مختارات

نصوص أدبية مختارة

عودة إلى الصفحة الرئيسية

100 عام على ولادة بورخيس : لماذا هذا الاقتراب القليل من الأنين ؟
نبيه برجي

لقد انقضى قرن كامل على ولادته . هذه مدة كافية ليعترف العالم بأن البرق لا ينتج عن ارتطام غيمة بأخرى . قد يحدث هذا بسبب ارتطام كلمة بأخرى . . أي دوي ( ضوئي ) كان في داخل خورخي لوي بورخيس ، حتى بعدما بدأ يفقد بصره في عام 1956 ، و كان آنذاك في السابعة و الخمسين من العمر . لم يشعر أبداً أن عينيه قد ماتتا ، فقد تحولت حتى أطراف أصابعه إلى . . عيون .
ذاك المجنون بالكتب هو نفسه المسكون بالغابات . أُخذ عليه أنه لم يقترب سوى قليلاً من الأنين الذي في أمريكا اللاتينية . و كان يجيب أن مهنته ليست قرع الطبول و إنما جعل اللغة ، حتى ولو كانت ساكنة أحياناً ، تضرم النار في الأمل لا لكي يحترق و إنما لكي يتوهج . كان في السادسة حين كان يكتب : " شيء ما يشبه زقزقة العصافير بين أصابعي " . و كانت بوينس ايرس مدينة لا تزال تعترف بأهمية القلب ، و كان قلب بورخيس مشوشاً ، و مكتظاً بأحاسيس غريبة : " أجل كنت أشاهد الناس ، و المنازل ، و حتى القبور بصورة مختلفة . كنت معنياً بأشياء أخرى في داخل الإنسان لم تعني أترابي . و لقد عملت على تكثيف هذا الإحساس ، و ربما كان ذلك هو الذي جعلني أشعر بأن الصدمة أقل مما كنت أتصور عندما فقدتُ بصري " .

أبوه حاول أن يجعل منه فيلسوفاً ، فثمة شعراء و كتّاب و كهنة و جنرالات و رجال أعمال كثيرون ، و كثيرون جداً في أمريكا اللاتينية . الأب كان مثقفاً ، و كان يعلم أن هذه المنطقة في العالم تعاني من النقص الفلسفي ، و هو الذي يجعل أي محاولة للتغيير أو حتى للاحتجاج تبدو كما لو أنها من دون أفق .
في عام 1914 انتقلت العائلة إلى جنيف : " لم أشعر بعبقرية المكان ، كمكان ، بل كنت أتابع انعكاس الإنسان على المكان ، و لذلك فقد شعرت في تلك المدينة السويسرية أن ثمة نهراً يمشي في جسدي الذي دخل في أسطورة ما . كنت مأخوذاً بتقنية الزمن ، و كنت أعتقد أنني أرتبط بحالة سحرية ما حدثت في الماضي . إنني أنحاز إلى السعادة الشاقة ، و أفضل أن أضحك كما يضحك الآلهة " .
هذه الشراهة اللامتناهية للقراءة حولته إلى " مركز تجمع " لكل الأدباء منذ هوميروس ( و هو هوميروس القرن ) إلى جان بول سارتر "الذي كان يفتنني لأن رجلاً محطماً على هذا النحو يمكن أن يصوغ منهجة فلسفية على هذا المستوى من التعقيد و التناغم و التأثير " .
الأديب الأرجنتيني الذي ظل يقرأ و يقرأ بعد إصابته بالعمى كان واثقاً من أن الأشياء نفسها تقرأه : " كانت الأشياء تتسلق روحي ، و كنت أشعر باغتباطها ، ربما لأنني كنت ، بدوري ، ذلك الشيء الضائع الذي تبحث عنه الأشياء عبر الأزمنة "

عندما تحد من يأس الأشياء ، فأنت تحد ، حكماً ، من اليأس البشري ، ذاك الذي لاحظ بورخيس أنه يزداد هولاً " كلما ربطنا أدمغتنا بالعصر " . عنده اللغة هي التي تعيد صياغة الحياة ، و لذلك فإن النقاد الذين توغلوا في أعماله يقولون إنه لم يكن يمتلك أصابع اعتيادية . إنها بالضرورة ، أصابع ساحر ، حتى أن زوجته ماريا كوداما ، و هي من أب ياباني و أم أرجنتينية ، تقول إنه عندما كان يلامس جسدها كانت تشعر بأنه يحمل في يديه روحاً غريبة كما لو أنها روح آلهة قدامى .
رفض أن يتحول الزمن الشخصي إلى منفى ، كما رفض أن يكون العمى بمثابة المنفى التراجيدي الذي يُنقل إليه أولئك المحكومون بموت المكان . كان يطلب من زوجته التي تصغره سناً أن تقرأ له : " كان مستعداً لكي يصغي ربما لألف عام ، لكنني لا أملك صلاحية أن أبقى طوال هذه المدة على قيد الحياة " .
ماريا تعرفت عليه عندما كانت في الثانية عشرة من العمر خلال محاضرة كان يلقيها في بوينس ايرس ، و كان صديقاً لأبيها ، و كانا يتناقشان في الأدب الياباني القديم الذي كان يفتنهما معاً : " في أحيان كثيرة ، كنت أشعر كما لو أنه يرى الأشياء بمنتهى الوضوح ، حتى أنه و هو يمشي على الأرصفة كان يبدو و كأنه يمتلك حدساً بصرياً لا حدود له . و أمام المناظر الطبيعية كان يتوقف طويلاً لكي يتأمل . كنت أعلم تماماً بأنه إنما يشاهد هذه المناظر بتفاصيلها لأن عينيه كانتا قد استقرتا في قلبه " .

بالطبع كان يتألم : " هذا إحساس كنت أتلمسه أنا بأصابعي . و كنت أعرف أن ثمة شيئاً ما يحدث داخله . و لم تكن هناك عينان لتكشف ما يجري . و كان يحاول أن يضفي على وجهه بعداً هوميرياً . كان يتعامل مع اللغة كما يتعامل مع الحياة . يُفترض بالعلاقة أن تكون مرتبكة و خلاقة " .
و تضيف زوجته : " لم أشعر لحظة واحدة بالملل ، كان يتحدث بصورة تهز حتى الأشياء ، و جين كان يكتب كنت أحدق في وجهه . كان واضحاً أنه يرى الكلمات أو أنها كانت تراه . من الصعب عليّ ، و أنا التي اتجهت إلى الدراسات العلمية ، أن أفسر الحالة كان الهذيان راقياً و جميلاً في الوقت نفسه و حين كان يتأبط ذراعي أشعر بأنني أتأبط ذراع المطر " .
كان مأخوذاً بعلم الاشتقاق : " اللغة هي المرأة التي تنجب الأزمات ، فقد كان نقياً كما لو أنه بحيرة عذراء ، لكنه في لحظة ما كان يترك العاصفة تأخذ مداها . أجل في أوقات معينة من الكتابة ، كنت أشعر كما لو أنني أمام مشهد ضربه الخراب منذ لحظات . هذه التناقضات التي في داخله أعطته شخصية يتعذر العثور عليها في كل وقت " .
لا تحسبوا أن خيالكم يخضع لميكانيكة معينة ، فالخيال هو الرجل الذي تبحث عنه الآلهة . إذاً . . . إن مهمة الحواس الخمس هي مهمة آنية و قابلة للعطب : " لقد اخترعتُ الحواس التي تلائمني . الأفضل أن أعيش كما يعيش المجانين " . حتى اللحظة الأخيرة ظل هكذا . كان يعاني من آلام عميقة و هو يحتضر . في الدقائق التي ينحسر فيها الألم يطلب إلى زوجته أن تقرأ له أشعاراً لشارل بودلير : " كما لو أنها كانت نصوصاً مقدسة تهطل على روحه الأخيرة . و كان شيئاً مثيراً للغاية . لكنني أعرف أي نوع من الرجال هو بورخيس ، فقد كان مأخوذاً بكل ما هو جارح حتى في اللعبة الداخلية للجسد " .
تقول ماريا : " كان عندنا قطان ، و كنا نحبهما بشكل لا يصدق . و حين أحدق في الخزائن و الرفوف التي امتلأت بالكتب ، يساورني الإحساس بأن بورخيس كان القط الثالث الذي يلتهم بشراهة مكتبة بابل " .

المحرر نيوز - 17 تموز 1999

تصميم : بهجت المصطفى

Hosted by www.Geocities.ws

1