| Home Page | Arabic section | English section |
سادة لو سمحت...
كنت ما أزال أصارع الدخول في الوعي مرة أخرى، في فمي مرارة أحلام
عبرت ذاكرتي في الليلة الماضية، أو مرارة أحلام ما تزال تأبى العبور. أتفحص الغرفة
جيداً، كل شيء في مكانه وكما تركته ليلة أمس، أتأكد أن الشق ما زال يبدأ من منتصف الجدار
ويمتد ليعبر قمته حتى جزء من السقف، الكتاب ما زال مقلوباً حيث انتهيت من وجبة
القراءة التي قاربت أن تصبح فرضاً، أوراق مبعثرة، أقلام كثيرة ومجموعة صور. يجب أن
أشكر القدر على هذا الشق الجميل، فلقد وجدته اليوم كما تركته بالأمس، يبدو أن
القدر قد غفل عني هذه الليلة. هناك شيء واحد قد تغير، لم تعد الستائر قادرة على
حجب النور في الخارج، يبدو أن الشمس قد أشرقت منذ مدة.
أغمض عيني قليلاً، وأسافر بذهني في الليلة الماضية، رغم كل تلك
الصور التي تثير في نفسي التمرد والاشمئزاز، غرقت سفني أمام بحر الأوراق المبعثرة،
ولم تفلح صواري أقلامي أن تقاوم العاصفة. أحاول أن أجد شيئا جديداً يغطي كل تلك
الأصوات المتراكمة في عقلي، لماذا هي تستعجلني، ألم يكن لنا لقاء في ليلة الأمس؟!
يجب أن أغادر قبل أن يزداد الشق اتساعاً. أضع ملابسي على عجل وأقف قليلاً أمام
المرآة، أرتب تفاصيل وجهي وأعيد كل شيء إلى مكانه الصحيح. في الخارج ينتظرني نهار
آخر!
أسير مسرعاً إلى ملجأي الصباحي، أحمل في ذاكرتي صحيفة الصباح. ابتدأ
أن يبرز لي مدخل المقهى، أسمع صوت فيروزي يستعجل خطاي، أدخل وأجلس. سوف يسألني ذلك
الرجل مرة أخرى كما فعل في الأمس وكما فعل دائما: " كيف تحتسي القهوة؟
". لماذا يجب أن يسألني دائما هذا السؤال، هل هو شيء غريب أن أحتسي القهوة
بدون سكر؟! فأنا أفعل ذلك منذ أول مرة عاشرت فيها القهوة، ذلك اليوم الذي كان فيه
الشق عبارة عن نقطة في منتصف الجدار. يومها لم أستسغ السكر في بحر المرار، كان
مذاقه أشبه بالطفل اللقيط، فأنا لم أقتنع يوما بالأشياء المشوهة كجدار غرفتي
المشقوق.
-
صباح
الخير.
-
أهلاً،
صباح النور.
-
كيف
تحتسي القهوة؟
-
سادة
لو سمحت.
أنتظر فنجاني الذي سيأخذ عني القرار،
فيعيدني إلى الحياة مرة أخرى. أقرأ قليلا في صحيفتي التي حفظتها عن ظهر قلب، أُفجع
لكل خبر موت أو حادثة انتحار، أضحك عند كل طرفة أو دعابة...
-
تفضل يا سيدي.
-
شكراً.
الفنجان أمامي، أشعر بالرهبة منه والشوق
إليه. أراقب خيط البخار المتصاعد، يبحث عن شق ينتهي إليه. أقبّل الفنجان وأشعر
بنشوة العذرية الأولى التي نُهديها لمن نحب، عجينه من الألم واللذة والخوف
والمتعة. أعيد الفنجان بهدوء وأستعجل يدي إلى علبة الدخان، أشعل سيجارة وأملأ صدري
بها حتى يفيض النفس إلى قلبي. أراقب خيط الدخان الخارج من فمي يتضخم ويزداد حجمه
حتى ينتهي تماماً كأنه لم يكن قبل قليل يبحث داخل صدري عن ملجأ.
أتأكد أن ما بقي داخل الفنجان يكفي لجولة
تدخين أخرى، أشعر بالاكتئاب من المقهى، أستعجل نفسي وأضع فنجان القهوة قتيلاً على
الطاولة. أطوي صحيفتي وأتأكد أنني لم أنسى أي صفحة منها في زوايا المقهى، وأغادر.
-
نهارك سعيد.
-
طبعاً.
عزيز
وادي
11/2/2003