Home Page Arabic section English section

 

شغب

 

-        أليست السماء بعيدة عن نور النهار؟

-        بلى.

 

كنت دائماً مقتنعاً أن الجمال أمر بعيد عن الإدراك اللغوي – الإبداع يُحس به لكن لا يُدرك. هو أقرب إلى أن يكون حاسة أخرى تسير بخطى سريعة إليك، فتمضي إليها عينيك، وتوازن قلبك، وارتعاش يديك بخطى أسرع.

 

أحيانا، عندما أقف أمام المرآة أتساءل، هل هذا الذي يقف مقابلي صورة لي، أم أنني أنا صورة لمن يقف في المرآة؟ وهل يكفي عندما أدرك أنني أقف أمام المرآة أن أجزم أنني أنا الحقيقي وهذا صورة؟ لماذا لا نكون نحن عبارة عن صور، لكن كثرة الصور جعلتنا نتوهم أننا نحن الحقيقيون؟

 

 الأمر شبيه بشعر جميل بُثينة عندما قال:

 

لَقَدْ شُغِفَتْ نَفسِي بُثيْنَ بذِكْرِكُم           كَمَا شُغِفَ المَخْمُورُ يَا بُثْنَ بالخَمرِ

 

كم أتوق إلى مقعد محاذ للبحر، أجلس عليه وأسافر بخيالي في الوقت التي تعود فيه الطيور إلى أوكارها مختبئة مطمئنة، مسرعة في الطيران كأنها تُعلن غروب يوم آخر من الخوف. أطوف بخيالي على قرى ذكرياتي وبيوت في المستقبل، أرسم تفاصيل ذلك الغائب الحاضر وأجعله بطل في رواية أنا بطلها. أسامره بحديث لم أفكر به بعد، أشاطره هموم لم تصبني بعد، أحيا به الماضي الذي كنت فيه وحيداً وأعلن فيه تفاصيل لم تأتي بعد.

 كان بإمكاني أن أراقب تلك الطيور من نافذة غرفتي!

 

عندما يبدأ رسّام ولادة لوحة جديدة، يعلن نفسه متوحداً مع أسطورة اللون الأبيض المجرد، يحتضن ريشته كما يحتضن قلبه، يحاذر في اختيار الألوان، يفجر الخط الأول، يحني جسده مع كل حركة للريشة، يتحرك بتناغم كما تتحرك كتلة الرصاص عندما تبدأ بالذوبان، يُشرق بألوانه تدريجياً، خط تلو الآخر ولون تلو الآخر، كما تُشرق الشمس لتمحي لون الظلام المجرد. تبدأ اللوحة بالابتسام كما تبدأ الطيور الغناء مع بداية كل شروق. يمنح الرسّام كل كيانه وفنه وشعره اللونيّ للوحة – في النهاية تعلن اللوحة ولادة رسام في معرض للفنون!

 

-        هل السماء فعلاً زرقاء؟

-        أجل، ألا ترى زرقتها؟!

 

مسكين ذلك الشاعر. مسكين من كان الحب دائه. يموت العاشق شوقاً وينتحب في البُعد ويذبل حتى يموت ذليلاً مهاجراً بين ماضٍ ساكن ومستقبل لم يأتي. يقتله شكّه بيقين الغدر، وحسرته على احتمال وصل تعذّرت أسبابه.

 

-        لماذا العصفور في القفص؟

-        لا أدري ...

 

لقد سرت حاسة جمال بُثينة الأخرى نحو جميل شاعرها فسلبته كيانه وغدا أسير قفصها. مضى إليها مسرعاً، ينظمها أجمل الأشعار ويخلّدها في التاريخ، يجعل منها أسطورة تغار منها النساء وتجعلهنّ يتمنّين لو كنّ بثينة - كان جميل من أروع رسّامي لوحات الشعر!

 

هناك احتمال آخر، لقد كانت بُثينة مقعداً محاذ للبحر!!

 

-        هل السماء فعلاً زرقاء؟

-        أجل، ألا ترى زرقتها؟!

-        أليست السماء بعيدة عن نور النهار؟!

-        بلى.

 

عزيز وادي

7/2/2003

 

 

 

 

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1