English Section Arabic section Home Page

 

العطاء الأخير

ديك الجن، مرثيتك لم تقدم عذراً... فعذراً

 

جافاني القمر، وحجب ضياءه الليلي عن حدود نافذتي، وفي زحمة الغيم غاب وعلى ذيوله عاشرت القهر. أليس الأجدر أن يكون السهر؟! لا فرق الآن. هي – على كل الأحوال- لم تكن أكثر من صحراء حب توهمت فيها سراباً ولم يروي فيها العطش مطر. جاهداً أخفي ارتعاش يدي، والبريق في عيني كسته الرمال فهو شاحب على ذكرى أحلام لم تتحقق بعد. لا فرق الآن، فقد ألفت هذا الطريق، فهو الآن ملجأي الذي يردني في كل مرة إلى سراديب الدفء الليلية.

آه ما أقسى وما أرحم هذا الظلام. تتوهم وأنت في عتمة الليل الأمان والدفء. هو ليس كذلك، أنت لا ترى شيئاً، لا يعني ذلك أنك لوحدك – الكل يتربص بضعفك، الكل يستغل حاجتك – ما أنت إلا دمية تحركها أياد في الظلام، وقلبك مشترك في الجريمة. قلبك الذي حرصت على حالته النفسية، وترنمت على وقع دقاته، وسعدت لخفقانه يقدمك الآن على طبق من ذهب وليمة رخيصة لمحترفي القسوة والحب. وهل هو دفئاً الذي تحتضنه؟! يا صديقي، إذا غاب الظلم لن تعرف طعم الحرية، وإن قتلك البرد توهمته دفئاً، أو برداً. على كل حال أنت تجهل ما تمليه عليه حواسك، فأنت لا ترى غير العتمة، ولا تسمع غير دقات قلبك المتربص بك كقنبلة موقوتة، ليعلن أوراق فرحك، وبكائك، وغضبك، وصمتك الخاسرة في قمار الحب، ولا تلمس غير اللزوجة الثقيلة على صدرك، كأنما هو دمك المزرق غطى مساحات جلدك، فأنت الآن تنزلق باحتراف بين خسارة وأخرى.

غريب، في كل مرة أراهن على الحصان الخاسر، ليحتفل غيري. قد يكون ذنبي أنني ظننت أن الخيوط الساقطة من السماء معقودة النهايات. كان يجب أن أنفي القوانين الفيزيائية عند التفكير بحالتي الخاصة جداً!

أحياناً أذكر ذلك اليوم الذي كنت فيه بالمقبرة. لفت انتباهي ذاك الرجل الذي وضع جسد أبيه في مستقره الأخير وأخذ يغطيه بالتراب. أتسائل أحياناً، أهذا هو العطاء الأخير؟! قد يكون هو كذلك، أن تمنح من منحك عمراً قبراً، صغيراً مظلماً، على حدود جسده، وتدير إليه ظهرك، ولا تفكر حتى بالتلويح له مودعاً. أنت على حق، لماذا الوداع؟! أنت أعلم مني بذلك، فلقد سرقت منه اليقظة فلن يأبه اليوم لوداعك الأصفر.

على كل حال، لا فرق الآن...

عزيز وادي

6/2/2004

Hosted by www.Geocities.ws

1