكون لدينا فكرة العودة، فكرة أننا نعيش في الصحراء، وأن بيتنا الحقيقي هو في الماضي، أو في السماء، أو في أي مكان آخر، وأننا لسنا في بيتنا مطلقاً. ولكن، لا شك في أنه لا بد لحياة البحارة والرجوع من أن تتحول إلى شيء مشوق. وهكذا، شيئاً فشيئاً، راحت تُضاف عجائب كثيرة. وعندما نلجأ إلى ألف ليلة وليلة، نجد أن النسخة العربية من الأوديسة، أي رحلات سندباد السبع، ليست قصة عودة، وإنما قصة مغامرات؛ وأظن أننا نقرؤها على أنها كذلك. عندما نقرأ الأوديسة، أظن أن ما نشعر به هو الافتتان بالبحر، سحر البحر. ما نشعر به هو ما يكشف لنا عنه الملاح. فمثلاً: ليست لديه حماسة للقيثارة، ولا لتوزيع الخواتم، ولا لمتعة المرأة، ولا لعظمة العالم. إنه يبحث عن أعالي التيارات المالحة وحسب. وهكذا تكون لدينا القصتان في قصة واحدة: يمكننا أن نقرأها على أنها عودة إلى البيت، وباعتبارها قصة مغامرات، ربما هي أروع قصة مغامرات كُتبت أو غُنيت.
فلننتقل الآن إلى "قصيدة" ثالثة، تبرز أعلى بكثير من الأخريين، وأعني: الأناجيل الأربعة. فالأناجيل يمكن أن تُقرأ أيضاً بطريقتين. المؤمن يقرؤها على أنها القصة الغريبة لرجل، لإله، يُكَفِّر عن خطايا البشرية. إله يتقبل العذاب، يتقبل الموت على "الصليب المرّ" (الـ(bittre cross)، مثلما يقول شكسبير). هناك قراءة أكثر غرابة، أجدها لدى لانغلاندLangland : فكرة أن الرب أراد أن يعرف العذاب البشري بكليته، وأنه لم يكتف بمعرفته ذهنياً، مثلما هو متاح له إلوهياً؛ أراد أن يعاني كإنسان وبمحدودية إنسان. أما من هو (مثل كثيرين منا) غير مؤمن، فيمكنه أن يقرأ القصة بطريقة أخرى. يمكننا أن نفكر برجل نزق، رجل يعتقد أنه إله، ثم يكتشف في النهاية أنه ليس سوى بشر وأن الرب ـ ربه ـ قد تخلى عنه.
فلنقل إن هذه القصص الثلاث ـ قصة طروادة، وقصة أوليسيس، وقصة يسوع ـ كانت كافية للبشرية طوال قرون طويلة. رواها الناس، وأعادوا روايتها مرة بعد أخرى؛ وضعوا لها موسيقى، رسموها. رُويت مرات كثيرة، لكن القصص تبقى حية، بلا حدود. ويمكن لنا أن نفكر في أن أحداً، بعد ألف سنة، أو عشرة آلاف سنة، قد يعود مرة أخرى إلى كتابتها. ولكن، هناك فرق في حالة الأناجيل: فأنا أظن أنه لا يمكن لقصة المسيح أن تُروى بصورة أفضل. لقد رُويت مرات كثيرة، ولكنني أعتقد أن الآيات القليلة التي نقرأ فيها، على سبيل المثال، كيف أغوى الشيطان المسيح، تتضمن قوة أكبر من كتب "الفردوس المستعاد" الأربعة. فأحدنا يستشف بأن الشك ربما لم يكن يراود ميلتون حول نوع الإنسان الذي كانه المسيح.
حسن، لدينا هذه القصص، ولدينا واقع أن البشر لا يحتاجون إلى كثير من القصص. يخيل إليَّ أن تشاوسر Chaucer لم يفكر قط في ابتكار قصة. لا أظن أن الناس كانوا أقل قدرة على الابتكار في تلك الأيام منهم اليوم. أعتقد أنهم كانوا يكتفون بالتنويعات الجديدة التي تضاف إلى القصة... التنويعات الحاذقة التي يضيفونها إلى القصة. وهذا يسهّل، فوق ذلك، مهمة الشاعر. فمستمعوه وقراؤه يعرفون مسبقاً ما الذي سيقوله، ويمكن لهم أن يقوّموا بمقياسهم العادل ما طرأ من اختلافات.
حسناً، الملحمة ـ ويمكننا اعتبار الأناجيل نوعاً من الملحمة الإلهية ـ تقبل كل شيء. لكن الشعر، مثلما قلت، عانى انقساماً؛ أو بعبارة أدق، صارت لدينا القصيدة الغنائية والمرثية من جهة، ولدينا من جهة أخرى رواية القصص: لدينا الرواية. ويكاد أحدنا أن يشعر بإغواء اعتبار الرواية موتاً للملحمة، على الرغم من وجود روائيين من أمثال جوزيف كونراد أو هيرمان ميلفيل، حيث تستعيد الرواية كرامة الملحمة وجدارتها. إذا ما فكرنا في الرواية والملحمة، فإننا نجد أنفسنا منقادين إلى إغواء التفكير في أن الفرق الأساسي بينهما يقوم على الفرق بين الشعر والنثر، بين غناء الشيء أو عرضه. لكنني أفكر في أن هناك فرقاً أكبر. فالفرق يستند في الواقع إلى أن المهم في الملحمة هو البطل: إنسان هو نمط لكل البشر. بينما جوهر معظم الروايات، كما يشير مينكين Mencken، يستند إلى إخفاق إنسان، إلى انحطاط الشخصية وترديها.
هذا يقودنا إلى قضية أخرى: ما الذي نفكر فيه عن السعادة؟ ما الذي نفكر فيه بشأن الهزيمة، والنصر؟ عندما يتحدث الناس اليوم عن نهاية سعيدة، يعتبرونها محض تنازل للجمهور أو وسيلة ترويج تجارية؛ يعتبرونها مصطنعة. ولكن البشر، طوال قرون، كانوا قادرين، بصدق، على الإيمان بالسعادة والنصر، وإن كانوا يشعرون بما للهزيمة من جدارة وكرامة محتمتين. فعندما يكتب الناس، على سبيل المثال، عن "الفرو الذهبي" (إحدى أقدم قصص البشرية)، فإن المستمعين والقراء يعرفون منذ البدء أن الكنز سيُعثر عليه في النهاية.
حسن، إذا ما بدأت مغامرةٌ اليوم، فإننا نعرف أنها ستنتهي إلى الإخفاق. وعندما نقرأ ـ ويخطر لي مثال أقدره ـ أوراق أسبرن The Aspern Papers، نعرف أن الأوراق لن يُعثر عليها أبداً. وعندما نقرأ القلعة لفرانز كافكا، نعرف أن الرجل لن يدخل أبداً إلى القلعة. هذا يعني، لا يمكننا أن نؤمن حقاً بالسعادة والفوز. وربما كانت هذه واحدة من مبائس عصرنا. يخيل إليّ أن كافكا كان يشعر عملياً بالشيء نفسه عندما رغب في أن تُتلف كتبه: كان يرغب في الواقع في كتابة كتاب سعيد وانتصاري، وأدرك أن ذلك لم يكن مستحيلاً عليه. لقد كان بإمكانه أن يكتبه، دون شك، لكن الجمهور كان سيرى أنه لا يعبر عن حقيقة أحلامه.
فلنقل إن الإنسان، في أواخر القرن الثامن عشر أو بدايات القرن التاسع عشر (ولماذا نزعج أنفسنا في مناقشة التواريخ الدقيقة)، بدأ بابتكار الحبكات. ربما يمكننا القول إن العملية بدأت مع هاوثورن وإدغار ألن بو، وإن يكن هناك، دون شك، رواد على الدوام. ومثلما يشير روبن داريو، ليس ثمة من هو آدم أدبي. ولكن إدغار ألن بو هو الذي كتب أن القصة يجب أن تُكتب وعينها على الجملة الأخيرة، وأن تُكتب القصيدة وعينها على البيت الأخير. فانحدر هذا بالقصة إلى حيلة،وفي القرنين التاسع عشر والعشرين اخترع الناس كل أنواع الحبكات. وكانت هذه الحبكات أحياناً بالغة الحذق والإتقان؛ وهي، إذا ما اقتصرنا على حكايتها، أكثر حذقاً من حبكة الملحمة. ولكننا، لسبب ما، نلحظ فيها شيئاً مصطنعاً؛ أو بكلمة أدق، شيئاً مبتذلاً. وإذا ما تناولنا حالتين محددتين ـ ولتكونا قصة الدكتور جايكل والمستر هايد، وروايةً أو فيلماً مثل Psicosis ـ يمكن لحبكة الثانية أن تكون أكثر براعة، ولكننا نستشف أن هناك شيئاً أكثر وراء حبكة ستيفنسون.
بالنسبة إلى الفكرة التي صغتها في البداية، عن أنه لا وجود إلا لعدد ضئيل من الحبكات، ربما علينا أن نذكر تلك الكتب التي لا ينصب فيها الاهتمام على الحبكة، وإنما على تنوع الحبكات وتبدلها. إنني أفكر في ألف ليلة وليلة، في أورلاند الغضوب وكتب أخرى من هذا النوع. يمكننا أن نضيف كذلك فكرة الكنز المشؤوم. وهذه نجدها في V?lsunga Saga، وربما في نهاية بيوولفBeowulf : فكرة كنز يجلب الشرور للناس الذين يجدونه. وهنا يمكننا الوصول إلى الفكرة التي حاولتُ تطويرها في محاضرتي الأخيرة، حول الاستعارة: فكرة أنه ربما كانت كل الحبكات تستجيب فقط لعدد محدود من الأنماط. إن الناس اليوم، بالطبع، يخترعون الكثير من الحبكات التي تصيبنا بالانبهار. ولكن هجمة الحبكات الحاذقة هذه قد تضعف وتنهار، ونكتشف عندئذ أن كل هذه الحبكات ما هي إلا تنويعات ظاهرية لعدد محدود من الحبكات الجوهرية. وهذا، بالنسبة لي، خارج النقاش الآن.
لا بد من الإشارة إلى واقع آخر: يبدو أن الشعراء ينسون أن حكاية الحكايات كانت أساسية، ذات مرة؛ وأنه لم يكن يُنظر إلى حكاية قصة وإلقاء بعض أبيات الشعر على أنهما شيئان مختلفان. فالرجل الذي يحكي قصة، ويغنيها؛ لم يكن مستمعوه يعتبرونه رجلاً يمارس مهمة ذات مظهرين. أو ربما لم يكن يتشكل لديهم، أصلاً، الانطباع بأن هناك مظهرين مختلفين، بل ينظرون إلى ذلك كله باعتباره شيئاً أساسياً.
نصل الآن إلى زمننا، حيث نجد هذا الوضع الغريب فعلاً: لقد عشنا حربين عالميتين، ولكن، لسبب ما، لم تنبثق عنهما ملحمة؛ ربما باستثناء أعمدة الحكمة السبعة. ففي أعمدة الحكمة السبعة نجد الكثير من السمات الملحمية. ولكن الكتاب مثقل بواقع أن البطل هو الراوي نفسه؛ مما يفرض عليه أحياناً أن يتصاغر، يتأنسن، ويبالغ في جعل نفسه قريباً من المعقول وقابلاً للتصديق. ويجد نفسه مضطراً، عملياً، إلى اللجوء إلى حيل الروائي. هناك كتاب آخر، منسي إلى حد بعيد، قرأته على ما أعتقد، سنة 1915: رواية تدعى "النار" Le Feu، لهنري باربوس. كان المؤلف داعية سلام؛ وكان كتاباً ضد الحرب. ولكن الملحمة تخترق الكتاب إلى حدّ ما (إنني أتذكر هجوماً مهولاً بالحراب). وكاتب آخر كان يمتلك الحس الملحمي هو كيبلنغ. نتبين ذلك في قصة بالغة الروعة مثل "حرب الصاحب" A Sahib`s War. ولكن، بالطريقة نفسها التي لم يمارس بها كيبلنغ كتابة السوناتا قط، لأنه يعتقد أنها قد تبعده عن قرائه، لم يكتب الملحمة قط، مع أنه كان قادراً على فعل ذلك. وأتذكر أيضاً تشيسترتون Chesterton الذي كتب "أغنية الحصان الأبيض"، قصيدة عن حرب الملك الفريد ضد الدنماركيين. ونجد فيها استعارات بالغة الغرابة (أتساءل كيف أمكن لي أن أنسى ذكرها في المحاضرة السابقة!): على سبيل المثال، "رخام مثل ضوء قمر متصلب"، "ذهبٌ مثل نار متجمدة"، حيث يقارن الرخام والذهب بشيئين أكثر منهما أولية، إنهما يقارنان بضوء القمر وبالنار؛ وليس بالنار تحديداً، وإنما بنار سحرية متجمدة.
الناس يتلهفون، بطريقة ما، إلى الملحمة. أظن أن الملحمة هي من الأشياء التي يحتاج البشر إليها. وبين كل الأمكنة (ويمكن لهذا أن يؤدي إلى نوع من الانحدار، ولكنه أمر واقع)، كانت هوليود هي التي أمدت العالم بأكبر قدر من الملحمية. فعندما يرى الناس، في كافة أنحاء الكوكب، فيلم ويسترن western ـ عند رؤيتهم ميثولوجيا الفارس، الصحراء، العدالة، الشريف، طلقات الرصاص، وكل هذه الأشياء ـ أظن أنهم يلتقطون الانفعال الملحمي، سواء أعرفوا ذلك أم لم يعرفوه. ومعرفته ليست مهمة في نهاية المطاف.
حسناً، لا أريد أن أقدم نبوءات، لأن مثل هذه الأشياء تنطوي على مجازفة (مع أنها قد تتحول، على المدى البعيد، إلى حقائق)، ولكنني أظن أنه، إذا ما قيض لرواية القصص وغناء الأشعار أن يعودا إلى الاندماج معاً، فإن شيئاً بالغ الأهمية سيحدث. ربما يبدأ ذلك في الولايات المتحدة، لأن لدى الولايات المتحدة، كما تعلمون، حساً أخلاقياً لما هو خيّر ولما هو شرير. وربما كان هذا الحس موجوداً أيضاً لدى بعض البلدان، ولكنني لا أظن أنه يظهر بصورة جلية مثلما أكتشفه هنا. فإذا ما تحقق ذلك، إذا ما استطعنا العودة إلى الملحمة، سيكون قد تم التوصل إلى شيء عظيم جداً. عندما كتب تشيسترتون: "أغنية الحصان الأبيض" نال عليها نقداً طيباً وأشياء من هذا القبيل، ولكنه لم يجد تجاوباً من القراء. عملياً، عندما نفكر في تشيسترتون، فإننا نفكر في سلالة الأب براون وليس في هذه القصيدة.
لم أفكر في القضية إلا في عمر متقدم إلى حد لا بأس به؛ وفوق ذلك، لا أظن أنني جربت كتابة الملحمة (وإن أكن، ربما، قد خلّفت سطرين أو ثلاثة أسطر ملحمية). هذه مهمة رجال أكثر شباباً. وأحتفظ بالأمل في أنهم سيحققونها، لأن لدينا جميعنا، بكل تأكيد، الإحساس بأن الرواية آخذة بالإخفاق إلى حدّ ما. فكروا في الروايات الأساسية في زمننا، بـ"أوليسيس جويس"، على سبيل المثال، لقد قيل لنا آلاف الأشياء عن الشخصيتين، ولكننا لا نعرفهما. إننا نعرف، بصورة أفضل، شخصيات دانتي أو شكسبير، التي تُقدم لنا ـ والتي تعيش وتموت ـ في بضع جمل قليلة. لا نعرف الكثير عن أوضاعهم، ولكننا نعرفهم بصورة حميمة. وهذا، بكل تأكيد، أكثر أهمية بكثير. أظن أن الرواية آخذة بالإخفاق. أظن أن كل هذه التجارب في الرواية، وهي شديدة الجرأة والأهمية ـ فكرة تبدلات الزمن مثلاً، وفكرة أن تكون الرواية محكية من قبل شخصيات مختلفة ـ كلها تتوجه نحو اللحظة التي نشعر فيها بأن الرواية لم تعد ترافقنا.
ولكن هناك شيء مرتبط بالحكاية والقصة، شيء يبقى ويستمر على الدوام. لا أظن أن البشر يتعبون أبداً من سماع وحكاية القصص. وإذا ما رافق متعة سماع القصص، احتفاظنا بمتعة إضافية من كرامة الشعر وجدارته، فإن شيئاً عظيماً لا بد أن يحدث عندئذ. ربما كنتُ رجلاً عتيقاً من القرن التاسع عشر، لكنني متفائل ولدي أمل: وبما أن المستقبل يتضمن أشياء كثيرة ـ ربما ينطوي المستقبل على كل الأشياء ـ فإنني أفكر في أن الملحمة ستعود إلينا. وأظن أن الشاعر سيعود ليكون خالقاً من جديد. أعني أنه سيروي قصة وسيغنيها أيضاً. ولن نعتبر هذين الأمرين مختلفين، مثلما لا نعتبرهما مختلفين عند هوميروس وفيرجيل.


حول فن الشعر: الاستعارة
خورخي لويس بورخيس
ترجمة: صالح علماني
المستقبل 21 أيار 2006

بما أن موضوع محاضرة اليوم هو الاستعارة، فسوف أبدأ باستعارة. وأول الاستعارات التي سأحاول تذكرها تتحدر من الشرق القديم، من الصين. فالصينيون، إذا لم أكن مخطئاً، يطلقون على العالم تسمية: "العشرة آلاف شيء" أو "العشرة آلاف كائن" ـ وهذا يعتمد على ذوق المترجم ومزاجه.
أعتقد أننا نستطيع أن نتقبل، بحذر شديد، تقدير العشرة آلاف. من المؤكد أن هناك أكثر من عشرة آلاف نملة، أو عشرة آلاف إنسان، أو عشرة آلاف أمل، أو عشرة آلاف خوف أو كابوس في العالم. ولكننا إذا ما تقبلنا العدد عشرة آلاف، وإذا ما فكرنا في أن كل الاستعارات هي اتحاد شيئين مختلفين، فإنه يمكن لنا عندئذ، إذا ما أتيح لنا الوقت، أن نتوصل إلى عدد هائل من الاستعارات المحتملة. لقد نسيت ما تعلمته من الجبر، ولكنني أعتقد أن الكمية ستكون 10000 مضروبة بـ9999، مضروبة بـ9998، إلى آخره. من الواضح، أن كمية التوليفات المحتملة ليست غير نهائية، ولكنها تُذهل المخيلة. وهكذا يمكن لنا أن نفكر: لماذا يتوجب على شعراء العالم كله، والأزمنة كلها، أن يلوذوا بمجموعة الاستعارات نفسها، بينما يوجد كل هذا القدر من التوليفات المحتملة؟
الشاعر الأرجنتيني لوغونيس، كتب منذ زمن، في العام 1909، بأنه يعتقد أن الشعراء يستخدمون دوماً الاستعارات نفسها، وأنه سيقدم على اكتشاف استعارات جديدة عن القمر. وقد ابتكر، في الواقع، عدة مئات منها. وقال أيضاً، في مقدمة كتاب بعنوان Lunario sentimental، إن كل كلمة هي استعارة ميتة. هذا التأكيد هو، بكل تأكيد، استعارة. ولكنني أعتقد أننا جميعنا ندرك الفرق بين الاستعارات الحية والميتة. إذا ما أخذنا معجماً اشتقاقياً جيداً (وأنا أفكر بصديقي القديم والمجهول الدكتور سكيت)، وبحثنا عن كلمة، فإنني واثق من أننا سنجد استعارة مخبأة في مكان ما. فكلمة reat على سبيل المثال ـ ويمكنكم رؤية ذلك في أبيات بيوولف Beowulf الأولى ـ تعني "الجموع الغاضبة"، ولكن كلمة threat، "تهديد" يشار بها الآن إلى النتيجة وليس إلى السبب. ولدينا كلمة king، "ملك". فـKing كانت في أصلها cyningأي الرجل الذي يمثل معشره ويدافع عنهم، أي يمثل الأسرة kin، يمثل الشعب. وهكذا فإن king، و kinsman قريب، نسيب"، وgentleman هي الكلمة نفسها. ولكنني إذا قلت "جلس الملك ليحصي نقوده"، فإننا لن نفكر في أن كلمة king هي استعارة. وعملياً، إذا ما اعتمدنا خيار الفكر المجرد، علينا أن ننسى أن الكلمات كانت استعارات في الأصل. علينا أن ننسى، على سبيل المثال، أن هناك في كلمة "تأمل" considerar ظلاً من التنجيم: فكلمة ـ consider كانت تعني في الأصل "ما له علاقة بالنجوم"، "قراءة الأبراج".
وأنا أقول إن المهم في ما يخص الاستعارة هو واقع أن يتمكن القارئ أو السامع من إدراكها كاستعارة. وسأقتصر في هذه المحاضرة على الاستعارات التي يدركها القارئ كاستعارات، وليس على كلمات مثل king أو threat وربما يمكننا أن نواصل إلى ما لا نهاية.
أحب، في المقام الأول، أن أهتم ببعض الاستعارات النمطية، بعض الاستعارات النموذجية. وأستخدم كلمة "نمط" لأن الاستعارات التي سأوردها، وإن بدت للمخيلة مختلفة جداً، فإنها تبدو للمنطق متطابقة تقريباً. وهكذا يمكننا أن نتحدث عنها كما لو كانت معادلات. فلنتناول أول نمط منها يرد إلى ذهني؛ وليكن المقارنة النمطية، أو التشبيه الكلاسيكي للعيون بالنجوم، أو العكس، النجوم بالعيون. وأول مثال أتذكره يأتي من الأنطولوجيا الإغريقية Antologia griega، وأظن أنه ينسب إلى أفلاطون. أبيات هذا المثال هي (أنا لا أعرف اليونانية) كما يلي تقريباً: "أرغب في أن أكون الليل/ لأرى نومك بألف عين". هنا نلمس، دون شك، رقة العاشق؛ نشعر أن رغبته قادرة على رؤية الحبيبة من نقاط كثيرة في الوقت نفسه. إننا نشعر بالرقة خلف هذه الأشعار. فلنرَ الآن مثلاً آخر أقل شهرة: "النجوم تنظر إلى أسفل". إذا ما تبنينا التفكير المنطقي بصرامة، فسنجد هنا الاستعارة نفسها. ولكن تأثيرها في مخيلتنا مختلف تماماً. فجملة "النجوم تنظر إلى أسفل" لا توحي لنا بالرقة، بل ربما هي تدفعنا إلى التفكير في أجيال وأجيال من بشرٍ يُنهكون أنفسهم دون حدود، بينما النجوم تنظر إلى أسفل بنوع من عدم المبالاة السامية. فلنتناول مثالاً مختلفاً، أحد أكثر المقاطع الشعرية التي أثرت بي. الأبيات مأخوذة من قصيدة لتشيسترتون بعنوان: "طفولة ثانية".
"لكنني لن أهرم إلى أن أرى انبثاق الليل الهائل،
سحابة أضخم من العالم،
ومسخاً مكوناً من عيون".
ليس مسخاً ممتلئاً بعيون (فهؤلاء المسوخ نعرفهم منذ رؤيا القديس يوحنا)، وإنما هو ـ وهذا أشد رهبة ـ مسخ مكوَّن من عيون، كما لو أن هذه العيون هي نسيجه العضوي.
لقد تفحصنا ثلاث صور يمكن لها أن تحيلنا إلى النمط نفسه. ولكن المظهر الذي أود إبرازه ـ وهذه في الحقيقة هي إحدى النقطتين الهامتين في حديثي هذا ـ هو أن الشاعر في الحالة الأولى، في المثال الإغريقي، وإن كان النموذج هو نفسه، "أرغب في أن أكون الليل"، يجعلنا نحس برقته، بلهفته؛ أما في المثال الثاني، فنشعر بنوع من عدم المبالاة الإلهية تجاه الأمور البشرية؛ وفي المثال الثالث، يتحول الليل المألوف إلى كابوس. لنتناول الآن نموذجاً مختلفاً: فكرة الزمن المتدفق، والذي يتدفق مثل نهر. المثال الأول مأخوذ من قصيدة كتبها تينسون عندما كان عمره، على ما أعتقد، ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة. لقد أتلف القصيدة؛ ولكن بيتاً منها نجا، لحسن حظنا. وأظن أنه يمكنكم العثور عليه في سيرة تينيسون التي كتبها أندريو لانغ. البيت هو: Time flowing in the middle of night "تدفق الزمن في منتصف الليل". أظن أن تينيسون قد اختار زمانه بحكمة كبيرة. ففي الليل، كل الأشياء صامتة. البشر ينامون، ولكن الزمن يواصل تدفقه دون ضجيج. هذا واحد من الأمثلة. هناك أيضاً رواية (وأنا واثق من أنكم فكرتم فيها) تسمى ببساطة "عن الزمن والنهر" Of Time and the River. مجرد اتحاد الكلمتين يوحي بالاستعارة: الزمن والنهر، كلاهما يتدفق. وهناك حكمة الفيلسوف اليوناني المشهورة: "لا أحد ينزل مرتين إلى النهر نفسه". هنا نجد بصيص رعب، لأننا نفكر أولاً في تدفق النهر، في قطرات الماء ككائن مختلف، وبعد ذلك ننتبه فجأة إلى أننا نحن النهر، وأننا لا نقل عن النهر تفلتاً وهروباً. ولدينا أيضاً أبيات مانريكي:
حيواتنا هي الأنهار
التي تجري لتصب في البحر
الذي هو الموت.
هذا التأكيد لا يدهش كثيراً بالإنكليزية. عساني أتذكر كيف ترجمها لونغفيلو في "مقطوعات مانريكي". وإن كنا نجد، دون ريب، (وسأعود إلى هذه القصة في محاضرة أخرى)، وراء الاستعارة النمط، موسيقى الكلمات المهيبة.
حيواتنا هي الأنهار
التي تجري لتصب في البحر
الذي هو الموت.
إلى هناك تمضي الأبهة الأرضية،
مباشرة إلى الانتهاء
والنفاد?
الاستعارة، مع ذلك، هي نفسها، بالضبط، في الحالات كلها.
وسننتقل الآن إلى شيء مطروق بكثرة، شيء ربما سيجعلكم تبتسمون: المقارنة بين النساء والأزهار، وكذلك بين الأزهار والنساء. ولا شك في أن الأمثلة هنا وفيرة جداً. إلا أن هناك مثالاً (قد لا يبدو لكم مألوفاً)، أحب أن أتذكره، من ذلك العمل البارع غير المكتمل، Weir of Hermiston، لروبرت لويس ستيفنسون. يروي ستيفنسون كيف يذهب بطله إلى الكنيسة، في اسكتلندا، حيث يرى فتاة: "فتاة رائعة"، حسب ما يخبرنا. ونعرف أن البطل على وشك الوقوع في حبها. لأنه ينظر إليها، وعندئذ يتساءل إذا ما كان ثمة روح خالدة داخل تلك الهيئة باهرة الجمال، أو أنها مجرد حيوان بلون الأزهار. وفظاظة كلمة "حيوان" تتكسر، دون ريب، بعبارة "لون الأزهار". لا أظن أننا بحاجة إلى مزيد من الأمثلة على هذا النمط، الموجود في كل العصور، وفي كل اللغات، وفي كل الآداب. فلننتقل الآن إلى نمط آخر من الأنماط الأساسية للاستعارة: نمط الحياة كحلم، هذا الإحساس بأن حياتنا حلم. والمثال الجلي الذي يخطر لنا هو "إننا مصنوعون، كما الأحلام، من المادة نفسها". حسن، وإن كان له وقع التجديف ـ فأنا أحب شكسبير كثيراً بحيث لا يمكن لهذا أن يقلقني ـ أظن أنه يوجد هنا، إذا ما تفحصناه (ولا أظن أنه يجب علينا أن نتفحصه عن قرب شديد؛ وإن يكن علينا أن نشكر شكسبير على هذا وعلى هباته الكثيرة الأخرى)، يوجد هنا تناقض خفيف جداً بين واقع أن تكون حيواتنا مثل حلم أو تمتلك جوهر حلم، والتأكيد، الحاسم بعض الشيء، "إننا مصنوعون، كما الأحلام، من المادة نفسها". لأننا إذا كنا واقعيين في حلم، أو إذا كنا حالمين فقط في حلم، فإنني أتساءل عندئذ إذا ما كان بإمكاننا القيام بمثل هذه التأكيدات القاطعة. جملة شكسبير تنتمي إلى الفلسفة أو إلى الميتافيزيقيا أكثر من انتمائها إلى الشعر، مع أن السياق يرفعها، بكل تأكيد، ويسمو بها إلى مرتبة الشعر. مثال آخر من النمط نفسه يأتي من شاعر ألماني كبير؛ إلا أنه شاعر صغير بجانب شكسبير (ولكنني أعتقد أن الشعراء جميعهم صغار إلى جانبه، باستثناء اثنين أو ثلاثة). إنني أتحدث عن مقطوعة مشهورة للشاعر فالتر فون دير فوجيلويد Walter von der Vogelweide. وأظن أنها كما يلي (أتساءل كيف هي معرفتي بألمانية العصور الوسطى؛ على حضراتكم أن تعذروني): "تراني حلمت حياتي، أم أنها كانت حلماً؟". أظن أن هذا يقترب أكثر مما يحاول الشاعر أن يقوله، إذ بدلاً من التأكيد القاطع، نجد سؤالاً. فالشاعر حائر. لقد حدث ذلك لنا جميعاً، ولكننا لم نعبر عنه مثل فالتر فون دير فوجيلويد. الشاعر يسأل نفسه عما إذا كان قد حلم حياته، أم أن حياته نفسها كانت حلماً، وشكه يحمل إلينا، على ما أظن، جوهر الحياة هذا كحلم.
لست أذكر إذا ما كنت قد أتيت، في المحاضرة السابقة (لأن هذه جملة أستشهد بها كثيراً، دوماً، وأستشهد بها مدى الحياة)، على ذكر الفيلسوف الصيني تشوانغ تزو. لقد حلم أنه فراشة، وحين استيقظ، لم يدر إذا ما كان بشراً حلم أنه فراشة، أو أنه فراشة تحلم الآن أنها إنسان. أظن أن هذه الاستعارة هي الأكثر رهافة. أولاً، لأنها تبدأ بحلم؛ وبعد ذلك، عندما يستيقظ تشوانغ تزو، تواصل حياته امتلاك شيء من الحلم. وثانياً، لأن الفيلسوف، بنوع مما يشبه السعادة الإعجازية، اختار الحيوان المناسب. فلو أنه قال: "تشوانغ تزو حلم بأنه نمر" لكان سطحياً. ففي الفراشة شيء مرهف وسريع التلاشي. وإذا ما كنا أحلاماً، فإننا نحتاج إلى فراشة من أجل الإيحاء بذلك، بصدق، وليس إلى نمر. ولو أن تشوانغ تزو حلم بأنه ضارب آلة كاتبة لما أصاب مطلقاً. أو بأنه حوت: لن يكون مصيباً أيضاً. أظن أنه اختار الكلمة الدقيقة بالضبط لما كان ينوي قوله.
فلنتفحص نمطاً آخر: ومن الشائع في هذا النمط الجمع بين فكرتي النوم والموت. وهو شائع حتى في اللغة اليومية؛ ولكننا إذا ما بحثنا عن أمثلة، فسنلحظ أن هناك أمثلة مختلفة جداً. أظن أن هوميروس يتحدث في مكان ما عن "حلم الموت الحديدي". وهو يقترح علينا، بهذا، فكرتين متعارضتين: الموت هو نوع من الحلم، ولكن هذا النوع من الحلم مصنوع من معدن صلب، لا ينثني، وقاس cruel: الحديد. إنه نوم أبدي وغير قابل للكسر. ولدينا أيضاً، بالطبع، هاينه: Der Tos dass ist dir fr?he Nacht "الموت هو الليل المبكر". وبما أننا في شمالي بوسطن، أظن أنه يتوجب علينا أن نتذكر تلك الأبيات التي ربما تكون معروفة جداً لروبرت فروست Robert Frost:
The woods are lovely, dark, and deep,
But I have promises to keep,
And miles to go before I sleep,
And miles to go before I sleep.
"الغابات جميلة، قاتمة وعميقة،
ولكن عليّ وعود يجب إنجازها
وأميال لأقطعها قبل النوم،
وأميال لأقطعها قبل النوم".
هذه الأبيات بالغة الكمال تجعل من الصعب علينا التفكير في أن هناك حيلة. ولكن كل أدب، للأسف، مصنوع من حِيل، وهذه الحيل أو الخدع، تخرج على المدى الطويل إلى النور. وعندئذ تنهك القارئ. ولكن الحيلة في هذه الحالة بالغة الفطنة إلى حد أنني أخجل معه من تسميتها حيلة (وأسميها بهذا الاسم، لعدم وجود كلمة أفضل). لقد حاول فروست هنا شيئاً جريئاً جداً. نجد البيت نفسه مكرراً كلمة فكلمة، مرتين، ولكن المعنى مختلف. ففي المرة الأولى And miles to go before I sleep "وأميال لأقطعها قبل النوم": تعني شيئاً مادياً محضاً؛ فالأميال هي أميال في المكان، في نيو انجلند، وsleep تعني "النوم". أما في المرة الثانية ـ And miles to go before I sleep ـ فيجعلنا نفهم أن الأميال لا تشير فقط إلى المكان، وإنما إلى الزمان أيضاً، و"النوم" تعني "الموت" أو "الراحة". ولو أن الشاعر قال الشيء نفسه بكلمات أكثر، لكان أقل فعالية بكثير. لأن التلميح، حسب فهمي، أكثر فعالية بكثير من الإسهاب. ربما هناك ميل في العقل البشري إلى رفض التأكيدات الجازمة. تذكروا أن إمرسون كان يقول إن البراهين العقلية لا تقنع أحداً. وهي لا تقنع أحداً لأنها تُقدَّم لنا كتأملات عقلية. عندئذ نتأمل فيها، نفكر فيها ملياً، ثم ندير لها ظهورنا ونقرر عكسها. ولكن عندما يقال شيء فقط أو ـ بعبارة أفضل ـ عندما يوحى به، فإن مخيلتنا تحتضنه بنوع من كرم الضيافة. ونكون مستعدين لتقبله. أتذكر أنني قرأت، منذ حوالي ثلاثين سنة، أعمال مارتين بوبير Martin Buber، وقد بدت لي قصائد رائعة. وفي ما بعد، عندما ذهبت إلى بوينس آيرس، قرأت كتاباً لصديق لي، هو ليو دوخوفني Dujovne، واكتشفت في صفحاته، وهو ما أذهلني، أن مارتين بوبير كان فيلسوفاً، وأن كل فلسفته متضمنة في الكتب التي قرأتُها على أنها شعر. ربما أنني أتقبل تلك الكتب لأنني احتضنتها على أنها شعر، على أنها إيحاء أو تلميح، عبر موسيقى الشعر، وليس كتأملات عقلانية. أظن أنه يمكن لنا أن نجد، في أعمال والت ويتمان، في مكان ما منها، الفكرة نفسها: فكرة أن العقل razon قليل الإقناع. أظن أن ويتمان يقول في مكان ما إن هواء الليل، النجوم الفسيحة والقليلة، هي أكثر إقناعاً من التأملات العقلية المحضة. يمكننا أن نتأمل أنماطاً أخرى من الاستعارة. فلنأخذ الآن مثال المعركة والنار (وهذا نمط غير شائع مثل الاستعارات الأخرى). في الإلياذة نجد صورة المعركة التي تسطع مثل حريق. ولدينا الفكرة نفسها في مقطع فينسبيرغ Finnesburg البطولي. هذا المقطع يحدثنا عن المعركة بين الدنماركيين وفريسيي ضفاف بحر الشمال، عن بريق الأسلحة، عن الدروع والسيوف. وعندئذ يقول الكاتب إنه يبدو كما لو أن فينسبيرغ كلها، كما لو أن قلعة فين Finn، تشتعل لهباً. يخيل إليّ أنني نسيت أنماطاً من الاستعارات الشائعة جداً. لقد تحدثنا، حتى الآن، عن العيون والنجوم، النساء والأزهار، الأنهار والزمن، الحياة والموت، الموت والنوم، المعارك والحرائق. ولو أتيح لنا الوقت والمعرفة الضروريان، لاستطعنا العثور على عدد آخر من الأنماط التي ربما تقدم لنا استعارات الأدب كلها تقريباً. ما هو مهم حقاً ليس وجود عدد محدود جداً من الأنماط، وإنما واقع أن هذه الأنماط القليلة تتقبل عدداً غير متناه تقريباً من التنويعات. ويمكن للقارئ المهتم بالشعر، وليس بنظرية الشعر، أن يقرأ، على سبيل المثال، "أرغب في أن أكون الليل"، وبعد ذلك "مسخ مصنوع من عيون" أو "النجوم تنظر إلى أسفل"، دون أن يتوقف عن التفكير في أن هذه الأبيات جميعها تُحيل إلى نمط وحيد. ولو أنني كنتُ مفكراً جريئاً (ولكنني لستُ كذلك؛ فأنا مفكر هياب، أتقدم متلمساً طريقي)، سأقول إنه لا وجود إلا "لدزينة" من الاستعارات، وإن كل الاستعارات الأخرى ليست سوى ألعاب اعتباطية. هذا يعادل التأكيد أنه، بين "العشرة آلاف شيء" في التعريف الصيني، يمكننا أن نجد فقط اثنتي عشرة توليفة تشابهات أساسية. لأنه يمكن لنا، بالطبع، أن نجد تشبيهات أخرى تكون مدهشة وحسب، والدهشة تكاد لا تستمر أكثر من لحظة واحدة. أتذكر أنني نسيت مثالاً باهراً لمعادلة الحلم ـ الحياة. ولكنني أرى أنني أتذكره الآن: إنه للشاعر الأمريكي كامينغز Commings. وهو من أربعة أبيات. عليّ أن أعتذر عن البيت الأول منها. من الواضح أن من كتبه هو شاب يكتب للشباب، وهذا امتياز لم يعد بإمكاني المشاركة فيه: فأنا عجوز بما يكفي لمثل هذا النوع من الألعاب. ولكن علينا أن نورد المقطع كاملاً. البيت الأول هو: "وجه الرب الرهيب، أكثر لمعاناً من ملعقة". يكاد هذا البيت الأول يبدو لي مؤسفاً، لأن أحدنا يستشف، دون شك، بأن الشاعر قد فكر أولاً بسيف، أو بنور شمعة، أو بالشمس، أو بترس، أو بشيء لامع تقليدياً، وقال عندئذ: "لا، فأنا شاعر حديث، ولهذا سأُدخل ملعقة". وكانت له ملعقته. ولكننا نستطيع أن نغفر له بسبب ما يأتي بعد ذلك: God_s terrible face, brighter than a spoon, / collects the image of one fatal word "وجه الرب الرهيب، أكثر لمعاناً من ملعقة،/ يلتقط صورة كلمة مشؤومة". هذا البيت الثاني أفضل، على ما أعتقد. وفي ملعقة، كما قال لي صديقي مورشيسون Murchison، كثيراً ما نجد صوراً كثيرة ملتقطة. أنا لم أفكر في ذلك قط، لأنني ظللت حائراً بالملعقة ولم أشأ الإكثار من تقليبها.
God_s terrible face, brigher than a spoon,
collects the image of one fatal word
so that my life (which liked the sun and the moon)
resembles something that has not occurred.
"وجه الرب الرهيب، أكثر لمعاناً من ملعقة،
تلتقط صورة كلمة مشؤومة،
وهكذا هي حياتي ـ المعجبة بالشمس والقمر ـ
تشبه شيئاً لم يحدث".
"تشبه شيئاً لم يحدث": هذا البيت يتضمن بساطة نادرة. أظن أنه ينقل إلينا جوهر الحياة كحلم أفضل من أولئك الشعراء الأوسع شهرة، شكسبير، ولتر فون دير فوغلويد.
لا شك في أنني اخترت بعض الأمثلة القليلة فقط. وأنا واثق من أن ذاكرتكم تغص باستعارات رحتم تختزنونها، وهي استعارات ربما تنتظرون سماعي أستشهد بها. أعرف أنني بعد هذه المحاضرة سأشعر كما لو أن تأنيب الضمير يداهمني، حين أفكر في الاستعارات الكثيرة والبديعة التي استبعدتها. وأنتم، بالطبع، ستقولون لي في حديث جانبي: "ولكن، كيف نسيت تلك الاستعارة الرائعة لفلان؟". ويكون عليّ أن أعتذر وأن أواصل البحث متلمساً. أما الآن، فأعتقد أنه علينا الاستمرار في استعارات تبدو أنها تتجنب الأنماط القديمة. وبما أنني تحدثت عن القمر، فسوف أتناول استعارة فارسية قرأتها في مكان ما من تاريخ الأدب الفارسي لبراون Brown . ولنشر إلى أنها لفريد الدين العطار، أو عمر الخيام، أو حافظ، أو أحد كبار الشعراء الفرس. يتحدث عن القمر بتسميته "مرآة الزمن". يخيل إليّ، من وجهة النظر الفلكية، أن فكرة كون القمر مرآة ستكون مناسبة، ولكن هذا أقرب إلى عدم الكشف من وجهة نظر شعرية. فكون القمر فعلاً مرآة، أو عدم كونه، يخلو من أدنى قدر من الأهمية، ذلك أن الشعر يتحدث عن التخيل. فلنتأمل القمر كمرآة للزمن. أظن أنها استعارة رائعة: في المقام الأول، لأن فكرة المرآة تنقل إلينا إضاءة القمر وهشاشته، ولأن فكرة الزمن، في المقام الثاني، تذكرنا فجأة بأن القمر المضيء الذي نراه، عتيقٌ جداً، وهو مفعم بالشعر والمثولوجيا، وقديم قِدم الزمن. وبما أنني استخدمت عبارة "قديم قِدم الزمن"، يتوجب عليّ أن أورد بيت شعر آخر، ربما هو بيت يجول في أذهانكم. لا يمكنني أن أتذكر اسم صاحبه. وقد وجدته مقتبساً في كتاب ليس واسع الشهرة لكيبلنغ عنوانه From Sea to Sea: ويقول البيت: "مدينة وردية اللون، قديمة كما الزمن تقريباً". لو أن الشاعر كتب "مدينة وردية اللون، قديمة قِدم الزمن"، لما كتب شيئاً حاسماً. ولكن "قديمة كما الزمن تقريباً" تنقل إلينا نوعاً من التحديد السحري: إنه نوع التحديد السحري نفسه الذي تتوصل إليه الجملة الإنكليزية الغريبة والمتداولة I will love you forever and a day "سأحبك إلى الأبد ويوم". Forever تعني "زمن بالغ الطول" ولكنه تجريد لا يمكن معه إيقاظ المخيلة. نجد هذا النوع نفسه من الحيلة (وأستميحكم عذراً لاستخدامي هذه الكلمة) في عنوان هذا الكتاب المشهور، ألف ليلة وليلة. ذلك أن ألف ليلة تعني للمخيلة 7-7-الليالي الكثيرة7-7-، مثلما كانت كلمة "أربعون" تستخدم في القرن السابع عشر، لتعني "كثيرين". ويكتب شكسبير: When forty winters shall besiege thy bro... "عندما تفرض شتاءات كثيرة حصاراً على جبهتك"؛ ويخطر لي التعبير الإنكليزي الشائع "forty winks" (حرفياً: "أربعون رمشه" للإشارة إلى القيلولة to have forty winks: "نوم قيلولة، أخذ غفوة". "أربعون" تعني "كثيرين". وهكذا لديكم "ألف ليلة وليلة"؛ مثل تلك الـ "مدينة وردية اللون" والتحديد المذهل: "قديمة كما الزمن تقريباً"، التي تجعل الزمن يبدو، دون شك، أطول بكثير. من أجل تفحص استعارات مختلفة، سأعود الآن ـ وستقولون إنه لا مفر من ذلك ـ إلى الأنجلوسكسونيين، المفضلين لدي. أتذكر تلك الـkenning المألوفة حقاً التي تسمي البحر "طريق الحوت". أتساءل إذا ما كان السكسوني القديم المجهول الذي استخدم أول مرة هذه الـ kenningيعرف كم هي جميلة. أتساءل إذا كان قد انتبه (وإن لم يكن في هذا الأمر ما يستحق اهتمامنا) إلى أن ضخامة الحوت توحي بضخامة البحر وفخامته. ثمة استعارة أخرى، اسكندنافية، عن الدم. الـkenning المألوفة للدم هي "ماء الأفعى". وفي هذه الاستعارة لدينا مفهوم السيف ـ الذي نجده أيضاً عند السكسونيين ـ ككائن خبيث في جوهره، كائن يشرب دم البشر كما لو كان ماء. ولدينا استعارات المعركة. بعضها شديدة الابتذال؛ مثل "ملتقى الرجال"، على سبيل المثال. ربما يوجد هنا شيء بالغ الرهافة: فكرة الرجال الذين يلتقون ليقتل بعضهم بعضاً (كما لو أنه من غير الممكن حدوث نوع آخر من "اللقاء"). ولكن لدينا كذلك "لقاء السيوف"، "رقصة السيوف"، "قعقعة السلاح"، "قعقعة الدروع". جميعها موجودة في أغنية برونانبور Ode of Brunanburh. وهناك استعارة أخرى بديعة في _orn _neoht، ""لقاء الغضب". ربما تبهرنا الاستعارة هنا، فعندما نفكر في "لقاء"، نفكر في الرفاقية، في الصداقة؛ وعندئذ يبرز التناقض، لقاء "الغضب". ولكنني أقول إن هذه الاستعارات ليست شيئاً يُذكر مقارنة بالاستعارة الاسكندينافية و ـ وهو ما يبدو شديد الغرابة ـ الأيرلندية بالغة الروعة للمعركة. تسمي المعركة "شبكة الرجال". وكلمة "شبكة"" رائعة حقاً هنا، ذلك أن فكرة الشبكة تقدم لنا نموذج المعركة القروسطية: لدينا السيوف، الدروع، تصادم الأسلحة. ولدينا كذلك ظلال الكابوس لشبكة منسوجة من كائنات حية. "شبكة الرجال": شبكة رجال يموتون ويقتل بعضهم بعضاً. ترد إلى ذاكرتي فجأة استعارة للشاعر الإسباني لويس دي غونغورا تشبه إلى حد كبير استعارة "شبكة الرجال". فغونغورا يتحدث عن رحالة يصل إلى "ضيعة همجية"؛ ويكون للقرية عندئذ حبل كلاب فيما حولها:
y cual suele tejer barbara aldea
soga de gozques contra forastero.
ومن الذي اعتاد أن ينسج، أيتها الضيعة الهمجية،
حبلاً من الكلاب ضد الغرباء.
وهكذا، بطريقة غريبة جداً، نجد الصورة نفسها: فكرة حبل أو شبكة مصنوعة من كائنات حية. ولكن، حتى في هذه الحالات التي تبدو مترادفة، هناك اختلاف بارز. فحبل الكلاب هو شيء زخرفي (باروكي) وفج، بينما "شبكة الرجال" تضيف إلى الاستعارة شيئاً رهيباً، شيئاً مرعباً. لكي أنهي، سأتفحص استعارة، أو تشبيهاً (فأنا في نهاية المطاف لستُ أستاذاً، والفرق بين الاستعارة والتشبيه يكاد لا يهمني) من بايرون Byron المنسي اليوم. قرأت القصيدة عندما كنت صغيراً؛ وأتصور أننا جميعنا قرأناها في سن مبكرة. ولكنني اكتشفت فجأة، منذ يومين أو ثلاثة أيام، أن في الأمر استعارة معقدة جداً. لم يخطر لي من قبل قط أن يكون بايرون معقداً بصورة خاصة. جميعكم تعرفون الجملة: "تمشي بجمال، كما الليل" البيت متقن الكمال إلى حد لا نوليه معه أهمية. ونفكر: "حسن، كان بإمكاننا نحن أن نكتبه، لو أردنا ذلك". ولكن بايرون وحده هو الذي أراد كتابته. ما يهمني الآن هو التعقيد الخفي والسري للبيت. وأعتقد أنكم اكتشفتم الآن ما سأكشفه لكم. (فهذا هو ما يحدث دوماً مع المفاجآت، أليس كذلك؟ وهو يحدث لنا عندما نقرأ رواية بوليسية.) في قول بايرون She walks in beauty, like the night: لدينا، بادئ ذي بدء، امرأة باهرة الجمال، وبعد ذلك مباشرة يقول لنا "تمشي بجمال". وهذا يحيلنا، بطريقة ما، إلى اللغة الفرنسية، إلى شيء مثل: vous ?tes en beaut?. ولكن: She walks in beauty, like the night. لدينا في المقام الأول، امرأة باهرة الجمال، سيدة جميلة؛ وهي تشبه الليل. من أجل فهم البيت علينا أن نفكر في أن الليل أيضاً هو امرأة؛ وإلا لن يكون للبيت معنى. وهكذا، نجد في هذه الكلمات شديدة البساطة استعارة مزدوجة: امرأة مُشَبَّهة بالليل، ولكن الليل مُشَبَّه بامرأة. لست أدري، ولا يهمني أن أعرف، إذا ما كان بايرون يعرف ذلك. وأعتقد لو أنه عرف ذلك لكان من الصعب أن يكون البيت بهذه الجودة. ربما يكون قد اكتشف ذلك قبل أن يموت، أو ربما يكون أحد ما قد نبهه إليه. وهكذا نصل إلى النتيجتين الأساسيتين والجليتين من هذه المحاضرة. النتيجة الأولى هي أن هنالك، بالطبع، مئات وحتى آلاف الاستعارات التي يمكن اكتشافها، وجميعها يمكن أن تُحال إلى عدد قليل من الأنماط الأساسية. ولكن ليس في هذا ما يدعونا إلى القلق، لأن كل استعارة تكون مختلفة. والنتيجة الثانية هي أنه ثمة استعارات ـ مثل "شبكة الرجال" أو "طريق الحوت" ـ لا يمكن لنا إحالتها إلى أنماط محددة. أظن إذن أن الآمال ـ حتى بعد محاضرتي ـ مواتية بما يكفي للاستعارة. لأنه يمكننا، إذا أردنا، أن نجرب تنويعات جديدة من الاتجاهات الأساسية. ويمكن للتنويعات أن تكون جميلة جداً، ولن يكون هناك إلا نقاد مثلي يزعجون أنفسهم بالقول: "حسن، ها نحن نعود هنا لنجد عيوناً ونجوماً، والزمن والنهر مرة وأخرى، دوماً". الاستعارات تحرض المخيلة. ولكن يمكن أن يتاح ـ ولماذا لا نأمل ذلك ـ ابتكار استعارات لا تنتمي، أو أنها لم تنتمِ بعد، إلى الأنماط المقبولة والمعترف بها.


كتـابُ الرَّمـــل
خورخي لويس بورخيس
ترجمها عن الإسبانية: إدريس الكنبوري
عن "القدس العربي"

يتكون السطر من عدد لامتناه من النقاط، والصفحة من عدد لامتناه من السطور، والكتاب من عدد لا متناه من الصفحات، والسفر من عدد لامتناه من الكتب، لا، ليست هذه هي الطريقة الجيدة للشروع في كتابة قصتي، فالزعم بأن قصة غريبة ما هي قصة حقيقية أصبح عادة اليوم، لكن قصتي أنا حقيقية. أعيش بمفردي، في مسكن يقع بشارع"بيلغرانو"، وقد حدث ذات مساء قبل أشهر أنني سمعت طرقا علي الباب، فتحت فدخل شخص غريب لا أعرفه، كان شخصا طويل القامة ذا ملامح مموهة، أو هكذا خيل لي بسبب ضعف بصري، وكان كل ما فيه يوحي بالفقر لكن بشكل محتشم، لونه رمادي ويحمل في يده حقيبة رمادية اللون أيضا، فأدركت للتو أنه شخص غريب عن البلدة. في البداية بدا لي عجوزا، لكنني فطنت فيما بعد إلي أنني أخطأت في حكمي عليه من خلال لون شعر رأسه الذي وخطه الشيب حتي أصبح أقرب إلي البياض مثل سكان المنطقة الأسكندنافية، وخلال حوارنا القصير، الذي لم تتجاوز مدته الساعة، عرفت أنه قادم من"أوركاداس". أشرت له إلي كرسي قريب، لكن الرجل قضي وقتا طويلا مستغرقا في الصمت قبل أن يبدأ في الكلام، وبدا لي حزينا تماما، مثلما أنا الآن. قال:
ـ إنني أبيع الأناجيل!
فقلت له، لكن بطريقة مليئة بالحذلقة:
ـ في هذا المسكن توجد أناجيل إنجليزية، بما فيها أول إنجيل، إنجيل"جون ويكليف"، وعندي أيضا إنجيل"سيبريانو دي فاليرا" وإنجيل"لوتيرو" الذي هو من الناحية الأدبية البحت أسوأها جميعا، وعندي أيضا نسخة باللاتينية من إنجيل"فولكاتا"، وكما تري يا سيدي، فليست الأناجيل هي ما ينقصني. بعد لحظة صمت قال:
ـ ولكنني لا أبيع الأناجيل فقط، فبإمكاني أن أريك كتابا مقدسا سوف يثير فضولك، حصلت عليه من مكان يقع علي حدود"بيكانير". فتح الحقيبة ووضع الكتاب علي الطاولة. كان عبارة عن كتاب ضخم مغلف بالكتان، لا شك أنه وقع في عدة أيد قبل أن يصل إلي. أخذت أتصفحه، لكن ثقله غير المألوف لدي أثار استغرابي، وكان مكتوبا علي ظهره عبارة"الكتابة المقدسة" وفي أسفله عبارة"بومباي". قلت:
ـ إنه كتاب من القرن التاسع عشر
رد الرجل:
ـ لا أعرف، لم أعرف ذلك أبدا
فتحته كيفما اتفق، فلاحظت أن الخط الذي كتب به خط غريب، والصفحات التي كانت رثة مطبوعة في مطبعة قديمة جدا مكتوبة علي شكل عمودين منقسمين علي غرار الأناجيل، وكانت الكلمات متزاحمة فيما بينها وعلي شكل آيات مرتبة، وفي أعلي الصفحات أرقام باللغة العربية، وأثار اندهاشي أن الصفحات الزوجية كانت تحمل الرقم 14 519 والصفحات الوترية الرقم التالي 999. قلبته في يدي، فرأيت أن ظهره يحمل عددا من ثمانية أرقام، وكان يحتوي أيضا علي رسم صغير كما هو الحال في المناجد اللغوية، يبدو أنه رسم بالريشة بيد طفل صغير غير حاذق. في تلك اللحظة قال لي الرجل الغريب:
ـ أنظر إليه جيدا، ربما لن تراه مرة ثانية بعد الآن
كان هناك نوع من الوعيد في المعني المقصود، لكن ليس في صوت الرجل. نظرت بإمعان إلي الكتاب ثم أغلقته، ثم أعدت فتحه بسرعة، وبدون جدوي أخذت أبحث عن مكان الرسم الذي رأيته قبل قليل، ولكي أخفي دهشتي قلت للرجل: ـ يتعلق الأمر بنوع من الكتابة الأندونيسية، أليس صحيحا؟
قال:
ـ لا
ثم خفض من صوته كما لو أنه يلقي إلي بسر:
ـ لقد حصلت عليه من بلدة"يانورا"، مقابل بعض الروبيات ونسخة من الإنجيل، لم يكن صاحبه يعرف القراءة، وأعتقد أنني رأيت في"كتاب الكتب" تعويذة من النوع الشائع لدي الطبقة الفقيرة في الهند، لا يستطيع أحد أن يطأ ظلها من دون أن يصاب بعدوي، ولقد قال لي صاحبه إنه يسمي"كتاب الرمل"، لأن الرمل والكتاب معا ليست لهما بداية ولا نهاية. وطلب مني أن أفتح الصفحة الأولي.
ضغطت بكفي اليسري علي الغلاف وفتحت الكتاب بإبهامي ملتصقا تقريبا بخنصري، لكن بدون فائدة، فقد كانت عدة صفحات تعلق بين يدي وبين الغلاف، كما لو أنها كانت تخرج من الكتاب لوحدها. وقال لي الرجل: ـ والآن يمكنك أن تبحث عن النهاية
وفشلت مرة ثانية، وبالكاد صرخت بصوت لم يكن صوتي:
ـ هذا أمر لا يتصور.
وبنفس صوته الخفيض قال لي بائع الأناجيل:
ـ لا يتصور ولكنه حصل، إن صفحات هذا الكتاب غير متناهية بشكل واضح، لا واحدة منها هي الأولي ولا واحدة منها هي الأخيرة، لكنني لا أعرف لماذا تم ترقيمها بهذه الطريقة، ربما لإفهام الآخرين بأن السلسلة اللامتناهية تقبل أي ترقيم ما دامت غير متناهية. بعد ذلك قال وكأنه يفكر بصوت عال:
ـ إذا كان الفضاء غير متناه فنحن نوجد في أي نقطة منه، وإذا كان الزمن غير متناه فنحن نوجد في أي نقطة منه.
وأثارتني كلماته، فسألته:
ـ أنت رجل دين، أليس كذلك؟
ـ نعم، أنا كالفاني، واعتقاداتي واضحة، وأومن بأن مبادلة كلمة الرب بكتابه الشيطاني ليست احتيالا.
وطمأنته قائلا بأن لا شئ فيه يستحق أن يلام عليه، وسألته إن كان سوف يبقي وقتا أطول في هذه البلدة، فرد علي بأنه يفكر في العودة إلي بلدته بعد أيام، وقال لي بأنه اسكتلندي من جزر"أوركاداس"، فقلت له بأنني أحب اسكتلندة شخصيا بسبب محبتي لـ"استفنسن" و"هيوم"، فصحح لي:
ـ و روبي بورنز
وبينما كنا نتحدث، كنت أتابع تصفح الكتاب اللانهائي، وقلت له بعدم اكتراث مقصود:
ـ تريد إهداء هذا المجلد المثير للإعجاب إلي المتحف البريطاني؟
ـ لا، سأعطيه لك
لكنه اشترط مقابله مبلغا كبيرا من المال، فأجبته، بكل صدق، بأن هذا المبلغ فوق طاقتي، وأخذت أفكر، وبعد لحظات دبرت خطة، فقلت له:
ـ اقترح عليك مقايضة، لقد حصلت عليه مقابل بعض الروبيات ونسخة من الإنجيل، وأنا سأعطيك مقابله كل المبلغ الذي حصلت عليه من تقاعدي وإنجيل"ويكليف" بالخط القوطي الذي ورتثه عن والدي. وغمغم:
!ـ إنجيل"ويكليف" الأبيض
توجهت ناحية غرفة نومي وعدت بالمال والكتاب، وأخذت أتصفح الكتاب الغريب وأمعن النظر في غلافه بنهم شخص مريض بالمكتبات. وقال الرجل:
ـ اتفقنا
واستغربت لكونه لم يساوم، ولم يعد الأوراق المالية ووضعها في جيبه، فأدركت بعد رحيله أنه دخل إلي بيتي بغرض بيع الكتاب. لقد تحدثنا عن الهند وجزر"أوركاداس"، وكان وقت المساء عندما رحل الرجل، ولم أعد أراه بعد ذلك أو أعرف له إسما. فكرت أن أضع"كتاب الرمل" داخل المكان الفارغ الذي خلفه إنجيل"ويكليف" في رف المكتبة، ولكني اخترت في النهاية أن أخفيه خلف المجلدات القديمة لـ"ألف ليلة وليلة"، ثم ذهبت لكي أنام، وفي الساعة الثالثة أو الرابعة فجرا أشعلت النور وفتحت الكتاب المستحيل ورحت أقلب صفحاته، فوجدت في إحداها قناعا وفي ركنها رقما لم أعرف ماذا يكون. لم أر الكتاب لأحد، فلذة الحصول عليه لا يوازيها سوي خوفي من أن يسرق، وخشيتي من أن لا يكون حقا لامتناهيا، وزاد هذان الخوفان من نزعتي القديمة الكارهة للشر. كان لدي صديقان هما من بقي لي، ولم أفكر في زيارتهما. ظللت سجين الكتاب لا أطل تقريبا علي الشارع، أقلب ظهره وغلافيه بعدسة مكبرة وأستبعد أي نوع من الغش فيه، ووجدت أن رسوماته الصغيرة متباعدة بألفي صفحة الواحدة عن الأخري، وفي الليل عندما يجافيني النوم بين الحين والآخر كنت أحلم بالكتاب.
انتهي الصيف وعرفت أن الكتاب هو كتاب خرافي، ولم تفدني في شئ ملاحظتي بأنني أنا أيضا خرافي. لقد كنت أنظر إليه بعيني وأضغط عليه بأصابعي العشرة وأظافرها، وشعرت بأنه شئ أقرب إلي الكابوس، شئ فاحش يقدح في سمعة المرء ويفسد الواقع.
وفكرت في النار، لكنني خشيت أن يتحول إحراق كتاب لانهائي إلي نار لانهائية تخنق الكون بالدخان، وتذكرت بأن أفضل مكان لإخفاء ورقة هو الغابة. لقد كنت قبل تقاعدي أعمل في المكتبة الوطنية التي يوجد بها تسعمائة الف كتاب، وكنت أعرف أنه إلي يمين البهو يوجد الدرج الحلزوني الذي يقود إلي الطابق الأرضي حيث مكان الصحف والخرائط، فانتهزت لامبالاة المستخدمين لإخفاء كتاب الرمل في واحد من الرفوف التي تعلوها الرطوبة، محاولا أن لا أتأكد بدقة من المكان ولا المسافة بينه وبين المدخل. شعرت بقليل من الارتياح، لكنني لا أريد المرور عبر شارع مكسيكو.

تصميم : بهجت المصطفى

Hosted by www.Geocities.ws

1