أيها القارىء ، ستجد في هذه الصفحات الأثر الأحمر الذي خلفته قطرات من دمي ، الأثر الذي يشير إلى رحلتي بين الناس و العواطف و الأفكار . كل إنسان ، يستحق أن يدعى بابن الإنسان ، عليه أن يحمل صليبه و يصعد جلجلته . كثيرون ، و الحقيقة معظمهم ، يصلون إلى الدرجة الأولى أو الثانية ثم ينهارون لاهثين في منتصف الرحلة و لا يصلون إلى ذروة الجلجلة ، بمعنى آخر ذروة . واجبهم أن يصلبوا ، و أن يبعثوا ، و أن يخلصوا أرواحهم . تضعف قلوبهم لخوفهم من الصلب ، و هم لا يدرون أن الصليب هو الطريق الوحيد للبعث ، و لا طريق غيره .
إنها رحلة إنسان يحمل قلبه في فمه و هو يصعد جبل مصيره الوعر و القاسي . إن روحي كلها صرخة و أعمالي كلها تعقيب على هذه الصرخة .
لقد كافحت بأقصى ما استطيع للوصول إلى ما لم استطيعه .
حين أكون سكران أو غاضباً أو حين ألمس المرأة التي أحب أو حين يخيفني الظلم و ارفع يدي احتجاجاً أمام الشيطان على الأرض اسمع هذه العفاريت تجأر في أعماقي و تغير على باب المصيدة لكي تحطمه و تخرج مرة أخرى إلى النور و تتسلح مرة أخرى . أنا آخر الأحفاد و أحبهم في النهاية . و غيري ليس لهم أمل أو ملاذ . و كل ما يتبقى لهم للانتقام أو الاستمتاع أو المعاناة لا يستطيعون إلا من خلالي . فان فنيت فنوا معي . و حين اتقلب في القبر فإن جيشاً من الوحوش ذوات الشعر الكثيف و البشر المحزونين سينقلبون معي . ربما كان هذا ما يجعلهم يعذبونني بهذا الشكل و هذا سر عجلتهم . و ربما كان هذا سبب كون شبابي قلقاً و رافضاً و تعيساً .
في إحدى ليالي الصيف كنت ، مرة أخرى ، جالساً في دارنا على كرسيّ الصغير . و أتذكر أنني رفعت عيني و أبصرت النجوم لأول مرة . صرخت ، و أنا أقفز على قدمي ، خائفاً : " شرر ، شرر " و بدت لي السماء حريقاً هائلاً ، و بدا لي أن النار قد وصلت إلى جسدي الصغير .
كان واحداً من المتصوفين الارثوذوكس المفضلين لدي يقول دائماً : " طالما أننا لا نستطيع أن نغير الواقع ، فلنغير العيون التي ترى الواقع " . و كنت أفعل ذلك في طفولتي ، و أنني أفعل ذلك الآن ايظاً في أكثر لحظات حياتي إبداعاً و خلقاً .
و الحقيقة أنه ما من شيء يشبه عيني الله إلا عينا الطفل إنهما تريان العالم لأول مرة و تخلقانه .
لم أرَ شيئاً واحداً مرتين أبداً لأنني كنت أمنحه وجهاً جديداً في كل مرة و اجعله غير معروف ، و هكذا فإن عذرية العالم كانت تجدّد نفسها في كل لحظة .
مرات عديدة خلال حياتي ، أحياناً باختياري و أحياناً مجبراً ، كنت أضع قناعاً ملائماً على مخاوفي بالطريقة ذاتها على الحب و الفضيلة و المرض و بهذا جعلت الحياة محتملة .
و لكن كلما أحسست أن عقلي يتفتح و يزيح حدود الحقيقة ، أحسست ان قلبي يمتلىء و يفيض بالألم . كانت الحياة تبدو لي ضاغطة بشدة . و لعجزي عن التلائم معها صرت أتوق للموت . هذا هو الشيء الوحيد الذي بدا لي دون حدود و بالتالي فهو قادر على احتوائي . و ذات يوم ، أذكر انه كان يوماً مشمساً و أحسست أن جسدي معافى و مرتاح اقترحت على صديقي ان نقتل أنفسنا . كنت قد كتبت رسالة مليئة باليأس ، نوعاً من الوصية ودعت فيها العالم لكن صديقي رفض و لم تكن لدي الرغبة في الرحيل بمفردي .
بدأت أحشد الكلمات و أقذف القصائد و حكايات القديسين و الروايات التي قرأتها . و بالنهب دون خيار ، من هذه و تلك بدأت أكتب . و لكن الكلمات الأولى الني سطرتها على الورق أدهشتني . لم يكن لدي شيء كهذا في ذهني . كنت ارفض ان أكتب شيء كهذا في ذهني ، فلمَ كتبته ؟ كأني لم أتحرر من اتصالي الجنسي الأول ( رغم أنني كنت متأكداً من تخلصي منه ) و قد بدأت أبلور حكاية عن الفتاة الايرلندية ، حكاية مليئة بالعاطفة و التصورات الخيالية . لم يسبق لي أن تحدثت إليها بكلمات لطيفة كهذه ، ولم يسبق لي أن أحسست بالنشوة كهذه حين لمستها مثلما أجد الآن على الورق . كذب ، كذبات غير أنني و أنا أعدد هذه الكذبات ، أمامي على الورق بدأت أفهم ، لدهشتي ، أنني كنت أجد بالفعل متعة كبيرة فيها ، أكانت حقيقة فعلاً هذه الكذبات كلها ؟ و لمَ لمْ أكن أعرف بهذه المتعة خلال ممارستي لها ؟ و لمَ أنا أكتبها ، أعيها لأول مرة ؟