مختارات

نصوص أدبية مختارة

عودة إلى الصفحة الرئيسية
من مفكرة النخيل و الزعتر
نزيه أبو عفش
حين يجيء المطر الأوّل و الأعشابْ
أقول : يا أرض دمشقَ ابتسمي
ها أنذا أخرج من رخاوة التراب
آتيكِ في قافلة الحجيج . . .
كلّ خلجةٍ : هلا . . و كل رعشةٍ : سؤالْ
أقول : يا عين دمشق ابتسمي
أنا الذي اقترفتُ جرم الموت في أعراسكِ المضاءةْ
أقترف الساعةَ جرم المغفرةْ
و . . حين . . لا فمٌ يضيء فيكِ . .
لا بشارةٌ تعلن طقسَ الوصل و المجاملةْ
أقول : هذا زمن الشدّةِ
هذي مدن السقوط و المماطلةْ
يطلع في عينيَّ نهرُ الصوت و البكاءْ
يخنقني النداء :
يا حزنُ . . يا أمير . . يا . . .
تعالَ . . أو تعالَ . . أو . . .
تعالْ
أيها الوجه الترابيُّ البخيلُ
كيف أنكرت على قلبي تصبّيه . .
و أيقظت رياح الشفقةْ
بيننا الليل - و لا يدرون - و القلبُ الطموحُ
و انطفاء القمر النازفِ و الجمرُ . .
و في جعبتكَ الزعترُ ، و التمرُ ، و أوراق الصنوبرْ
إعْفِني من خضّة اليأسِ . .
فهذا زمن يسقط فيه الخوف و التوبةُ . .
هذي مدنٌ ينكرها العشبُ ،
ثغاء المطر الصيفيِّ . . و الثلجُ السموحُ
و أنا أحلم بالأعراس و الصيفِ
و طعم الأمسيات الدبقةْ
أبتدي في رجفةِ الأصبعِ ،
أو يمخرني الخوفُ . .
فتنهي رحلةَ الشوق حبال المشنقةْ
فأداري خيبتي الأولى . . أباهي :
أيها الوجه الترابيّ البخيلُ
إعفني من حمل أثقالك في قلبي
فقلبي . .
حيثما مالتْ به الريحُ . . يميلُ ! . .
بين نهديكِ الغضاريين و السرّةِ أرتاح و أغفو
يعتريني حزنكِ الوالع كالجمرِ
فأستيقظ في حزن الرمادِ
ترتديني يدك الغضّة أثواب طهاره
و ألبيكِ . . ألبيكِ :
اشهدي يا فئة الموتى على حزني
و يا أنثى اتقيني
أنا مولى سادتي . .
( أنتِ لديَّ الأَمَةُ الأصغرُ . . )
مولاك أنا ، حامل أختام المحازين ، سبيّ الأرصفةْ
ضيّعتني في دمشقَ الريحُ . .
فاسّاقطتُ عريانَ على ثلج البلاد المترفهْ
لم تمكنّي من الدفء يدي
فترمّدتُ على زاوية الموقد بركان حنينِ
لا اعترافاتي أفادتني . .
و لا أردية الرهبان في الكفّ النظيفةْ
فاشهدي يا فئة الموتى على يأسي . .
و كوني . .
حين يمتصّكِ من قلبي لصوص الليلِ
جرّاتٍ من الخمر . . و دنيا أرغفةْ
غرّبي ، ما لوّحتْ كفُّ المحازينِ ، على كل الدروب
و استفيئي من شراراتي بأعشاب الحقولْ
فأنا . . من عادتي ، حين يجن الشوقُ ،
أن آتي مع الليل و في استيقاضة الريح الشمولْ
و أنا المارق من قافلة الأهلِ
و زلّاتِ العيون المستجيرةْ
أتوارى بين جلد الليل و الشمسِ . .
و أعرى في فظاظاتِ الظهيرةْ
لابساً وجهي على علّاتهِ . .
جِلدي . . و أوراقي . . و أَشعاري الأليفةْ
ضائعاً . . يكتبني الشعرُ على كل القوافي
فاسحبي وجهكِ أنّى ساومتكِ الريحُ
أو شدّتكِ - إذ تعطش - أحزان السهوبِ

ربما ألقاك في بيروتَ . .
أو أطلع في بغداد بكّاءً على صدر الحسينِ
حاملاً وجهك ، إذ يرعشُ ،
ما بين كآباتي و بيني
و لقد أسْتَبِقُ الريحَ إلى بابكِ
أقتاد الشجون المزمنةْ
و أسوق الوله الطيّب . . من قلبي إلى ضفّة عينيكِ
سرايا أحصنةْ
فاهربي ما ساومتكِ الريحُ ،
أو شدّتك - إذ تعطش - أحزان السهوبِ
ستضيعين مع الرعشةِ . .
ما بيني . . . و بيني .

حين تجيئين مع المساءْ
أشيلُ عينيك على حدائقي سراجا
أرفع أوجاعك حول بيتنا سياجا
أنصّب الحزنَ أميراً بيننا
يغلّ في مخادع الحريمِ . .
أو يلوذ كالشحاذ في متكأ الاماءْ
ينطر أن يزهر في أشعارنا الزعتر و النخيلْ
حتى يقول : " ها أنا . . . "
. . . . . . .
حين تجيئين مع المساءْ
أنصّب الحزن أميراً بيننا . .

حين عرّيتَني
و استقرّت يداكَ على مفرق الجوع و الأوبئةْ
قلتَ : " هذي امرأةْ
ضيّعت لونها بين دفع " القواداتِ " و الفاتحينْ
غيّرت وجهها الطحلبيَّ
استحالت مع الليلِ كفَّارةً للذينْ . . ؛
نازعتهم الأسرّةُ حتى على الدفءِ
عفّت عيون المرابين عنها . .
و أنكر زلّاتها السادةُ الطيّبون . . "

حين عرّيتني
و تلمَّستَ في وحشة الليل نهديَّ
أوغلتَ بين الحشاشة و النحرِ
هزّتكَ ريحُ البراءةْ
صرتَ أنت الأمير المطهّمَ . .
صرتَ المجاهد أن يفتديني
قلتَ : " هذي امرأةْ
ضيّعتها القوادةُ . .
أذوت شراراتِها ذلّةُ الفاتحين . . "
فأنا بعد هذي السنينْ
أتجمّعُ . . . لا أنحني .


من هناك ابتدأتْ هجرتُنا الأولى
و كنا اثنين وسْط الزوبعةْ
بيننا الليل - و لا يدرون - و القلبُ الطموحُ
و الصبابات التي طهّرها الجرحُ ،
و صفى و هجَها الثلجُ السموحُ
و تجمّعنا على مائدة الليلِ ،
قرأنا سورةَ الأحزان و اليأسِ . .
فصِرْنا أربعةْ . . . .

حبيبي في بلاد الشام
أرحني من كآباتكْ
تدفّأ بين نهديّ الغضاريين . . و اسفحني
على أثوابكَ البيضاء دنّاً من نبيذ العيدِ
أسفاراً من المتعةْ
و خلِّ شراعكَ المهزومَ يبحر في جحيم القلب و الأعصابْ
حبيبي في بلاد الشام
أغثني من رياح اليأسِ
دفّىء وجهيَ المكلوم في حمّى عباءاتكْ
و بين توجّسِ الواحات و القمم السرابيّه
أرحْ مرساتك التعبى من الابحارْ
و خذني ليلة الجمعةْ ..

يا امرأةً من عصب النخيلِ ،
من توهج السمّاق و التمرِ . .
و من طراوة الصنوبر
ضاربةً في كل ساحةٍ لها علامةْ
أدعوك أن تبتردي
من سطوة الهجير و الصحراء في ظلَّ بساتيني
تُوَسِّدي وجهك أعشابي . .
تذوقي نكهة الحشيش و الحنطة و الترابْ
أدعوك أن . . .
يغسلُكِ الثلجُ ، تنامين على ذراعيَ الباسق كاليمامةْ
يا امرأةً من عصب النخيلِ . . لا تهاجري
أو . . هاجري
من وجعٍ ينفتح القلب الذي احتواكِ
يدعو لك بالايابْ
و حين . . لا الرياحُ تغويكِ
و لا الحشائش الغضّة . . و الترابْ
يغسلني النحيبُ : أشتاق إليكِ قبل أن تسافري
أصرخ : " لا تهاجري "
أقول في سرّي : " مع السلامةْ . . "

يعبر كالسحابةْ . .
عجولةً ؛ و يقرأ السلامْ
هلا . . هلا . . و يقرأ السلام
و كلّما هممتُ أن أقبّلهْ
هممتُ أن أسجد له
يهرب كالسحابة العجولةْ
ألمجد لهْ
ألمجد لهْ .

و . . ها أنا ممتلىءٌ بالموتْ
حافٍ على جليدكِ الهشِّ . . حزين الروحْ
طافٍ على صقيع أنهاركِ
يستردّني الهجيرُ . .
يستعيدني العوسجُ . . و الأسفلتُ . . و الغبارْ
أخرق جلد المنّةِ العجفاءِ
أرمي غلّتي للماءِ
أستوفي شروط الشمس و الزجاج و النهار
آكل من لحمي على يديكِ
أمشي في ضمير التربة المهانة
لكلّ شيءٍ ، قلتِ ، وجههُ
لكل صفعةٍ ساحتها . .
لكل خيّالٍ على صهوته إشارةْ
و ها أنا آتيك ملء العينِ
ملء الأرضِ . . و التربة . . و النهارْ
ملء النبات الحيّ . . و الخضرة . . و الثمارْ
ها أنذا آتيكِ مِلْ . . . .
ها أنذا . . .
ها أنذا أنهارْ .

من ديوان حوارية الموت و النخيل
اتحاد الكتّاب العرب - دمشق 1972

تصميم : بهجت المصطفى

Hosted by www.Geocities.ws

1